قال ﵀: (باب المَهْرِ وَالْعِشْرَةِ)
المهر: هو الصَّداق وهو ما وجب على الزوج إعطاؤه لزوجته بسبب عقد النكاح.
والعِشرة: الصُحبة والمخالطة بين الزوجين.
قال: (المَهْرُ واجِبٌ، وَتُكْرَهُ المُغَالاةُ فِيهِ، وَيَصِحُّ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ أَوْ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ)
المهر واجب على الزوج بمجرد تمام العقد، ولا يجوز إسقاطه، وأدلته كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، أي فريضة.
وقال النبي - ﷺ - لمن أراد أن يتزوج بامرأة: «التمس ولو خاتمًا من حديد» (١).
الآية والحديث يدلان على وجوب المهر، وانعقد إجماع علماء الأمة على مشروعيته (٢).
وقوله (وتُكره المغالاة فيه)
أي في المهر؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي - ﷺ -: «هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئًا» قال: قد نظرت إليها، قال: «على كم تزوجتها؟» قال: على أربع أواق، فقال له النبي - ﷺ -:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥١٢١)، ومسلم (١٤٢٥) عن سهل بن سعد - ﵁ -.
(٢) انظر "مراتب الإجماع" (ص ٦٩ - ٧٠) لابن حزم.
[ ٣١٦ ]
«على أربع أواق؟ ! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك؛ ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه»، قال: فبعث بعثًا إلى بني عبس بعث ذلك الرجل فيهم» (١).
الأوقية: أربعون درهمًا.
وقوله: «كأنكم تنحتون الفضة من عرض الجبل» أي كأن الفضة متيسرة لكم وتنحتونها نحتًا من طرف الجبل.
يدل هذا الحديث على جواز أن يكون المهر كثيرًا - من حيث الجواز -؛ مع كراهة المغالاة.
ولم نقل بالتحريم بل بالكراهة؛ لقول الله ﵎ ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] الشاهد قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ والقنطار؛ كمية كبيرة من الذهب، فدلَّ هذا على أن المهر لا قدر لأكثره ولا لأقله، وسواء كان بمال أو بمنفعة- سيأتي الدليل عليه- فجائز.
قال (ويصح ولو خاتمًا من حديد أو تعليم قرآن) دليل ذلك حديث سهل بن سعد - ﵁ - في الصحيحين: أن امرأة جاءت رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله - ﷺ -، فصعَّد النظر إليها وصوَّبَه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: «هل عندك من شيء؟» فقال: لا والله يا رسول الله، قال: «اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا؟» فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئًا، قال: «انظر ولو خاتمًا من حديد» فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ما له رداء - فلها نصفه، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما تصنع بإزارك؟ ! إن لَبِسْتَهُ لم يكن عليها منه شيء، وإن لَبِسَتْهُ لم يكن عليك شيء» فجلس الرجل حتى طال مجلسه ثم قام فرآه رسول الله - ﷺ - مولِّيًا، فأمر به فدعي، فلما جاء قال: «ماذا معك من القرآن؟» قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا- عدَّها - قال: «أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟» قال: نعم، قال: «اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن» (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٢٤).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٣٠)، ومسلم (١٤٢٥) من حديث سهل بن سعد ﵁.
[ ٣١٧ ]
دلّ هذا الحديث على أن المهر واجب لا يسقط عن الزوج، وأنه يصحّ أن يكون مالًا ويصح أن يكون منفعة؛ لأن تعليم المرأة القرآن منفعة وليس مالًا.
قال: (وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يُسَمِّ لَها صَدَاقًَا؛ فَلَها مَهْرُ نِسَائِها إِذا دَخَلَ بِها)
إذا تزوج رجل امرأة ولم يذكر في العقد المهر الذي سيعطيها إياه؛ فلها مهر نسائها؛ أي لها مهر مثل ما تأخذ بقية النساء اللاتي في مثل مستواها؛ كأختها مثلًا وعمتها؛ فتأخذ هي كذلك في حال دخل بها؛ لحديث معقل بن سنان الأشجعي - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا حتى مات؛ فقضى لها على صداق نسائها» (١) أي مَهْرُ مِثْلِها من النساء، وعليها العدة ولها الميراث.
