الظهار لغة: مشتق من الظهر، وخصوا الظهر لأن كل مركوب يسمى ظهرًا، لحصول الركوب على ظهره في الأغلب، فشبَّهوا الزوجة بذلك.
وعرفه المؤلف شرعًا بقوله: (وهو قول الزوج لامرأته: أنتِ عليّ كظهرِ أمي، أو ظاهرتُكِ، أو نحو ذلك)
هذه صورته، أن يقول الرجل لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، يعني كما أن ظهر أمه محرم
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٥٢٨٩) عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: " آلى رسول الله ﷺ من نسائه، وكانت انفكت رجله، فأقام في مشربة له تسعا وعشرين ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله، آليت شهرا؟ فقال: «الشهر تسع وعشرون».
[ ٣٣٨ ]
عليه، فلا يحل له جماعها، كذلك أنتِ تكونين محرمة علي كما أن أمي محرمة عليّ.
ومثله أن يقول: أنت علي كظهر أختي أو خالتي أو عمتي، إحدى محارمه.
وليس منه أن يقول: أنت محرمة علي. فقط.
والظهار محرم في الشرع لقول الله تعالى ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ المجادلة ٢
فسماه الله منكرًا وزورًا، أي كذبا، ومعناه أن الزوجة ليست كالأم في التحريم.
قال المؤلف ﵀: (فيجبُ عليه قبلَ أن يَمَسّها أن يكفِّر: بعتقِ رقبةٍ، فإن لم يجد فليُطعِم ستينَ مسكينًا. فإن لم يجد فصيامُ شهرين مُتتابعين)
إذا حصل الظهار من الزوج، قال لزوجته: أنتِ علي كظهر أمي، ماذا يجب عليه؟ يجب عليه ما ذكره المؤلف ﵀ وهو المذكور في قول الله ﷿ ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المجادلة [٣ و٤].
فمن ظاهر من امرأته وأراد أن يجامعها؛ وجب عليه قبل أن يجامعها أن يعتق رقبة، يعني يحرر مملوكا، وهذا اليوم في الغالب غير متوفر، ففي حال عدم توفره أو القدرة عليه ينتقل إلى التي بعدها: قال الله ﵎: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ فعليه صيام شهرين متتابعين أي لا يفرق بينها، قبل أن يمس امرأته، أي قبل أن يجامعها.
فإن لم يستطع الصيام انتقل إلى الإطعام، يطعم ستين مسكينًا؛ لقوله تعالى ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وقدر الإطعام في هذا الباب لم يصح فيه شيء، فيطعم عن كل مسكين ما يشبعه؛ لأن هذا الباب لم يصح فيه شيء نلزم الناس به، وبعض أهل العلم قاسه على فدية ارتكاب المحظور في الحج، يطعم كل مسكين نصف صاع يعني مدين، إن فعل ذلك فهو أحوط وإلا لا نلزمه لأن الله ﷾ لم يقيِّد هنا بشيء، إنما يطعم ستين مسكينًا من أوسط طعام أهل البلد، ما يُشبع المسكين هذا الواجب فقط.
قال المؤلف ﵀: (ويجوزُ للإمام أن يُعينَه من صدقاتِ المسلمينَ؛ إذا كان فقيرًا لا يقدرُ على الصوم، وله أن يَصرفَ منها لنفسهِ وعِياله)
[ ٣٣٩ ]
يجوز للإمام أن يُعينَ المظاهر من صدقات المسلمين إذا كان فقيرًا لا يقدر على الصوم ولا على الإطعام، فإذا وجب عليه الإطعام ولا يقدر عليه وكان فقيرًا فللإمام أن يعينه على ذلك كما فعل النبي - ﷺ - مع من جامع في نهار رمضان، أعانه النبي - ﷺ - وأعطاه من أموال الصدقات (١).
وقوله: وله أن يصرف منها لنفسه وعياله، له أن يصرف مما أعطاه الإمام لنفسه وعياله.
المؤلف يستدل بحديث سلمة بن صخر في قصة الظهار (٢)، هذا الحديث ضعيف أعلَّه البخاري ﵀ بالانقطاع بين سليمان بن يسار وسلمة بن صخر فلا يعوَّل عليه.
وكذا حديث خولة وابن عباس لا يصحان.
