الإجارة لغة: مشتقة من الأجر، وهو: العِوَض، ومنه سُمي الثواب أجرًا.
وشرعًا: تمليك منفعة بعِوَض.
فالإجارة بيع منفعة، يعني لا تبيع عينا مثل سيارة أو بيت أو ما شابه، بل تبيع منفعة يبقى الشيء ملكا لصاحبه ولكن يشتري المنتفع منفعة البيت فينتفع به مدة ثم يرد الشيء لصاحبه.
وهي جائزة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
أما الكتاب فقال تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾.
أي: إن أرضع لكم نساؤكم المطلقات منكم طلاقًا بائنًا أولادكم الأطفال بأجرة؛ فآتوهن أجورهن على إرضاعهن إياهم.
وأما السنة فقال النبي ﷺ: «قال الله ﵎: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل
[ ٤٢٤ ]
أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حُرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يُعطِه أجره» (١).
الشاهد في الرجل الثالث، أخرجه البخاري في صحيحه.
وذكر البخاري ﵀ في صحيحه في باب الإجارة مجموعة من الأحاديث التي تدل على جواز الإجارة. (٢)
ونقل ابن المنذر الإجماع على أن الإجارة ثابتة (٣).
قال المؤلف: (تجوزُ على كلِّ عملٍ لم يمنع منه مانعٌ شرعي)
أي الإجارة تصح على أي عمل لم يحرم شرعا؛ لإطلاق الأدلة الواردة في الباب وعدم تقييدها بعمل دون عمل.
فيصح أن تستأجر شخصًا ليبني لك بيتًا، أو يشتري لك غرضًا، أو يرعى لك غنما، أو ليغسل لك شيئًا .. وهكذا، على أي عمل لم يمنع منه مانع شرعي، شرطه أن يكون العمل الذي استأجرت الأجير ليعمل جائزًا شرعًا وليس محرمًا، وسيذكر المؤلف ﵀ صورًا من العمل المحرَّم الذي لا يجوز الاستئجار عليه.
قال المؤلف ﵀ (وتكونُ الأجرةُ معلومةً عندَ الاستئجار)
أي يجب أن تكون الأجرة معلومة عند الاستئجار، يعني عندما تريد أن تستأجر شخصًا لبناء جدار مثلًا، تُعلمه كم ستعطيه، وينعقد الاتفاق بينك وبينه على ذلك، حتى لا يحصل نزاع بعد ذلك.
واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري قال: «نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبيَّن له أجره» (٤). أخرجه أحمد، لكنه حديث ضعيف.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٧٠).
(٢) صحيح البخاري، كتاب (٣٧) الإجارة، قبل حديث رقم (٢٢٦٠).
(٣) انظر الإجماع لابن المنذر (ص ١٠٦).
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٧٠)، وأبو داود في المراسيل (١١٨) مرفوعا، وأخرجه النسائي (٣٨٥٧) موقوفا، صحح أبو زرعة وقفه، وأعله البيهقي بالانقطاع. انظر إرواء الغليل للألباني (١٤٩٠) رحم الله الجميع.
[ ٤٢٥ ]
والذي صح هو أن النبي ﷺ استأجر ولم يعيِّن الأجر لمن استأجره وأعطاه أجره بعد أن أتم عمله، فأعطاه ما هو متعارف عليه. والله أعلم (١).
لكن قالوا الأجرة هنا معلومة عرفا، فإذا كانت كذلك أغنت عن تحديدها لفظا.
قال المؤلف ﵀: (فإن لم تكن كذلك؛ استحق الأجيرُ مقدارَ عملِه عند أهل ذلك العمل)
استأجرت رجلًا كي يبني لك غرفة ولم تتفق معه على أجرة محددة، بعد أن انتهى قال المؤلف: يستحق العامل مقدار عمله عند أهل ذلك العمل، أي نرجع إلى أهل العرف، نأتي إلى المختصين في البناء فنسألهم كم تكلِّف مثل هذه الغرفة أجرة البناء؟
فما حددوه وجب دفعه للعامل مقابل عمله، فيعطى أجرة المثل؛ لحديث سويد بن قيس المتقدم.
قال المؤلف: (وقد وردَ النَّهيُّ عن كسبِ الحَجّامِ، ومَهرِ البَغِيّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ)
بدأ المؤلف بذكر بعض الأعمال التي يحرم الاستئجار عليها؛ لأنه ذكر في البداية أن العمل الذي يجوز الاستئجار عليه: كل عمل لم يرد فيه نهي شرعي، فاحتاج أن يذكر لك الأعمال التي ورد فيها نهي شرعي، كأنه يقول لك: أيُّ عملٍ يجوز الاستئجار عليه إلا كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن.