الشاهد أنه قضى لها على صداق نسائها أي لها مهر مثل مهر نسائها يعني النساء اللاتي هن في مستواها في الجمال والمال والبكارة من عصباتها؛ كأخواتها وعماتها وبنات عماتها؛ هذا إن دخل بها.
وأما إن لم يسم لها صداقًا وطلقها قبل الدخول؛ فعليه المتعة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فمتعوهن؛ أي أعطوهن ما يستمتعن به من مال أو منفعة، وتقدَّر هذه المتعة على حسب حال الرجل من عسرٍ ويسر وما يناسب المرأة عرفًا.
قال المؤلف - ﵀-: (وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيِمُ شَيْءٍ مِنَ المَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ)
يجوز أن يكون المهر معجَّلًا ومؤجَّلًا.
المعجل هو: المدفوع عند العقد، والمؤجل: يدفع بعد العقد.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٥/ ٢٩١)، وأبو داود (٢١١٤)، والترمذي (١١٤٥)، والنسائي (٣٣٥٤)، وابن ماجه (١٨٩١) من حديث معقل الأشجعي ﵁.
[ ٣١٨ ]
ويجوز أن يكون بعضه معجلًا وبعضه مؤجلًا، لا بأس بذلك كله؛ لأنه عقْد معاوضة؛ يعني دفع شيء عوضًا عن شيء؛ كالثمن في البيع والشراء، فقد سمّاه الله ﵎ أجرًا في كتابه.
ولكن يستحب تقديم شيء من المهر قبل الدخول كما قال المؤلف ﵀؛ لحديث سهل بن سعد - ﵁ - المتقدم في حادثة الرجل الذي أراد أن يتزوج فقال له - ﷺ -: «التمس ولو خاتمًا من حديد» (١) متفق عليه.
قال المؤلف: (وَعَلَيْهِ إِحْسانُ الْعِشْرَةِ)
أي: على الرجل أن يحسن عشرة المرأة، والعشرة بمعنى الصحبة.
فعليه أن يحسن عشرتها؛ أي أن يكرمها، ويتلطف معها، ويداعبها، ويرفق بها، ويعلمها، ويؤدبها، ويرحمها، ويكف الأذى عنها، ويعينها على طاعة الله، ويجنبها ما حرَّم الله، ويتحبب إليها، ويتزين لها، ويصبرعليها في الجماع إلى أن تقضي شهوتها، ويوسع النفقة عليها، ما استطاع؛ فهذا كله من إحسان العشرة.
وإحسان العشرة واجب بقدر الاستطاعة؛ لقول الله ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، بالمعروف شرعًا وبالمعروف عرفًا.
قال - ﷺ -: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن خُلقنَ من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمَه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها على اعوجاجها، فاستوصوا بالنساء خيرًا» (٢)؛ هذه وصية النبي - ﷺ - فلا بد أن يكون الرجل رفيقًا بالمرأة حنونًا عليها لطيفًا معها، فلا يستغل وضع القوة الذي وضعه الله ﷾ فيه، ويتجبّر بها ويتسلط عليها؛ فهذا ليس من خلق المسلم ولا هو من العشرة الحسنة التي أوصى بها النبي - ﷺ - وأمر بها ربنا ﵎.
وكما أن على الرجل إحسان العشرة؛ كذلك على المرأة أن تحسن عشرة زوجها؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٥١٨٤)، ومسلم (١٤٦٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣١٩ ]
ويجب عليها أيضًا
ما قاله المؤلف - ﵀ -: (وَعَلَيْهَا الطَّاعَةُ)
لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]؛ الشاهد قوله: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، وقال أيضًا: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلًا﴾؛ فالواجب على المرأة أن تكون مطيعةً لزوجها، وأن لا تكون ناشزًا، فإذا كانت ناشزًا، لم تكن مطيعة؛ فقد جعلت لزوجها عليها سبيلًا، وإذا كانت مطيعة لم تجعل له عليها سبيلًا.