وإذا لم يقدر على الصيام وكان فقيرا ولم يجد من يعينه تبقى الكفارة في ذمته حتى يقدر عليها، وله أن يجامع زوجته.
قال المؤلف ﵀: (وإذا كان الظهارُ مؤقّتًا؛ فلا يرفعه إلا انقضاءُ الوقت)
أي إذا قال الرجل لامرأته: «أنتِ علي كظهر أمي شهرًا، أو أسبوعا» فقيد بوقت محدد، يقول المؤلف: لا يقرب زوجته حتى ينقضي الشهر، وظاهر كلامه أنه لا كفارة عليه، والذين قالوا بهذا، قالوا: فُرضت الكفارة لأنه يريد أن يعود فيما قال، وهذا إذا وقَّت الظهار بوقت معيَّن وتقيد بما قال؛ لم يعد فيما قال؛ فلا تلزمه كفارة، وهذا القول هو قول ابن عباس وعطاء وقتادة وسفيان وأحمد وإسحاق وهو أحد قولي الإمام الشافعي ﵀ وهو الصواب؛ لأنه ظاهر كتاب الله ﵎.
قال المؤلف ﵀: (وإذا وطئَ قبلَ انقضاء الوقت، أو قبل التكفيرِ؛ كفَّ حتى يكفِّر في المطلقِ، أو ينقضيَ وقتُ المُؤقَّت)
إذا جامع المظاهر قبل انتهاء الوقت الذي حدده، إذا كان ظهاره مؤقتًا
_________________
(١) متفق عليه، تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦/ ٣٤٧)، وأبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (١٢٠٠)، وابن ماجه (٢٠٦٢). قال الترمذي في العلل الكبير (٣٠٦): فسألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث مرسل؛ لم يدرك سليمان بن يسار سلمة بن صخر. قال محمد: ويقال: سلمة بن صخر وسلمان بن صخر.
[ ٣٤٠ ]
رجل قال لزوجته: أنتِ علي كظهر أمي لمدة شهر، وجامع زوجته قبل انتهاء الشهر؛ وجب عليه أن لا يعود إلى الجماع مرة أخرى، وأن يكف عنه إلى أن تنتهي المدة، هذا ما قاله المؤلف، وظاهر كلامه أنه لا كفارة عليه.
والصحيح تلزمه الكفارة؛ لأنه عاد فيما قال.
والقول بأنه لا تلزمه كفارة مخالف لظاهر الآية.
وقوله: حتى يكفِّر في المطلق، المطلق يعني غير مقيد بوقت، الآية وردت في منع المُظاهر من جماع امرأته إلى أن يكفِّر بعتق رقبة، أو بصيام، فقال بعد ذكر العتق والصيام: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾.
فإذا كانت الكفارة عتق أو صيام فيلزمه إذا جامع قبل أن يكفر؛ أن يكف عن الجماع حتى يكفر، ولا شيء آخر عليه سوى التوبة للمخالفة، ولا يوجد دليل يلزمه بكفارة ثانية.
المؤلف استدل بحديث ابن عباس: «لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله» (١) رفعه، وهو ضعيف، أعله أبو حاتم الرازي (٢) والنسائي (٣) وصححا المرسل، والصواب فيه الإرسال.
أما في الإطعام فلم يذكر بعده ما ذكره بعد العتق والصيام، فلا يشترط تقديم الكفارة على الجماع فيها.
الخلاصة: أنه إذا جامع قبل انتهاء المدة -إذا كان قد حدد مدة معيَّنة- تلزمه الكفارة، وإذا لم تكن المدة محددة؛ تلزمه أيضًا الكفارة، وإذا كانت الكفارة عتق رقبة أو صيام؛ فلا يجوز له أن يجامع حتى يكفّر، وإذا حصل وجامع قبل التكفير فيكف عن الجماع حتى يكفر، وأما إذا كانت الكفارة الإطعام فيجوز أن يجامع ويطعم بعد ذلك على الصحيح. والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١١٩٩)، والنسائي (٣٤٥٧)، وابن ماجه (٢٠٦٥).
(٢) انظر «علل ابن أبي حاتم» (١٢٩٤).
(٣) انظر «سنن النسائي» (٣٤٥٩).
[ ٣٤١ ]