كسب الحجام: أي الأجرة التي يأخذها الحجام مقابل عمله للحجامة، والحجام: فاعل الحجامة.
أخرج مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «وكَسْب الحجام خبيث» (٢)، وفي رواية: «شرُّ الكسْبِ كَسْب الحجّام» (٣).
_________________
(١) حديث سويد بن قيس أخرجه أحمد (١٩٠٩٨)، وأبو داود (٣٣٣٦)، والترمذي (١٣٠٥)، والنسائي (٤٥٩٢)، وابن ماجه (٢٢٢٠)، وهو صحيح.
(٢) أخرجه مسلم (١٥٦٨).
(٣) أخرجه مسلم (١٥٦٨).
[ ٤٢٦ ]
وعارض هذا الحديث وغيره؛ حديث في الصحيحين عن أنس «أن النبي ﷺ احتجم، حجمه أبو طيبة، وأعطاه صاعين من طعام، وكلّم مواليه فخففوا عنه» (١).
وحديث ابن عباس «أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره، ولو كان سُحتًا لم يعطه» (٢).
فاختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث.
وأحسن الأقوال فيها أن يحمل قوله): خبيث (و) شر الكسب (على معنى أنه دنيء وليس من معالي أنواع الكسب، فيحمل على التنفير عن نوع من أنواع الكسب الدنيئة، وليس على التحريم؛ لأن الحديث الآخر الذي فيه أن النبي ﷺ أعطى الحجّام أجره دل على الجواز؛ لذلك تأولنا التأويل الذي ذكرناه، فعلى ذلك يكون هذا العمل مكروهًا كراهة تنزيهية وليس محرَّمًا. والله أعلم
وأما مهر البغي: البغي، هي: الزانية، ومهرها هو: المال الذي تُعطاه الزانية أجرة على زناها.
وهو محرَّم؛ لأن الزنا نفسه محرَّم، وجاء أيضًا عن النبي ﷺ «أنه نهى عن ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي» (٣).
وأما حلوان الكاهن؛ فهو محرم أيضًا للحديث الذي تقدم، وهو: عَطِيَّة الكاهن لأجل كهَانَتِه. أي الأجر الذي يُعطاه الكاهن مقابل تكهنه.
والكهانة: ادعاء معرفة الأمور الغيبية التي ستحدث في المستقبل، وهي من الكفر.
قال: (وعَسْبِ الفحل)
وهو ماء الذكر أو ضِرابه، وقد تقدم الكلام عليه في البيع.
قال: (وأجر المؤذن)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٠٢)، ومسلم (١٥٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢١٠٣)، ومسلم (١٢٠٢).
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٨٢)، ومسلم (١٥٦٧).
[ ٤٢٧ ]
حرّم المؤلف أجر المؤذن لحديث عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله! اجعلني إمام قومي، قال: «أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتّخِذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرا» (١). أخرجه أبو داود وغيره.
وبعض أهل العلم جوَّز ذلك؛ لأن بالمسلمين حاجة إليه وقد لا يوجد متطوع به، وإذا لم يدفع الرزق فيه يعطل.
والحديث يدل على التحريم فالأخذ به أولى، وربما يُذهب إلى ذلك الرأي في حال عدم وجود متطوعين. والله أعلم.
قال الترمذي ﵀: والعمل على هذا عند أهل العلم: كرهوا أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرا، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه. انتهى
والمؤذون الذين يُوظَّفون اليوم من قبل الأوقاف لهم أخذ الأجرة على تنظيف المسجد والقيام عليه، لا على الأذان. والله أعلم
قال المؤلف: (وقَفِيز الطَّحَّان)
قفيز الطحان هو أن يُطحن الطعام بجزء منه، كأن تأتي مثلًا بقمح عند شخص عنده مِطحنة وتقول له: اطحن لي عشرة كيلو من القمح ولك منها كيلو.
ورد في ذلك حديث عن أبي سعيد قال: «نُهي عن قَفِيز الطَّحَّان» (٢). أخرجه الدارقطني وغيره وهو حديث ضعيف.
فالصحيح أنه جائز إذا كان الكيل معلوما، تقول له: لك كيلو أو كيلوين مثلا.
قال المؤلف: (ويَجوزُ الاستئجارُ على تلاوةِ القرآنِ، لا على تَعلِيمه)
الصحيح أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلى الرقية به جائز.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦٢٧٠)، وأبو داود (٥٣١)، والنسائي (٦٧٢)، والترمذي (٢٠٩)، وابن ماجه (٧١٤)، مختصرا ومطولا.
(٢) أخرجه الدارقطني (٢٩٨٥)، والبيهقي (٥/ ٥٥٤). انظر علته في نصب الراية للزيلعي (٤/ ١٤٠)، والبدر المنير (٧/ ٣٩).