قال المؤلف - ﵀ -: (وَمَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ فَصَاعِدًا عَدَلَ بَيْنَهُنَّ في الْقِسْمَةِ وما تَدْعُو الحَاجَةُ إليه، وإذا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ)
عَدْلُ الرجل بين زوجاته واجب؛ لقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، ولقول النبي - ﷺ -: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّهُ مائل» (١).
فيقسِم لكل واحدة ليلة في المَبِيِت، وكذلك في كل ما يقدرعليه مما تحتاجه النساء؛ كالنفقة مثلًا.
وليس المقصود أنه إذا أنفق على علاج واحدة من مرض مثلًا أن يعطي الثانية بدله من المال، هذا خطأ، ولكن المقصود أن لا يفضل واحدة على الأخرى في النفقة فيعطي إحداهما ما تحتاجه ويمنع الأخرى حاجاتها.
وأما الجِماع والحب فهذا أمر لا يملكه المرء، ولكن لا يجوز له في نفس الوقت أن ينكَبَّ على مجامعة واحدة ويترك الأخرى كالمُعَلَّقَةِ، نعم لا يلزمه أن يجامع الثانية إن جامع الأولى وأن يجامع الثالثة إن جامع الأولى والثانية؛ لكن في الوقت نفسه لا يجوز له أن يهجر واحدة منهنَّ ويجعلها كالمُعَلَّقة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٣/ ٣٢٠)، وأبو داود (٢١٣٣)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي (٣٩٤٢)، وابن ماجه (١٩٦٩) عن أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣٢٠ ]
وكذلك كان رسول الله - ﷺ - إذا سافر أقرَع بين نسائه؛ فمن خرجت القرعة لها سافرت معه (١)، هذه هي السُّنَّة في العدلِ بين النساء. والله أعلم
قال المؤلف: (وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَوْبَتَها، أَوْ تُصالِحَ الزَّوْجَ على إِسْقاطِها)
النوبة: يوم المرأة الذي يقسمه لها زوجها؛ وهو حقها ولها أن تتنازل عنه مقابل أن تبقى معه ولا يطلقها.
لها أن تصالح زوجها على إسقاط حقّها في المبيت؛ لحديث عائشة ﵂: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان - ﷺ - يقسم لعائشة يومها ويوم سودة (٢).
وذلك لأن هذه النوبة حقّها؛ فإن شاءت أن تتنازل عنها تنازلت، وكذا عن النفقة والسكنى.
قال تعالى: ﴿ فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]، قالت عائشة ﵂: هي المرأة تكون عند الرجل فلا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، فتقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزَوَّج غيري وأنت في حلٍّ من النفقة عليَّ والقَسْمِ لي (٣).
قال ﵀: (وَيُقيمُ عِنْدَ الجَدِيِدَةِ البِكْرِ سَبْعًَا، والثَّيِّبِ ثَلاثًا)
البكر: التي لم يُدْخَل بها.
والثيِّب: التي دُخِل بها.
ودليل ما ذكره المؤلف حديث أنس في الصحيحين؛ قال: من السنة إذا تزوج البِكْرَ على الثيِّب أقام عندها سبعًا، ثم قَسَمَ، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥٩٣)، ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة ﵂.
(٢) أخرجه البخاري (٥٢١٢)، ومسلم (١٤٦٣).
(٣) أخرجه البخاري (٥٢٠٦)، ومسلم (٣٠٢١).
(٤) . أخرجه البخاري (٥٢١٤)، ومسلم (١٤٦١).
[ ٣٢١ ]
أي إذا كان متزوجًا وأراد أن يتزوج الثانية، فإذا كانت الثانية بكرًا؛ أقام عندها سبعًا ثم بدأ بالقسمة بينهما؛ فيبيت عند الأولى ليلة وعند الثانية ليلة.
وإذا كانت الثانية ثيبًا أقام عندها ثلاثًا ثم قسم.
قال ﵀: (ولا يَجُوزُ الْعَزْلُ)
العَزْلُ: هو أن يخرج ذَكَرَهُ من فرج المرأة قبل الإنزال.
