قال المؤلف ﵀: (إنما يثبتُ حكمُهُ بخمسِ رَضعاتٍ؛ مع تيقُّنِ وجودِ اللَّبن)
الرضاع في الشرع يثبت به التحريم كما يثبت التحريم بالنسب، ويصير الناس إخوة به، ولكن له شروط بينها المؤلف في المتن.
أول شرط أن يرضع الطفل من صدر المرأة رضعة كاملة مشبعة، ويُعَدّ خمس رضعات على هذه الصفة حتى يحصل التحريم.
فالذي يُثبِت حكم الرضاع؛ خمس رضعات مشبعات؛ لما أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت:» كان فيما أُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرِّمن، ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - ﷺ - وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن «(١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦٦٢).
[ ٣٥٦ ]
والرضعة هي أن يأخذ الصبي الثدي فيمتص منه ثم يستمر على ذلك حتى يتركه باختياره بغير عارض.
بغير عارض يعرض له؛ أي بغير سبب طارئ يشغله عن إتمام الرضعة، يتركه باختياره؛ لأنه شبع منه، خمس رضعات على هذه الصفة يحصل بها التحريم.
وقوله: مع تيقن وجود اللبن؛ المراد باللبن ما نسميه نحن اليوم الحليب.
سبب ثبوت حكم الرضاع هو اللبن فإذا لم يوجد لم يحصل حكم؛ فلابد من التأكد من وجود الحليب في صدر المرأة المرضعة.
اليوم أحدثوا أمرًا جديدًا، وهو درّ اللبن عن طريق الإبر، إبرة يعطونها للمرأة فتدرُّ اللبن، تهيج هرمون اللبن وتدر لبنًا، فهل هذا اللبن يحرِّم كما يحرِّم اللبن الطبيعي؟
إذا كان هذا اللبن مغذيًّا فيُحرِّم؛ لكن التحريم يكون من جهة الأم فقط، لا من جهة الأب، فيحرم الأب لأنه زوج أُمّ وليس أبًا؛ لأنه هنا ليس صاحب اللبن، في هذه الصورة ليس صاحب اللبن، فالتحريم يكون من جهة الأم فقط، فالأم هي التي أرضعت الولد، واللبن لبنها فيكون التحريم، أما الأب فيكون زوج أمٍّ للطفل بالرضاع ولا يحرم أقاربه.
قال المؤلف ﵀: (وكَونِ الرَّضِيعِ قبلَ الفِطَامِ)
هذا الشرط الثاني، يعني يشترط في الرضاع المحرم أن يرضع الرضيع من المرأة قبل الفطام، قبل أن يفطم، وذلك في العامين الأولين.
وردت عدة أحاديث تدل على ما ذكر المصنف، أصح شيء في ذلك وهو صحيح عن عائشة قال لها النبي - ﷺ -: «انظرن مَن إخوانكنّ فإنما الرضاعة من المجاعة «(١)
معنى الحديث: أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة هي ما كان في الصغر والرضيع طفل وقوته اللبن ويسد اللبن جوعه، وأما ما كان منه بعد ذلك الحال الذي لا يسد جوعه اللبن ولا يشبعه إلا الخبز واللحم وما يشبههما فلا يحصل به التحريم.
فالرضاع الذي يحصل به التحريم هو ما كان في أول عامين من أعوام الطفل؛ لقول الله ﵎ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَة﴾ فتمام الرضاع بالحولين الأولين.
قال المؤلف ﵀: (ويَحرمُ به ما يَحرُمُ بالنَّسبِ)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥١٢)، ومسلم (١٤٥٥).
[ ٣٥٧ ]
إذا توفرت الشروط المتقدمة يحصل التحريم بالرضاع كما يحصل بالنسب تماما؛ لقوله - ﷺ -: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب «متفق عليه (١)، وهذا كنا قد بينّاه وفصلنا القول فيه عند مبحث التحريم في كتاب النكاح.
قال المؤلف ﵀: (ويُقبَلُ قولُ المُرضِعةِ)
أي يثبت به التحريم قول المرضعة أنها أرضعت شخصا؛ لما أخرجه البخاري عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله، فقال رسول الله ﷺ: «كيف وقد قيل» ففارقها عقبة، ونكحت زوجا غيره (٢)، وفي رواية عند البخاري: «وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟ «فنهاه عنها (٣)، وفي رواية قال «دعها عنك (٤) «وفي رواية «ففارقها عقبة «(٥) هذا كله يدل على أن قول المرضعة وحدها أنها أرضعت فلانًا وفلانة كافيًا في التحريم.
قال المؤلف ﵀: (ويجوزُ إرضاعُ الكبيرِ ولو كان ذا لحِيةٍ؛ لِتجويزِ النَّظر)
هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، مسألة إرضاع الكبير.
جمهور العلماء على منعها، وأن إرضاع الكبير غير صحيح، ولا تترتب عليه حرمة.
الذي يقول بإرضاع الكبير وأن الرضاع في الكبر مؤثِّر؛ يستدل بحديث امرأة أبي حذيفة، روته عائشة ﵂، أن سالما، مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت - تعني ابنة سهيل - النبي ﷺ فقالت: إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال. وعقل ما عقلوا. وإنه يدخل علينا. وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا. فقال لها النبي ﷺ «أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة» فرجعت فقالت: إني قد أرضعته. فذهب الذي في نفس أبي حذيفة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٤٥) ومسلم (١٤٤٧).
(٢) أخرجه البخاري (٨٨).
(٣) أخرجه البخاري (٢٦٥٩).
(٤) أخرجه البخاري (٢٦٦٠).
(٥) أخرجه البخاري (٨٨).
[ ٣٥٨ ]
أخرجه مسلم في صحيحه (١)، وهذا الحديث اختلفوا في توجيهه، فقال جمهور علماء الإسلام أن هذه الحادثة خاصة بسالم مولى أبي حذيفة، لكن هذا القول خلاف الأصل الذي عندنا، الأصل عدم الخصوصية، والأصل عموم التشريع.
لكن هذا الأصل معارَض بالحديث الذي ذكرناه أولًا؛ وهو قول النبي - ﷺ - «انظرن مَن إخوانكنّ فإنما الرضاعة من المجاعة «، فهذا الحديث وما في معناه يدل على أن الرضاع إنما يكون في العامين الأولين فيعارض حديث سالم، وهذا الذي دفع جمهور أهل العلم إلى القول بأن حديث سالم مولى أبي حذيفة خاص به، وهو الحق إن شاء الله.