[ ٤٢٨ ]
دل على ذلك حديث ابن عباس عند البخاري وغيره «أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماءٍ فيه لَدِيغ أو سَلِيم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال لهم: فيكم من راقٍ؟ إن في الماء رجلًا لديغًا، فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شَاءٍ، فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله! أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله ﷺ: «أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» (١).
هذا الرجل أخذ أجرًا على الرقية بكتاب الله، قال: على شَاءٍ، أي مقابل شياه.
فدل هذا الحديث على جواز أخذ الأجرة على الرقية وهو حديث واضح في ذلك وعلى الاستئجار للتلاوة وعلى التعليم أيضا.
ومما يدل على جواز اتخاذ أجر على تعليم القرآن أن النبي ﷺ جعل تعليم القرآن مهرًا للزواج بالمرأة، والحديث في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لرجل: «قد زوجتكها بما معك من القرآن» (٢).
والأحاديث التي يستدل بها المانعون لأخذ الأجرة على التعليم لا تصح.
قال المؤلف: (وأن يُكرِيَ العَينَ مُدةً معلومةً، بأجرةٍ معلومةٍ، ومن ذلك كِرِاءُ الأرضِ لا بشطرِ ما يخرجُ منها)
أن يُكري العين: أي يؤجر شيئا معيَّنا.
مدة معلومة، أي: زمنًا محددا: كأن يؤجر سيارة لمدة شهر مثلًا أو بيتًا لمدة سنة.
بأجرة معلومة: يصرح بقدرالأجرة، فيقول له مثلًا: أَجَّرتك سيارتي لمدة شهر بثلاثمائة دينار، فالأجرة معلومة والمدة معلومة، في شيء معلوم معيّن.
ومن ذلك، ومما يجوز كراء الأرض، أي: تأجير الأرض للزراعة، دليل ذلك حديث رافع الآتي، وسائر الأعيان لها حكم الأرض كما قال أهل العلم.
لا بشطر ما يخرج منها، يقول: يجوز تأجير الأرض بالمال؛ بالدرهم والدينار مثلا، ولكن لا يجوز تأجيرها مقابل جزء مما تنتج من الزرع أو الثمر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٧٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٢٩)، ومسلم (١٤٢٥).
[ ٤٢٩ ]
صورة المسألة: تقول لشخص مثلًا أجِّرني مزرعتك وأعطيك جزء من نتاجها، فالأجر الذي سيقبضه منك مقابل أجرة المزرعة هوجزء مما تنتجه الأرض.
يقول المؤلف: هذا لا يجوز، ولكن لك أن تستأجرها منه مقابل أن تعطيه مالا مثلا، المهم الأجرة ليست جزء من نتاج الأرض.
وردت أحاديث في كراء الأرض متعارضة؛ فاختلف العلماء في كيفية الجمع بينها.
منها حديث رافع بن خديج في الصحيحين قال: «كنا أكثر الأنصار حقلًا، فكنا نَكري الأرض على أنّ لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تُخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما بالوَرِق فلم ينهنا» (١).
وفي لفظ لمسلم: «فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به» (٢).
وعارضه حديث ابن عمر في الصحيحين «أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من تمر أو زرع» (٣).
فبعضهم قال: حديث ابن عمر منسوخ، وبناءً عليه فلا يجوز تأجير الأرض بجزء مما يخرج منها. ذهب المؤلف إلى هذا.
والصحيح في هذا أنه يجوز تأجير الأرض بجزء مما يخرج منها معلوم كمائة كيلو أو مائتي كيلو أو أكثر أو أقل؛ ولكن لا يكون الجزء محددا بناحية من الأرض.
كأن تقول له: لي الجهة الغربية من الأرض أو ما حول البئر، والباقي لك؛ فربما ينبت ويثمر ما حددته ولا ينبت غيره؛ فيخسر المزارع وربما العكس فتخسر أنت؛ ففيه غرر لذلك نهي عنه، وأما إذا كان ما يخرج من الأرض غير محدد بناحية معينة من الأرض فلا بأس به على الصحيح.
فالنهي وارد فقط على تحديد جزء معين من الأرض تأخذ أجرتك منه؛ كما جاء في رواية لحديث رافع: «كانوا يؤجرون الأرض على المَاذِيانات وأَقبَال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، لذلك زجر عنه؛ فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٢٧)، ومسلم (١٥٤٧).
(٢) أخرجها مسلم (١٥٤٧).
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٢٨)، ومسلم (١٥٥١).
(٤) أخرجها مسلم (١٥٤٧).
[ ٤٣٠ ]
على الماذيانات وأقبال الجداول، أي: على الأنهار الكبيرة، وأوائل الأنهار الصغيرة.
