[ ٤٤٣ ]
الرَّهنُ في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن؛ أي راكد، فهو ثابت.
ومن معانيه: الحبس؛ كما في قول الله ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدّثر/٣٨]، أي محبوسة في الموقف حتى تُسأل عن أعمالها في الدنيا.
وأما في الشرع: فهو المال الذي يُجعل وثيقةً بالدَّيْن؛ ليُسْتَوفَى من ثمنه إن تعذر استيفاؤُه ممن هو عليه.
أي حتى يكون ضمانًا ماليًا للدَّيْن، فإذا لم يستطع صاحب المال استرجاع ماله ممن أقرضه؛ أخذ حقه من الرهينة التي عنده، فيباع الرهن ويأخذ حقه منه، وإذا زاد شيئًا رده لصاحبه.
هذا عند حلول أجل الدين المتفق عليه بينهما، وأما قبل وقت سداد الدين المتفق عليه؛ فتكون الرهينة أمانة في يده لا يحق له التصرف فيها.
كأن يأتي شخص مثلًا يريد من زيد قرضًا مائة ألف دينار، وزيد يخشى إن أعطى الرجل مائة ألف أن لا يرد له ماله، فيقول له: ارهن لي شيئًا عندي، فيرهن له مثلًا بيتًا أو سيارة أو ما شابه.
هذا يسمى رهنًا، فيأخذ البيت أو السيارة ويتفقان على مدة معيَّنة، إذا جاء ذاك الوقت رد المال الذي اقترضه ويأخذ ما رهنه عند المرتهن، فإذا لم يحضر المال في الوقت المتفق عليه؛ جاز لزيد أن يرفع الأمر إلى القاضي كي يبيع القاضي البيت أو السيارة ويأخذ زيد حقه منه، وما زاد يرده إلى صاحب البيت أو السيارة.
قال المؤلف: (يَجوزُ رهنُ ما يَملِكُهُ الرَّاهِنُ في دَيْنٍ عَليهِ)
يجوز للذي يريد أخذ دَيْنٍ أن يَرهنَ أيَّ شيءٍ من ماله الذي يملكه، ويقال له: (راهن).
والرهن جائز بالإجماع بالجملة (١)، والنبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي بشعير أخذه من اليهودي، كما قالت عائشة ﵂ (٢).
_________________
(١) مراتب الإجماع لابن حزم (ص ٦٠).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩١٦)، ومسلم (١٦٠٣).
[ ٤٤٤ ]
وهذا دليلٌ على صحة الرهن في الحضر يعني في غير سفر؛ لأن النبي ﷺ رهن درعه ولم يكن مسافرًا.
وأما الرهن في السفر؛ فجاء فيه قول الله ﵎: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فخصه بعض أهل العلم بالسفر.
قال النووي ﵀: وفيه جواز الرهن، وجواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة، وجواز الرهن في الحضر، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة؛ إلا مجاهدًا وداود، فقالا: لا يجوز الرهن إلا في السفر؛ تعلقًا بقوله تعالى ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣] واحتج الجمهور بهذا الحديث، وهو مقدم على دليل خطاب الآية. انتهى. والله أعلم
قال المؤلف: (والظَّهرُ يُركَبُ، واللَّبنُ يُشرَبُ؛ بنفقةِ المَرهُون، ولا يَغْلَقُ الرَّهنُ بما فيه)
قال النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري: «الرَّهْنُ يُركب بنفقتهِ إذا كان مَرهُونًا، ولبنُ الدَّرِّ يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يَركب ويَشربُ النفقة» (١).
أي المُرتَهِن-المُرتهِن هو الذي أخذ الرهن- له أن يركب ظهر الدابة المرهونة عنده من فرسٍ أو حمار أو ناقة أو غير ذلك، وله أن يحلب البقرة والشاة وينتفع بلبنها.
هذا مقابل إنفاقه عليها.
فإذا لم تكن في الرهن نفقة؛ فلا يحل له استعمالها، كالسيارة مثلًا، لا تحتاج نفقة؛ فلا يحل له استعملها.
وقد اختلف أهل العلم في جواز انتفاع آخذ الرهن بالرهن بحلبه وركوبه، من غير إذن مالك الرهن، ظاهر الحديث يدل على الجواز، أخذ به أحمد في رواية عنه وإسحاق وغيرهما، وخالفهم الجمهور.
قال أهل العلم: وفيه حجة لمن قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته ولو لم يأذن له المالك.
وهو قول أحمد وإسحاق وطائفة، قالوا: ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب بقدر النفقة، ولا ينتفع بغيرهما لمفهوم الحديث.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥١٢).
[ ٤٤٥ ]
وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء، وتأولوا الحديث لكونه ورد على خلاف القياس من وجهين: أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه، والثاني: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها.
ويدل على نسخه حديث ابن عمر: «لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه»، رواه البخاري. انتهى.
وقوله: ولا يَغلَق الرهنُ بما فيه، معنى هذا: أنه لا يستحق الذي أخذ الرهنَ أن يأخذ الرهن كاملًا ويتملكه في حال عدم دفع صاحبه الدين في الوقت المحدد، مع أنه أغلى ثمنًا من الدين، بل لو جاء بالدين بعد الوقت المحدد يرد له ماله، وإذا بيع ترد له الزيادة. هذا المعنى صحيح، ورد فيه حديث ضعيف: «لا يَغْلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» (١).
قال الإمام مالك ﵀: وتفسير ذلك فيما نرى- والله أعلم-: أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء، وفي الرهن فضل عما رهن به، فيقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك إلى أجل يسميه له، وإلا فالرهن لك بما رهن فيه، قال: فهذا لا يصلح ولا يحل، وهذا الذي نهي عنه، وإن جاء صاحبه بالذي رهن به بعد الأجل؛ فهو له، وأرى هذا الشرط منفسخًا.