النفقة: ما يفرض على الرجل من مال وطعام وكساء وسُكنى لمن ينفق عليهم.
الكساء: اللباس، والسكنى: السكن.
قال المؤلف ﵀: (تجبُ على الزَّوجِ للزوجةِ)
وجوب نفقة الزوجة على زوجها ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقال الله ﵎ في كتابه الكريم ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
وأما السُّنة ففي صحيح مسلم قال: قال جابر: خطب رسول الله الناس فقال: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف «(٢)، هذا الشاهد «ولهنَّ «أي للنساء عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف.
_________________
(١) «الإقناع «لابن المنذر (ص ٤٣٨).
(٢) أخرجه مسلم (١٢١٨).
[ ٣٥١ ]
وفي حديث هند في الصحيحين قالت للنبي - ﷺ -: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك جناح؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ ويكفي بنيك «(١)، دل ذلك على لزوم النفقة للزوجة وللأولاد.
وأما الإجماع؛ فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهنّ. ذكره ابن المنذر (٢) وغيره.
الناشز هي الممتنعة عن زوجها والمترفعة عليه التي لا تطيعه.
قال المؤلف ﵀: (والمطلقة رجعيًا)
يعني تجب النفقة على الزوج للزوجة وللمطلقة طلاقًا رجعيًا، المطلقة طلاقا رجعيا هي التي يطلقها زوجها ويحق له إرجاعها بدون عقد، وهي التي طلقها زوجها طلقة أو طلقتين، بعد الطلقة الأولى والثانية تكون في العدة، في هذه المدة لها النفقة والسكنى حتى تنتهي العدة.
وذلك لأنها لا تزال زوجة له ما لم تنته العدة فقد سماه الله بعلا لها فقال ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ويدل على أنها زوجة أنه يحصل بينها وبين زوجها التوارث، إذا مات زوجها وهي في العدة ترث منه؛ فيدل ذلك على أنها ما زالت زوجة.
وقال ابن حزم: واتفقوا أن للمعتدة من طلاق رجعي السكنى والنفقة (٣).
قال المؤلف ﵀: (لا بائنًا، ولا في عدة وفاة، فلا نفقة ولا سكنى إلا أن تكونا حاملتين)
وأما البائن فهي التي انفصلت عنه لا يحق له إرجاعها إلا بعقد جديد، وهذا الذي يسمى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٣٦٤)، ومسلم (١٧١٤) من حديث عائشة ﵂.
(٢) انظر «الإجماع «لابن المنذر (ص ٨٣)، و«مراتب الإجماع «لابن حزم (ص ٧٩).
(٣) انظر «مراتب الإجماع «لابن حزم (ص ٧٨).
[ ٣٥٢ ]
بالبينونة الصغرى؛ لأن البينونة بينونتان: بينونة صغرى وبينونة كبرى، البينونة الصغرى المرأة إذا انفصلت عن زوجها ولا يحق له أن يرجعها إلا بعقد جديد، هذه يقال فيها بانت منه بينونة صغرى.
أما البينونة الكبرى فهي التي لا يملك رجعتها حتى تنكح زوجًا آخر، هذه تكون قد بانت منه بينونة كبرى، أي المطلقة ثلاثًا.
فالمطلقة طلاقًا بائنًا بينونة صغرى أو كبرى-كالتي طلقها زوجها الطلقة الثالثة مثلًا أو انتهت عدتها بعد الطلقة الأولى أو الثانية- لا نفقة لها ولا سكنى إلا أن تكون حاملًا فتجب النفقة والسكنى لها إلى أن تضع الحمل؛ لقول الله ﵎ ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهذا محل إجماع ذكره ابن قدامة (١).
وهذا يشمل أيضًا المتوفى عنها زوجها - في قول المؤلف - فلا نفقة لها ولا سكنى أيضًا إلا أن تكون حاملًا فهي داخلة في عموم الآية إذا كانت حاملًا.
والصحيح أن المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولا سكنى مطلقا سواء كانت حاملا أم لا.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: أما إذا لم تكن حاملًا فالأمر ظاهر؛ لأنها بانت، وأما إن كانت حاملًا فلا نفقة لها أيضًا.
فإن قيل: أي فرق بينها وبين البائن في حال الحياة؟
الجواب: أن البائن في حال الحياة - إذا كانت حاملًا - أوجبنا الإنفاق على زوجها في ماله، وأمَّا المتوفى عنها زوجها فالمال انتقل للورثة فكيف نجعل النفقة في التركة؟ ! فنقول: لا نفقة لها وإن كانت حاملًا.
فإن قيل: ماذا نصنع فيما إذا حملت، وقد قلنا فيما سبق: إن النفقة للحمل، لا لها من أجله؟
يقولون: إن النفقة تجب في حصة هذا الجنين من التركة، فإن لم يكن تركة، كأن يموت أبوه ولا مال له، فإن النفقة تجب على من تلزمه نفقته من الأقارب، كأن يكون له إخوة أغنياء أو أعمام (٢). انتهى كلامه.
