_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤).
(٢) الإجماع (ص ٩٨).
(٣) أخرجه الدارقطني (٢٩٧٩) مرفوعا، وفي سنده عطية بن بقية ولوذان بن سليمان لا يحتج بهما، ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٨٢) عن نافع، عن ابن عمر موقوفا، وهو الصحيح، قال البيهقي (٥/ ٥٧٤): وقد رفعه بعض الضعفاء عن نافع، وليس بشيء.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٤٦٨)، وابن ماجه (٢٢٨٣)، وأعله البيهقي وغيره بعطية العوفي.
[ ٤١٨ ]
القرض لغة: هو القطع. وسمي المال المدفوع للمقترِض قرضًا؛ لأنه قِطْعة من مال المُقرِض. ويسمى أيضًا السَّلَف، والناس يعرفونه اليوم بالدَّين، وبعضهم يقول له سلف.
واصطلاحًا: إعطاء شخصٍ مالًا لآخر في نظير عوض يثبت له في ذمته، مماثل للمال المأخوذ، بقصد نفع المعطَى له فقط.
زيد يعطي مالًا لعمرو، إعطاء شخص مالًا لآخر.
في نظير عِوَضٍ يثبت له في ذمته، أي مقابل عِوَض، عمرو يعوِّض زيدًا مثل المال الذي أخذه بنفس القيمة في وقت آخر.
زيد يعطي عمرا مالًا في مقابل أن عمرا يعطيه مثل هذا المال فيما بعد، مماثلٌ للمال المأخوذ.
بقصد نفع المعطى له فقط، المقصود من الدّيْن أن ينتفع الآخذ فقط لا المعطي.
وهو جائز شرعًا؛ لما فيه هو الرفق بالناس، والرحمة بهم، وتيسير أمرهم، وتفريج كرباتهم. والعلماء مجمعون على جوازه.
دل عليه فعل النبي ﷺ كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ استلف من رجلٍ بَكْرًا- والبكر الفتيّ من الإبل - فقدِمَت عليه إبلُ الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضيَ الرجل بَكْره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خِيارًا رَبَاعِيّا. فقال: «أعطه إياه، إن خِيارَ الناسِ أحسنُهم قضاءً» (١). متفق عليه.
بعد أن أخذ النبي ﷺ بكرًا من رجل قرضا، جاءته إبل من إبل الصدقة، فأراد أن يرد للرجل بَكْرَه يعني جملا بنفس السِن، فأبو رافع - القائم على هذا الأمر الذي كلَّفه النبي ﷺ بالقضاء عنه- قال له: لم أجد في إبل الصدقة بَكرًا، أي مثل الجمل الذي اقترضه النبي ﷺ من الرجل، ولكن وجد أفضل منه: خيارًا رباعيًا، خِيارًا يعني خَيِّر، رباعيًا: ما استكمل ست سنوات ودخل في السنة السابعة، فهو أجود من البَكر، فهذا الحديث يدل على جواز القرض.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٩٢)، ومسلم (١٦٠١) من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه مسلم (١٦٠٠) من حديث أبي رافع ﵁.
[ ٤١٩ ]
قال المؤلف ﵀: (يجبُ إرجاعُ مِثلِه)
إذا اقترضت قرضا من شخص، وجب عليك عند السداد أن ترجع مثل ما اقترضته تماما، ويجوز للمقترض أن يرجع عين المقترَض أو مثله، اقترضت جملًا بكرًا ثم جاء موعد السداد فأردت أن تسد أرجعت نفس البكر الذي اقترضته من غير نقص فيه، جاز ذلك.
إن حصل فيه نقص أرجعت مثله أي ليس هو نفسه بل غيره ولكنه في نفس السن وبنفس الصفات.
قال: (ويجوزُ أن يكونً أفضلً أو أكثرَ، إذا لم يكن مشروطًا)
أفضل أي من حيث الصفات، أو أكثر عددا.
الأصل في القرض الذي يجر منفعة على المُقرِض أنه ربا.
قاعدة أجمع عليها العلماء: كل قرضٍ جرَّ منفعةً فهو ربا؛ لكن نقيِّدها بقيد، فنقول: كل قرض جر منفعة مشروطة فهو ربا، أي شرطها صاحب المال على المقترض.
وأما إذا لم تكن المنفعة مشروطة، بل كانت شكرا من المقترض، فعلها باختياره، أراد أن يكون من خيار الناس فرد الشيء وزاد عليه، هنا وصلت منفعة للمقرِض؛ لكنه لم يشترطها على المقترض؛ فهي جائزة، والدليل الحديث المتقدم، رد النبي ﷺ الأفضل صفة فصفات الجمل الذي رده النبي ﷺ أفضل مما أخذ، وقال: «أعطه إياه، إن خِيارَ الناسِ أحسنُهم قضاءً».
ويجوز أن يرد اثنين بدل الواحد مثلا كما جاز رد الأفضل صفة.
وفي الصحيحين عن جابر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وكان لي عليه دين، فقضاني وزادني (١).
قال ابن عبد البر: في حديث أبي رافع هذا ما يدل على أن المقرِض إن أعطاه المستقرض أفضل مما أقرضه جنسا أو كيلا أو وزنا؛ أن ذلك معروف، وأنه يطيب له أخذه منه؛ لأنه أثنى فيه على من أحسن القضاء، وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٩٤)، ومسلم (٧١٥).
[ ٤٢٠ ]
وروى سلمة بن كهيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فنهاهم، فقال: «ألا كنتم مع الطالب»، ثم قال: «دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالا، اشتروا له بعيرا» فلم يجدوا إلا فوق سنه، فقال: «اشتروا له فوق سنه فأعطوه» فجاء إلى النبي ﷺ، فقال: «أخذت حقك؟» قال: نعم. قال: كذلك افعلوا، خيركم أحسنكم قضاء».
وهذا عند جماعة العلماء؛ إذا لم يكن عن شرط منهما في حين السلف، وقد أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ؛ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف أو حبة، كما قال ابن مسعود: أو حبة واحدة. انتهى (١)
قال المؤلف ﵀: (ولا يجوزُ أن يجرَّ القرضُ نفعًا للمقرِض)
لا يجوز أن يجر القرض نفعًا للمقرِض؛ لأن كل قرضٍ جرّ منفعة فهو ربا، وردت هذه الجملة في أحاديث ضعيفة، ولكنها صحت عن جمع من الصحابة، ولكن تقيد بكون المنفعة مشروطة للأدلة المتقدمة.
ويجوز إقراض الثياب والحيوان والخبز على الصحيح. والله أعلم