الدُّرر، جمع درة، وهي: اللؤلؤة العظيمة الكبيرة.
البهية: الحسنة الجميلة.
قال المؤلف - ﵀ -: (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ)
ابتدأ المؤلف بالبسملة، اقتداء بكتاب الله ﵎، وبسنة النبي - ﷺ - فإنه ﵊ كان يقتصر عليها في مراسلاته من دون الحمد، كما في كتابه لهرقل عظيم الروم (١).
وأما في خطبه - ﷺ - فكان يبدأ بالحمد (٢).
ومعنى البسملة هنا: أكتب مستعينًا بالله ذي الرحمة.
ثم قال ﵀: (أحمدُ مَنْ أمَرَنا بالتَّفَقُّه في الدين)
الذي أمرنا بالتفقه في الدين هو الله ﵎، فقال سبحانه ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال - ﷺ -: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلمٍ» (٣)
وقول النبي - ﷺ - وحي من الله، فأمره أمر من الله؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.
والفقه في الدين يشمل علم العقيدة، وعلم الفقه، وعلم الأخلاق والآداب.
يحمدُ المؤلفُ اللهَ ﵎، وقد عدل عن قوله (أحمدُ الله ﵎) إلى قوله: (أحمدُ من أمرنا بالتفقه في الدين) مع حمده لله في بداية تأليفه، إشارة منه - ﵀ - إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٤١) عن أبي سفيان بن حرب - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٨٦) و(٤٦٧) و(٩٢٣)، ومسلم (٩٠١) و(٩٠٥) و(١٠١٧) عن جمع من الصحابة.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٢٤) عن أنس - ﵁ -، وروي عن جمع من الصحابة، أفضلها حديث أنس - ﵁ -. قال الإمام أحمد: «لا يثبت عندنا فيه شيء» «المنتخب من علل الخلال» (٦٢) وقال البيهقي: «متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لا أعرف له إسنادًا يثبت بمثله الحديث». المدخل إلى السنن الكبرى (٣٢٥). وانظر: «المقاصد الحسنة» (٦٦٠) للسخاوي.
[ ٦ ]
موضوع الكتاب، وهو ما يسمى عند العلماء «براعة الاستهلال»، وهي أن يقدِّم المصنفُ في ديباجة كتابه - أي في فاتحة كتابه - جملة من الألفاظ يشير بها إلى موضوع كتابه.
و«الحمد» الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله مع المحبة والتعظيم، ويكون هذا الثناء بالقلب واللسان.
ثم قال ﵀: (وأشكرُ من أرْشَدَنا إلى اتباعِ سُنَن سيدِ المرسلين)
هذا شكر من المؤلف - ﵀ - لله ﵎، فإنه هو من وضح وبيّن لنا طريق النبي - ﷺ - وأمرنا باتباعه.
ولعل المؤلف يشير بذلك إلى أن كتابه الفقهي هذا سيكون مبنيا على الكتاب والسنة، فإنه لم يذكر فيه من المسائل الفقهية إلا التي صحّ دليلها عنده أو أجمع عليها العلماء، وترك من المسائل ما استنبطه العلماء استنباطًا، أي المسائل الاجتهادية.
فقد حاول - ﵀ - أن يسير على طريقة أهل الحديث في الفقه، التي تقدم الكتاب والسنة على كل شيء مع اعتبارهم للمعاني.
وهذه مدرسة من مدارس الفقه، وهي أول مدرسة وأكثر مدرسة تعظم الكتاب والسنة بطريقة صحيحة، وذلك لأنهم أخذوا هذه الطريقة عن أصحاب النبي - ﷺ -.
ومن المدارس الفقهية أيضا، مدرسة أهل الرأي، وهذه تعتمد على الرأي كثيرًا في بناء فقهها، بل يصل الحال بالبعض إلى تقديم الرأي على النقل، أي على الكتاب والسنة، ومن هنا جاء ذم السلف للرأي.
وتعجبني كلمة قالها الإمام الأوزاعي - ﵀ - في بعض أهل الرأي، قال: «ما نقمنا على فلان أنه يرى، كلنا يرى - يشير إلى أن القياس واستعمال الرأي في حال الضرورة كلنا نحتاج إليه، لكن هذا عند الضرورة، عندما لا يوجد في المسألة كتاب ولا سنة ولا إجماع - قال: ولكنا نقمنا عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي - ﷺ - فيخالفه إلى غيره. انتهى
هنا جاء الإنكار، فمصيبة أن تترك الكتاب والسنة، وتقدم رأيك، هذا ضلال وأيما ضلال، أن تلويَ أعناق النصوص كي تتماشى مع رأيك، وعقلك، كما يفعل كثير من أهل الأهواء اليوم.
[ ٧ ]
هذه مدرسة ثانية، تسمى عند الفقهاء: مدرسة أهل الرأي، من أئمتها أبو حنيفة وتلاميذه.
وأما مدرسة أهل الحديث فمن أئمتها: صحابة رسول الله - ﷺ - وأئمة التابعين كفقهاء المدينة السبعة، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.
وكذلك فقهاء بلادهم في أزمانهم كالأوزاعي في الشام، ومالك في المدينة، والليث في مصر، وعبد الله بن المبارك في خراسان، والثوري في الكوفة، وابن عيينة في مكة، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، كل هؤلاء من أئمة أهل الحديث، كانوا يعظّمون الكتاب والسنة، ويقدمونهما، ولا يستعملون القياس إلا عند الضرورة، حين لا يوجد كتاب ولا سنة في المسألة.
و«الشكر»: ظهور أثر النعمة على اللسان والقلب والجوارح، بأن يكون اللسان مُقِرًّا بالمعروف مثنيًا به، ويكون القلب معترفًا بالنعمة، وتكون الجوارح مسْتَعْمِلَةً النعمةَ فيما يرضاه المشكور.
والشكر لله يكون بذلك كله، فلا بد من صرف النعمة التي أنعم الله بها عليك في طاعته كي تكون شاكرًا.
قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وقال المغيرة بن شعبة: قام رسول الله - ﷺ - حتى تورّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (١).
فالشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان والقلب، وأما الحمد فلا يكون بالعمل، فالشكر أعم من هذا الوجه.
والحمد يكون من غير سبق إحسان من المحمود، أو مع الإحسان، وأما الشكر فلا يكون إلا على الإحسان، فالحمد أعم من هذا الوجه.
ثم قال المؤلف - ﵀ -: (وأُصلّي وأُسلِّم على الرسولِ الأمينِ وآله الطّاهرين وأصحابه الأكرمين)
(وأصلي وأسلم) أي أسأل الله أن يصلي ويسلم على سيدنا محمدٍ - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩) عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -.
[ ٨ ]
وصلاة الله على نبيه، ثناؤه عليه عند الملائكة المقربين، كما قال أبو العالية (١).
و(السلام): أي يسلمه من الآفات والنقائص.
(وآله الطاهرين) الآل إذا ذكروا من غير ذكر الأصحاب معهم، فالمقصود أتباعه على دينه من قرابته وغيرهم، وأما إذا ذكر الأصحاب معهم كما فعل المؤلف، فالمقصود قرابته، المؤمنون منهم.
والمؤلف صلى وسلم على النبي - ﷺ - امتثالًا لقول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وقد صلى النبي - ﷺ - على نفسه وآله حين علمنا الصلاة عليه (٢).
فالآل تأتي بمعنى الأتباع، وبمعنى الأهل.
وصلاة الملائكة والعباد على النبي - ﷺ -، الدعاء له بالرحمة.