قال المؤلف ﵀: (باب الخلع)
الخلع لغة: النزع، يقال: خلع الرجل ثوبه؛ أي نزعه؛ ومنه أخذ المعنى الشرعي؛ لأن كل واحد من الزوجين لباس للآخر ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة /١٨٧].
وأما في الشرع: فهو فراق الرجل امرأته بعوض يأخذه منها.
أي تدفع المرأة للزوج بدلًا للفراق كالمهر الذي أخذته منه عند الزواج مثلا؛ فيفارقها.
قال المؤلف ﵀: (وإذا خَالَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ كان أَمْرُهَا إليها، لا تَرْجِعُ إليهِ بِمُجَرَّدِ الرَّجْعَةِ)
إذا كرهت المرأةُ الرجل إما لخَلْقه أو لخُلُقه أو لدينه أو لكبر سنه أو لأي سبب من الأسباب وخشيت أن لا تؤدي حق الله في زوجها والإحسان إليه؛ جاز لها أن تطالبه بالفراق، مقابل أن تدفع له شيئًا، إما المهر الذي قدمه لها أو غيره، على حسب ما يتفقان عليه، ويسمى هذا خُلْعًا.
أما الرجل فإنه إذا كره المرأة؛ فالطلاق بيده يطلقها إذا شاء.
[ ٣٣٤ ]
فجُعل الخُلْعُ للمرأة كي تتمكن من الانفصال عن زوجها من غير أن تقع فيما حرَّم الله ﵎، فإن الحياة الزوجية لا تقوم إلا على المحبة والرحمة وحسن العشرة بين الزوجين.
ودليل مشروعية الخلع قول الله ﵎ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة / ٢٢٩]، وعن ابن عباس قال: «إن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أَعِيبُ عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: «أتردِّين عليه حديقته؟» قالت: نعم، قال رسول الله - ﷺ -: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» (١).
وفي رواية عند البخاري في «صحيحه»: «فأمره ففارقها» (٢).
فهذا يدل على مشروعية الخلع، فإذا خالع الرجل المرأة تنفصل عنه، وليس له أن يراجعها؛ فالخلع فسخ وليس طلاقًا كما سيأتي إن شاء الله.
قال المؤلف ﵀ (وَيَجُوزُ بالقَليلِ والكَثيرِ ما لَمْ يُجاوِزْ ما صارَ إليها مِنْهُ)
أي يجوز للرجل أن يأخذ عوضًا عن فراقها القليل والكثيرمن المال للخلع، المهم أن تدفع له شيئًا من أجل أن يفارقها؛ لقوله تعالى ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾؛ لأن (ما) اسم موصول يفيد العموم فيشمل القليل والكثير.
وأما قوله (ما لم يجاوز ما صار إليها منه) فمعناه مالم يجاوز المهر الذي دفعه إليها، فلو أن الزوج أعطاها مهرا للزواج بها ألف دينار، فما يأخذه منها للخلع لا يتجاوز ألف دينار، على قول المؤلف.
فالمؤلف - ﵀ - يشترط في الخلع أن لا يزيد عما دفع الرجل للمرأة من مهر.
والمسألة محل خلاف بين العلماء؛ فاستدل المؤلف بزيادة في حديث امرأة ثابت بن قيس أن النبي - ﷺ - قال لها: «أما الزيادة فلا ولكن حديقته» قالت: نعم» (٣)، أي قال لها النبي - ﷺ - أما الزيادة على الحديقة فلا، ولكن رُدي عليه الحديقة فقط.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٧٣).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٧٦).
(٣) أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٢٣٥)، والدارقطني (٣٨٧١)، والبيهقي (٧/ ٥١٤)، والمقدسي في «المختارة» (٢١٤) وغيرهم، مرسلا ومتصلا، وقال الدارقطني بعدما رواه مرسلا عن عطاء: خالفه الوليد، عن ابن جريج، أسنده عن عطاء، عن ابن عباس. والمرسل أصح. وكذا رجح المرسل البيهقي ﵀.