فلا يجوز أن تؤجر شخصا الأرض على أن الجهة الشرقية لك والجهة الغربية له، أو على أن ما حول الأنهار والآبار لك والباقي له.
مثل هذا التعيين هو المحرم؛ لأن هذا فيه غررا واضحا، ربما يُخرج الذي لك ولا يُخرج الذي له، أو العكس.
فأجاز الشارع أن تتفق معه على قدر محدد مما يخرج من الأرض، يعني مائة كيلو من القمح، لا علاقة للمؤجر بالقدر الذي تخرجه الأرض، يعطيه المستأجر فقط مائة كيلو من القمح، سواء أخرجت من شرقها أم من غربها لا يختلف هذا، وبهذا تجتمع الأدلة وبدون تكلف وهو قول الجمهور. والله أعلم
قَالَ الْخَطَّابِيُّ ﵀: قَدْ أَعْلَمَكَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الْمُنْهَيَ عَنْهُ هُوَ الْمَجْهُولُ مِنْهُ دُونَ الْمَعْلُومِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنْ يَشْتَرِطُوا فِيهَا شُرُوطًا فَاسِدَةً، وَأَنْ يَسْتَثْنُوا مِنَ الزَّرْعِ مَا عَلَى السَّوَاقِي وَالْجَدَاوِلِ وَيَكُونُ خَاصًّا لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَالْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ، وَحِصَّةُ الشَّرِيكِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَجْهُولَةٌ، وَقَدْ يَسْلَمُ مَا عَلَى السَّوَاقِي وَيَهْلَكُ سَائِرُ الزَّرْعِ؛ فَيَبْقَى الْمُزَارِعُ لَا شَيْءَ لَهُ، وَهَذَا غَرَرٌ وَخَطَرٌ. انْتَهَى.
قال المؤلف ﵀: (ومَن أفسدَ ما استُؤجِر عليهِ أو أتلفَ ما استَأجَره ضَمِن)
ومن أفسد ما استؤجر عليه: مثلًا شخص استأجرته ليبني لك جدارا، فيفسده، يضيع عليك المادة التي بنا بها، فهذا يضمن ما ضاع وتلف بسبب عمله، لأنه هو الذي أفسده.
وكذلك إذا أتلف ما استأجره؛ استأجر من شخص شيئًا؛ كأن يستأجر سيارة أو يستأجر بيتًا فيفسده ويخربه فهذا يضمن إذا تعدى أو فرّط.
هنا يضمن لكن إذا استأجر مثلًا سيارة وقدر الله عليها شيئا من عنده ففسدت، لا يضمن؛ لأنه لا فرّط ولا تعدى فلا يضمن.
يده يد أمانة، هو مؤتمن، والمؤتمن لا يضمن إلا في حالة التعدي أو التفريط.
يكون متعديًا؛ إذا فعل في الشيء الذي استأجره ما لا يجوز له فعله شرعًا أوعرفًا.
[ ٤٣١ ]
ويكون مفرِّطًا؛ إذا لم يفعل ما يجب عليه فعله شرعًا وعرفًا.
شخص استأجر سيارة وقادها بسرعة جنونية فصدمها فتحطمت، هذا يضمن؛ لأنه متعدٍ؛ فعل بها ما لا يجوز له فعله.
أو استأجر منك سيارة، وأخذ السيارة وتركها مفتوحة أمام البيت، وترك فيها المفتاح، فجاء سارق فسرقها؛ هذا يضمن؛ لأنه مفرّط حيث تركها من غير إغلاق وتأمين من السّراق، فترك ما يجب عليه فعله.
فالصحيح أنه لا يضمن المستأجَر أو ما أفسد من عمل إلا في هاتين الحالتين: التعدي والتفريط.
استدل المؤلف بحديثين ضعيفين يدلان على المراد:
حديث: «على اليدِ ما أخذَت حتى تُؤدّيه» (١).
وحديث: «من تَطَبَّبَ ولا يُعلَم منه طِبٌ فهو ضَامنٌ» (٢).
ولكن قال الخطابي: لا أعلم خلافًا في أن المعالج إذا تعدى فتلِفَ المريضُ كان ضامنًا، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه؛ متعدٍ، فإذا تولد من فعله التَّلفَ ضَمِن الدّية، وسقط عنه القَوَد؛ لأنه لا يَستبِدّ بذلك دون إذن المريض، وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته (٣).
وقال ابن المنذرفي الإشراف: أجمع عوام أهل العلم على أن الطبيب إذا لم يتعمد لم يَضمَن.
وقال ابن المنذر في الإجماع: وأجمعوا على أن من اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة قمح، فحمل عليها ما اشتُرِط، فتلِفت؛ ألّا شيء عليه.
وقال ابن قدامة في المغني: والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، إن تلفت بغير تفريط؛ لم يضمنها. والله أعلم