[ ١٢ ]
الزكاة فريضة من فرائض الإسلام، وهي أحد أركانه وأهمها بعد الشهادتين والصلاة، وقد دلَّ على وجوبها كتاب الله - تعالى - وسُنَّة رسوله ﷺ، وإجماع المسلمين، فمن أنكر وجوبها فهو كافر مرتد عن الإسلام يستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل، ومن بخل بها أو انتقص منها شيئًا فهو من الظالمين، المستحقين لعقوبة الله - تعالى - قال الله - تعالى: ـ: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَتِ وَالاَْرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿سورة آل عمران ١٨٠﴾ . وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن آتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته مُثِّلَ له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زَبيبتان يُطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول: أنا مَالُكَ أنا كنزُك» (١) . الشجاع: ذَكَرُ الحيَّات، والأقرع: الذي تمعط فروة رأسه لكثرة سُمِّه، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ﴿سورة التوبة ٣٤-٣٥﴾ .
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الزكاة (٨٤٠٣) .
[ ١٣ ]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدِّي منها حقَّها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبهُ وجبينه وظهرهُ كلما بردت أُعيدت في يوم كان مقدارهُ خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد» (١) .
وللزكاة فوائد دينية وخلقية واجتماعية كثيرة، نذكر منها ما يأتي:
فمن فوائدها الدينية:
١ - أنها قيام بركن من أركان الإسلام الذي عليه مدار سعادة العبد في دنياه وأخراه.
٢ - أنها تقرب العبد إلى ربه وتزيد في إيمانه، شأنها في ذلك شأن جميع الطاعات.
٣ - ما يترتب على أدائها من الأجر العظيم، قال الله - تعالى ـ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَواْ وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ ﴿سورة البقرة ٢٧٦﴾ . وقال - تعالى ـ: ﴿وَمَآءَاتَيْتُمْ مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآ ءاتَيْتُمْ مِّن زَكَوةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ﴿سورة الروم ٣٩﴾ . وقال النبي ﷺ: «مَن تصدَّق بعدل تمرة - أي: ما يعادل تمرة - من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يأخذها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فُلُوَّه حتى تكون مثل الجبل» رواه البخاري ومسلم (٢) .
٤ - أن الله يمحو بها الخطايا كما قال النبي ﷺ: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (٣) . والمراد بالصدقة هنا الزكاة وصدقة التطوع جميعًا.
_________________
(١) صحيح مسلم كتاب الزكاة (٩٨٧) .
(٢) صحيح البخاري كتاب الزكاة (١٤١٠) ومسلم كتاب الزكاة (١٠١٤) .
(٣) سنن الترمذي كتاب الإيمان (٢٦١٦) وصححه الترمذي وسنن ابن ماجه كتاب الفتن (٩٣٧٣) ومسند الإمام أحمد ٣/٣٢١.
[ ١٤ ]
ومن فوائدها الخلقية:
١ - أنها تُلْحِق المزكي بركب الكرماء ذوي السماحة والسخاء.
٢ - أن الزكاة تستوجب اتصاف المزكي بالرحمة والعطف على إخوانه المعدمين، والراحمون يرحمهم الله.
٣ - أنه من المشاهد أن بذل النفع المالي والبدني للمسلمين يشرح الصدر ويبسط النفس ويوجب أن يكون الإنسان محبوبًا مكرمًا بحسب ما يبذل من النفع لإخوانه.
٤ - أن في الزكاة تطهيرًا لأخلاق باذلها من البخل والشح كما قال - تعالى ـ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ﴿سورة التوبة ١٠٣﴾ .
ومن فوائدها الاجتماعية:
١ - أن فيها دفعًا لحاجة الفقراء الذين هم السواد الأعظم في غالب البلاد.
٢ - أن في الزكاة تقوية للمسلمين ورفعًا من شأنهم، ولذلك كان أحد جهات الزكاة الجهاد في سبيل الله كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
٣ - أن فيها إزالة للأحقاد والضغائن التي تكون في صدور الفقراء والمعوزين، فإن الفقراء إذا رأوا تَمَتُّع الأغنياء بالأموال وعدم انتفاعهم بشيء منها، لا بقليل ولا بكثير فربما يحملون عداوة وحقدًا على الأغنياء حيث لم يراعوا لهم حقوقًا، ولم يدفعوا لهم حاجة، فإذا صرف الأغنياء لهم شيئًا من أموالهم على رأس كل حول زالت هذه الأمور وحصلت المودة والوئام.
٤ - أن فيها تنمية للأموال وتكثيرًا لبركتها، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «ما نقصت صدقة من مال» (١) . أي إن نقصت الصدقة المال عدديًّا فإنها لن تنقصه بركة وزيادة في المستقبل بل يخلف الله بدلها ويبارك له في ماله.
_________________
(١) صحيح مسلم كتاب البر والصلة (٢٥٨٨) وسنن الترمذي كتاب البر والصلة (٢٠٢٩) ومسند الإمام أحمد ٢/٢٣٥.
[ ١٥ ]
٥ - أن له فيها توسعة وبسطًا للأموال، فإن الأموال إذا صرف منها شيء اتسعت دائرتها وانتفع بها كثير من الناس، بخلاف إذا كانت دولة بين الأغنياء لا يحصل الفقراء على شيء منها.
فهذه الفوائد كلها في الزكاة تدل على أن الزكاة أمر ضروري لإصلاح الفرد والمجتمع، وسبحان الله العليم الحكيم.
والزكاة تجب في أموال مخصوصة منها: الذهب والفضة بشرط بلوغ النصاب، وهو في الذهب أحد عشر جنيهًا سعوديًّا وثلاثة أسباع الجنيه. وفي الفضة ستة وخمسون ريالًا سعوديًّا من الفضة أو ما يعادلها من الأوراق النقدية، والواجب فيها ربع العشر، ولا فرق بين أن يكون الذهب والفضة نقودًا أم تبرًا أو حليًّا، وعلى هذا فتجب الزكاة في حُليّ المرأة من الذهب والفضة إذا بلغ نصابًا، ولو كانت تلبسه أو تعيره، لعموم الأدلة الموجبة لزكاة الذهب والفضة بدون تفصيل، ولأنه وردت أحاديث خاصة تدل على وجوب الزكاة في الحُلي وإن كان يلبس، مثل ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن امرأة أتت النبي ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال: «أتعطين زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «أَيسُرُّك أن يُسوِّرك الله بهما سوارين من نار؟» فألقتهما وقالت: هما لله ورسوله (١) . قال في «بلوغ المرام»: رواه الثلاثة وإسناده قوي، ولأنه أحوط وما كان أحوط فهو أولى.
_________________
(١) سنن أبي داوود كتاب الزكاة (١٥٦٣) وسنن الترمذي كتاب الزكاة (٦٣٧) وسنن النسائي كتاب الزكاة (٢٤٧٩) .
[ ١٦ ]
ومن الأموال التي تجب فيها الزكاة: عروض التجارة، وهي كل ما أعد للتجارة من عقار وسيارات ومواشي وأقمشة وغيرها من أصناف المال، والواجب فيها ربع العُشر فيقومها على رأس الحول بما تساوي ويخرج ربع عشره، سواء كان أقل مما اشتراها به أم أكثر أم مساويًا. فأما ما أعدَّه لحاجته أو تأجيره من العقارات والسيارات والمعدات ونحوها فلا زكاة فيه لقول النبي ﷺ: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (١)، لكن تجب في الأجرة إذا تم حولها وفي حليّ الذهب والفضة لما سبق.