[ ٣٣٥ ]
ولو صح هذا الحديث لكان ما ذهب إليه المؤلف ﵀ قويًا، لكن هذه الرواية ضعيفة فلا تصلح حجة في هذا الباب.
يبقى معنا عموم قول الله ﵎ ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة / ٢٢٩]؛ لما تقدم من أن (ما) اسم موصول يفيد العموم فيشمل القليل والكثير مما افتدت به.
فالصواب أن الآية تبقى على عمومها فيجوز بالقليل والكثير.
قال المؤلف ﵀: (وَلا بُدَّ مِنَ التَّراضي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ على الخُلْعِ، أو إِلْزامِ الحاكِمِ مع الشِّقاقِ بينهما)
يجب أن يتم الخلع بالتراضي بين الزوجين؛ لقول الله ﵎ ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء ١٢٨ /].
فإن لم يحصل التراضي بينهما؛ فيُرفع الأمر إلى الحاكم؛ وهو الذي يقضي به إن رأى ذلك؛ لأن النبي - ﷺ - لما جاءته امرأة ثابت بن قيس هو الذي حكم بالخلع وألزم ثابتًا به.
قال المؤلف ﵀: (وهو فسخٌ وعِدَّته حيضة)
الخلع فسخ للنكاح وليس طلاقًا، وبين الفسخ والطلاق فرق.
فالفسخ؛ رفع عقد النكاح ونقضه؛ ولا يأخذ حكم الطلاق، فلا يُحسب من الطلقات الثلاث.
إذا طلق مرتين وفسخ وأراد ردها، إذا قلنا هو طلاق؛ فلا يجوز له ردّها، أما إذا قلنا ليس طلاقًا فيجوز، وعلى قولنا إن الفسخ ليس بطلاق؛ إذا حصل فسخٌ مع طلقتين فيجوز له ردها
هذا الفرق الأول بين الفسخ والطلاق وهو أن الفسخ لا يحسب من الطلقات الثلاث.
الفرق الثاني: لا تعتد المرأة بثلاث حيضات في الفسخ، بل تعتد بحيضة واحدة لتستبرئ الرحم فقط.
الفرق الثالث: ليس للزوج حق الرجعة فيه، بينما في الطلاق له في أثناء العدة الحق أن يرجعها.
[ ٣٣٦ ]
هذه ثلاث فروق ما بين الفسخ والطلاق.
والدليل على أن الخلع فسخ وليس طلاقًا أن النبي - ﷺ - أمر امرأة ثابت أن تعتد بحيضة (١)، والحديث في «سنن أبي داود» وغيرها.
قال الخطابي ﵀ معلقًا على قصة زوجة ثابت: "في هذا الحديث دليل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، ولو كان طلاقًا لاقتضي فيه شرائط الطلاق من وقوعه في طهر لم تمس فيه المطلقة، ومن كونه صادرًا من قبل الزوج وحده من غير مرضاة المرأة، فلما لم يتعرف النبي ﷺ الحال في ذلك فأذن له في مخالعتها في مجلسه ذلك؛ دل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، ألا ترى أنه لما طلق ابن عمر زوجته وهي حائض أنكر عليه ذلك وأمر بمراجعتها وإمساكها حتى تطهر فيطلقها طاهرًا قبل أن يمسها. وإلى هذا ذهب ابن عباس واحتج بقول الله تعالى ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٩، قال: ثم ذكر الخلع فقال ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٩، ثم ذكر الطلاق فقال ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ سورة البقرة الآية ٢٣٠، فلو كان الخلع طلاقًا لكان الطلاق أربعًا، وإلى هذا ذهب طاووس وعكرمة وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور. انتهى من «معالم السنن» (٣/ ٢٥٤ فما بعدها).