الهبات جمع هِبة، والهبة: تمليك بلا عوض حال الحياة.
قال المؤلف: (إن كانت بغيرِعِوضٍ؛ فلها حكم الهَديّةِ في جميع ما سَلَف)
إن كانت الهبة التي ستعطيها للآخر من غير مقابل، فحكمها حكم الهدية في كل ما تقدم من أحكام في الهدية.
قال: (وإن كانت بعوضٍ؛ فهي بيعٌ، ولها حُكمُه)
فإذا كانت الهبة بمقابل خرجت عن كونها هبة، وصارت بيعًا؛ فتأخذ حكم البيع.
قال المؤلف: (والعُمْرَى والرُّقْبَى تُوجبانِ المُلك للمُعْمَرِ والمُرْقَبِ ولِعَقِبِهِ مِن بَعدهِ؛ لا رجوعَ فيهما)
العُمرى: مأخوذة من العُمر وهو الحياة، سميت بذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يعطي الرجلُ الرجلَ الدارَ، ويقول له: أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عُمرك وحياتك تستعملها، فقيل لها: عمرى.
[ ٤٧١ ]
وأما الرُّقْبى؛ فمأخوذة من المُراقبة؛ لأن كل واحد منهما: الذي أعطى الدار وساكنها؛ يَرقبُ الآخر متى يموت لترجع إليه، وكذا ورثته يقومون مقامه.
فهما حقيقة نوع من أنواع الهبة موقت بوقت.
وأما حكمهما فقال المؤلف: توجبان الملك لمن أعطيت له ولورثته من بعده، وتخرج من ملك صاحبها مطلقًا.
فإذا قال رجل للآخر: أعطيتك هذه الدار مدة حياتك، يقول: خرجت من ملك صاحبها مطلقًا وصارت ملكًا للثاني.
وذلك لقول النبي ﷺ: «العمرى ميراث لأهلها» (١) أو قال: «العمرى جائزة» (٢) متفق عليه. وقال: «مَن أَعمَر عُمْرى فهي للذي أُعمِر حيًاّ وميّتًا ولِعقِبه» (٣) هذا لفظ مسلم.
لكن ورد في حديث عند مسلم من حديث جابر ما يدل على أن المسألة فيها تفصيل وليست على إطلاقها.
قال جابر ﵁: قال النبي ﷺ: «مَن أَعمَر رجلًا عُمَرى له ولِعَقِبه؛ فقد قَطَعَ قولُه حقَّهُ فيها، وهي لمن أُعمِر ولِعقِبه» (٤).
وفي رواية: «أيما رجلٌ أَعمَررجلًا عُمرى له ولعقبه، فقال: قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد؛ فإنها لمن أُعْطِيَهْا، وإنها لا ترجع إلى صاحبها؛ من أجل أنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث» (٥).
وفي رواية قال جابر: إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت؛ فإنها ترجع إلى صاحبها (٦).
هذا هو التفصيل: فرق بين أن يقول له: هي لك ما عشت، أو هي لك مدة حياتك، وبين أن يقول له: هي لك ولِعقبك من بعدك، فيذكر الأولاد.
_________________
(١) حديث جابر بلفظ مسلم (١٦٢٥)، وأخرجه البخاري (٢٦٢٥) بلفظ آخر.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٢٦)، مسلم (١٦٢٦).
(٣) لفظ مسلم (١٦٢٥).
(٤) لفظ مسلم (١٦٢٥).
(٥) لفظ مسلم (١٦٢٥).
(٦) لفظ مسلم (١٦٢٥).
[ ٤٧٢ ]
لعقبك يعني لذريتك من بعدك، فهنا دخلت في الميراث، فإذا قال له: هي لك ولعقبك أدخلت أولاده فيها؛ خرجت من ملكه مطلقًا وصارت للآخر.
وأما إذا قال له: هي لك مدة حياتك ولم يذكر العقب؛ فتبقى في ملك الأول، وللثاني أن يستعملها ما دام حيًّا، فإذا مات رجعت إلى ملك الأول أو إلى ورثة الأول.
هذا هو التفصيل الذي دل عليه حديث جابر الأخير وهو الأصح إن شاء الله.
والرقبى كالعمرى في أحكامها تمامًا. والله أعلم.
قال الترمذي ﵀: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، قالوا: إذا قال: هي لك حياتك ولعقبك، فإنها لمَن أُعمِرها، لا ترجع إلى الأول، وإذا لم يقل: لعقبك؛ فهي راجعة إلى الأول إذا مات المُعمَر، وهو قول مالك بن أنس، والشافعي.
وروي من غير وجه عن النبي ﷺ قال: «العمرى جائزة لأهلها»، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قالوا: إذا مات المُعمَر فهي لورثته، وإن لم تُجعَل لِعقِبه. وهو قول سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق. والله أعلم
وقال ﵀ في الرُّقبَى: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن الرقبى جائزة مثل العمرى، وهو قول أحمد، وإسحاق.
وفرق بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم بين العمرى والرقبى، فأجازوا العمرى، ولم يُجيزوا الرقبى.
وتفسير الرقبى أن يقول: هذا الشيء لك ما عشت، فإن مُتَّ قبلي فهي راجعة إليَّ.
وقال أحمد وإسحاق: الرقبى مثل العمرى، وهي لمن أُعطيها، ولا ترجع إلى الأول.