_________________
(١) «المغني «(٨/ ٢٣٢).
(٢) «الشرح الممتع «(١٣/ ٤٧٩).
[ ٣٥٣ ]
ودليل المطلقة طلاقًا بائنًا حديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم: أنها طُلِّقت ثلاثًا فلم يجعل لها رسول الله - ﷺ - نفقة ولا سُكنى (١).
يتلخص مما تقدَّم في نفقة الزوجة:
- أن تكون زوجة، وهذه تجب لها النفقة والسكنى.
- أن تكون مطلقة طلاقًا رجعيًا وهذه تجب لها النفقة والسكنى.
- أن تكون مطلقة طلاقًا بائنًا وليست حاملًا؛ لا تجب لها النفقة ولا السكنى.
- أن تكون مطلقة طلاقًا بائنًا وحاملًا؛ تجب لها النفقة والسكنى.
- أن تكون معتدة عدة وفاة سواء كانت حاملا أم لا؛ لا تجب لها النفقة ولا السكنى على الصحيح.
فالمعتدات ثلاثة أقسام: قسم لها السكنى والنفقة بكل حال وهي الرجعية.
وقسم ليس لها نفقة ولا سكنى إلاّ إن كانت حاملًا، وهي البائن في الحياة.
وقسم ليس لها نفقة ولا سكنى مطلقًا وهي المتوفى عنها زوجها، وهي البائن بالموت.
قال المؤلف ﵀: (وتجب على الوالد الموسِر لولده المُعسِر وبالعكس)
تجب النفقة على الوالد الغني، الموسر يعني الذي عنده ما يكفيه وزيادة فهو غني، تجب لولده الفقير
يدل على وجوب النفقة على الأولاد حديث هند المتقدم في الصحيحين، قال لها النبي - ﷺ -: «خذي ما يكفيكِ وولدك بالمعروف «، يدل هذا على وجوب نفقة الأولاد على الأب.
وكذلك تجب النفقة على الولد الغني للوالد الفقير، هذا ثابت بالإجماع.
قال ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠).
(٢) انظر «المغني «لابن قدامة (٨/ ٢١٢).
[ ٣٥٤ ]
ويدل على وجوب النفقة على الوالدين أيضا قول الله ﵎ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند الحاجة، ثم هو من برهما أيضًا.
ولوجوب الإنفاق على الأقارب عموما ثلاثة شروط، فإذا تحققت وجب الإنفاق وإلا فلا:
- الشرط الأول: أن يكونوا فقراء لا مال لهم ولا كسب يستغنون به عن الإنفاق على أنفسهم.
- الشرط الثاني: أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم، فاضلًا عن نفقة نفسه
يعني عنده ما ينفق على نفسه وعنده زيادة على ذلك، فإذا كان عنده زائد فوجب عليه أن ينفق على أقاربه.
- الشرط الثالث: أن يكون المنفق وارثًا؛ لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
يعني من الورثة الذين يرثون قريبه الذي سينفق عليه إذا مات، فإذا لم يكن بينهما توارث فلا يجب عليه أن ينفق عليه.
هذه الشروط الثلاثة إذا تحققت وجب على الرجل أن ينفق على أقاربه وإلا فلا.
قال المؤلف ﵀: (وعلى السَّيّدِ لمن يَملِكُهُ)
يعني تجب النفقة على السيد لعبده الذي يملكه أو لأَمته؛ لحديث أبي هريرة عند مسلم قال: قال رسول الله - ﷺ -: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلَّف من العمل ما لا يطيق «(١)، العبد أو الأمة لا يملكان ووقتهما ملكٌ لسيدهم، وبما أنه قد حبسهم عن النفقة على أنفسهم وجبت عليه.
قال المؤلف ﵀: (ولا تجبُ على القريبِ لقريبهِ إلا من بابِ صلِةِ الرَّحِم)
كذا قال المؤلف، والصحيح أن نفقة القريب إذا كان وارثًا واجبة، فالضابط في القريب التي تجب نفقته هو الميراث بالشروط المتقدمة؛ لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وإذا لم يكن وارثًا فلا تجب عليه نفقة بل الإحسان والصلة لأقاربه.
قال المؤلف ﵀: (ومَن وجَبَت نفقتُهُ وجبت كِسوتُهُ وسُكناهُ)
من وجبت نفقته وجبت كسوته يعنى اللباس، وسكناه أي يجب أن يلبسه، ويسكنه في بيت أيضا على التفصيل الذي قدمناه؛ للأدلة المتقدمة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦٦٢).
[ ٣٥٥ ]
وتقدير النفقة تختلف من شخص لآخر، تقدر على حسب العرف لحديث هند، وما يتناسب مع حال الطرفين. والله أعلم