اختلف أهل العلم في حُكْمه؛ لورود أدلة متعارضة في حكمه؛ منها:
حديث جابر - ﵁ - قال: كنّا نعزل والقرآن ينزل (١).
ومنها: حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين؛ قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبيًا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا نعزل ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا قبل أن نسأله؟ ! فسألناه عن ذلك، فقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» (٢).
هذه الأحاديث تدل على جواز العزل.
وأما ما أخرجه مسلم من حديث جذامة بنت وهب الأسدية؛ أنهم سألوا رسول الله - ﷺ - عن العزل؛ فقال: «ذلك الوأد الخفي» (٣)؛ فيدل على عدم الجواز.
والوأد هو دفن الطفل الصغير في التراب، كان أهل الجاهلية يفعلونه إما خشية الفقر أو خشية العار إن كانت بنتًا، وهو الوأد الظاهر، وأما العزل فهو الوأد الخفي.
فشبَّه الأول بالثاني، مع أن الأول قتل والثاني لاقتل فيه.
وبناء على اختلاف هذه الأحاديث اختلف العلماء في حكم العزل.
_________________
(١) . أخرجه البخاري (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠).
(٢) . أخرجه البخاري (٤١٣٨)، ومسلم (١٤٣٨).
(٣) . أخرجه مسلم (١٤٤٢).
[ ٣٢٢ ]
والراجح: جواز العزل لما دلّت عليه الأحاديث التي في الصحيحين، وأما حديث جذامة فمحمول على الكراهة، وحمله البعض على أنه تنفير من فعل أهل الجاهلية الذين كانوا يَئِدونَ أبناءهم، مع أن بين الوأدين فرق كبير.
ولأهل العلم طرق كثيرة لتأويل هذا الحديث، ولا يبعد أن يكون المعنى الذي ذكره النبي - ﷺ - هنا إنما أراد به من فعل هذا خشية الإملاق - أي الفقر - الذي كان أهل الجاهلية يئدون أبناءهم-أي يدفنونهم أحياء - لأجله.
قال ﵀: (ولا يَجُوزُ إِتْيانُ المَرْأَةِ في دُبُرِها)
ورد في ذلك عدة أحاديث، ذهب الحافظ ابن حجر والشوكاني وغيرهما إلى تقوية بعضها ببعض.
قال النووي ﵀: واتفق العلماء الذين يعتد بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها حائضًا كانت أو طاهرًا؛ لأحاديث كثيرة مشهورة (١).
قال المؤلف: (والوَلَدُ للفِراشِ، ولا عِبْرَةَ لِشَبَهِهِ بِغَيْرِ صاحِبِهِ).
أي إذا تنازع اثنان في ولد لمن هو؟ فيكون الولد لصاحب الفراش؛ لقوله ﵇: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (٢).
وصاحب الفراش هو من كانت المرأة موطوءة له حين الولادة.
والعاهر: هو الزاني؛ فله الخيبة والحرمان ولا حق له في الولد.
وبناء على ذلك؛ فلا يعمل بالشبه الذي يكون بين الولد والرجل، بل المعتبر الفراش، كما قضى به النبي - ﷺ -.
_________________
(١) انظر "شرح صحيح مسلم " (١٠/ ٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧) عن عائشة ﵂.
[ ٣٢٣ ]
قال المؤلف: (وإِذا اشْتَرَكَ ثَلاثَةٌ في وَطْءِ أَمَةٍ في طُهْرٍ مَلَكَها كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ فيه، فَجاءَتْ بِوَلَدٍ، وادَّعَوْهُ جَميعًا؛ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، وَمَنِ اسْتَحَقَّهُ بالقُرْعَةِ؛ فَعَلَيْهِ للآخَرَيْنِ ثُلُثا الدِّيَةِ)
لِما جاء عن زيد بن أرقم - ﵁ -؛ قال: أُتي علي وهو باليمن بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين، وقال: أتقرّان لهذا بالولد؟ قالا: لا، ثم سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا، فجعل كلما سأل اثنين، قالا: لا، فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي أصابته القُرْعة، وجعل عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فضحك حتى بدت نواجذه» (١).