ثم أبسط هذا الكلام وأقول: إن الهدية والهَدْي والهدى والإهداء والتهادي كله راجع إلى معنى الميل والإمالة، ومنه: هدايته الطريق؛ أي: أملته إليه، والهدى: الرشاد، وهو الإمالة عن طريق الغَيِّ، وهديت المرأة إلى زوجها، راجع إلى ذلك أيضًا.
ومصدره: هدَاء، قال زهير (^٢):
. . . . . . . . . . . … فَحُقَّ لِكُلِّ مُحْصَنَةٍ هِدَاء (^٣)
وهي مهدية وهدي، و: فلان يهادى بين اثنين، إذا كان يمشي بينهما
_________________
(١) انظر أيضًا في التفريق بينهما كلامًا لعبد الغني النابلسي (ت ١١٤٣ هـ) في كتابه: تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية.
(٢) هو زهير بن ربيعة الملقب بأبي سلمان، من قبيلة مزينة من مضر، من فحول الشعراء في الجاهلية، وعده عمر ﷺ أشعر الشعراء، وكان زهير يتأله ويتعفف لشعره ولا يمدح أحدًا بغير ما فيه، له: معلقة، ينظر: أشعار الشعراء الستة الجاهليين ص ٤٨.
(٣) بداية البيت: فإن تكن النساء مخبآت ينظر: ديوان زهير بن أبي سلمى، ص ١٤.
[ ١١٠ ]
معتمدا عليهما، وفي مَشْيِه تمايل من الضعف، ويتهادى في مشيه؛ أي: يتمايل، فالكلمة كلها راجعة إلى هذا المعنى.
ولما كانت العطية تُمِيلُ [قلب] (^١) مَنْ يُعطَى له إلى من يعطيها، سُمِّيت هدية لذلك، ومنه الحديث: (تَهَادُوا تَحَابُّوا) (^٢)، فَجَعَلَ التهادي سببًا في التحابب، والهدية سببًا في المحبة، والمحبة ميل القلب، والتحابب والتوادد. واستمالة القلوب محبوب في الشرع بهذا الحديث وبغيره؛ فلهذا استُحِبَّت الهدية لما يترتب عليها من الأمر المطلوب شرعًا، وهو التوادد الذي به يحصل التعاون على مصالح الدنيا والآخرة، ويكون عباد الله إخوانا كما أمرهم نبيهم ﷺ.
فإن خطر ببالك سؤالٌ يَرِدُ على هذا، فستجده في آخر الكلام إن شاء الله تعالى.