الهدايا جمع هدِيَّة، والهدِيَّة: ما مَلَّكته لغيرك في الحياة بغير عِوَض للتحبُّب.
وبينها وبين الهِبة والعَطِيَّة والصدقة فرْقٌ.
هذه المذكورات كل منها تمليك بلا عوض؛ الهدية أو الهبة أو العطية أو الصدقة، كلها تمليك مال بلا عوض، فهي تجتمع في هذا المعنى؛ إلا أن التمليك إذا كان لثواب الآخرة يعطى للمحتاج؛ كان صدقة.
وإذا كان التمليك للتحبُّب والإلف والتودد؛ فهدية.
والعطية شاملة للجميع.
والهبة: قال بعض أهل العلم: هي والعطية بمعنى واحد فتشمل الهدية وغيرها.
قال ابن قدامة في المغني: وجملة ذلك أن الهبة والصدقة والهدية والعطية؛ معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض.
واسم العطية شامل لجميعها، وكذلك الهبة.
والصدقة والهدية متغايران؛ فإن النبي ﷺ كان يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وقال في اللحم الذي تُصدِّق به على بريرة: «هو عليها صدقة، ولنا هدية».
فالظاهر أن من أعطى شيئًا ينوي به التقرب إلى الله تعالى للمحتاج، فهو صدقة.
ومن دفع إلى إنسان شيئًا للتقرب إليه، والمحبة له، فهو هدية.
[ ٤٦٦ ]
وجميع ذلك مندوب إليه، ومحثوث عليه؛ فإن النبي ﷺ قال: «تهادوا تحابوا».
وأما الصدقة؛ فما ورد في فضلها أكثر من أن يمكننا حصره انتهى.
قال المؤلف ﵀: (يُشرعُ قَبُولُهَا ومُكافَأَةُ فاعِلِها)
قبول الهدية مشروع أي مستحب، يشرع قبولها؛ لأن النبي ﷺ قَبِلها، ورَدَ في ذلك أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، منها حديث أنس: أن النبي ﷺ أوتي بلحم تُصُدِّق به على بريرة، فقال: «هو عليها صدقة وهو لنا هدية» (١).
ومنها: حديث عائشة: أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة؛ يبتغون بها مرضاة رسول الله ﷺ (٢)، وبوب الإمام البخاري في صحيحه: باب قبول الهدية، في كتاب الهبة، وساق عدة أحاديث في ذلك منها ما ذكرناه.
وأما استحباب المكافأة عليها؛ فلِما أخرجه البخاري من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها (٣).
قال المؤلف ﵀: (وتَجوزُ بينَ المُسلمِ والكافِرِ)
تجوزالهدية بين المسلم والكافر، أي يجوز لك أن تعطي كافرًا هدية، وأن تقبل هدية الكافر؛ لأن النبي ﷺ قبل هدايا الكفار، وأهدى لهم.
بوب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: باب الهدية للمشركين، وذكر حديث إهداء عمر حُلةً لأخٍ له من أهل مكة قبل أن يسلم في حياة النبي ﷺ (٤).
وذكر حديث أسماء بنت أبي بكر في صلة أمها الكافرة، أذن لها النبي ﷺ في صلتها (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥٧٧)، مسلم (١٠٧٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٥٧٤)، مسلم (٢٤٤١).
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٨٥)، مسلم (١٣٣٣).
(٤) أخرجه البخاري (٢٦١٩)، مسلم (٢٠٦٨).
(٥) أخرجه البخاري (٢٦٢٠)، مسلم (١٠٠٣).
[ ٤٦٧ ]
وبدأ الباب بذكر الآية التي نزلت بسبب قصة أسماء: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
وبوَّب أيضًا ﵀: باب قبول الهدية من المشركين، وعلق مجموعة من الأحاديث التي تدل على جواز قبول الهدية من المشرك، ووصل حديث أنس، قال: أهدي للنبي ﷺ جُبَّة سندسٍ -السندس نوع من أنواع الحرير- وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها -أي من حسنها وجمالها - فقال ﷺ: «والذي نفس محمد بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا».
وفي رواية في الصحيحين: قال: «إنّ أُكَيْدِرَ دُوْمَة أهدى إلى النبي ﷺ الحديث» (١).
وأكيدر دومة، هو: ملك دُومة، اسمه أكيدر، كان كافرًا، أهدى للنبي ﷺ وقبل منه ﷺ الهدية.
وذكر البخاري ﵀ موصولًا حديث اليهودية التي أهدت للنبي ﷺ شاةً مسمومة فأكل منها ﷺ (٢).
هذا يدل على جواز أكل طعام أهل الكتاب الكفار، وعلى جواز قبول الهدية منهم.
وليس هذا من الموالاة الكفرية كما يزعم الخوارج، فتنبهوا حفظكم الله، انظروا أفعال النبي ﷺ، وما قاله لأسماء، هذا يدل على أن المولاة الكفرية والمحرمة لا تحصل بمثل هذا الفعل، فليست كل معاملة مع الكفار محرمة أو كفرية، يجب على المسلم التفقه في دينه، حتى يعلم ما يجوز وما لا يجوز من معاملتهم، وما يعد من الموالاة الكفرية وما لا يعد من ذلك، محل تفصيل ذلك أبواب الردة. والله أعلم.
قال المؤلف ﵀: (ويَحرُمُ الرُّجوعُ فيها)
يعني إذا أهديت شخصًا هدية وقبضها، أي أخذها منك؛ فلا يجوز لك أن تستعيدها منه؛ لأنها داخلة في الهبة التي قال فيها النبي ﷺ: «العائد في هبته كالكلب يَقِيء ثم يعود في قَيئِه» (٣). متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦١٥ و٢٦١٦)، مسلم (٢٤٦٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦١٧)، مسلم (٢١٩٠).
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٨٩)، مسلم (١٦٢٢).
[ ٤٦٨ ]
هذا المثل ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة؛ ففي رواية: «ليس لنا مثل السوء» (١).
إلا الوالد فيما أعطى ولده كما سيأتي إن شاء الله.
وكذلك الصدقة؛ فقد خصت بالذكر في رواية أخرى: «العائد في صدقته .. الحديث» (٢).
لكن هذا الحكم بعد قبضها، أي إذا نويت أن تهدي شخصًا هدية، وتراجعت عن ذلك؛ فلك أن تتراجع قبل أن يأخذها منك، إذا لم يستلمها؛ فلك أن تتراجع، لكن إذا قبضها منك؛ فلا يجوز لك أن ترجع. والله أعلم.
قال المؤلف: (وتَجبُ التَّسويةُ بينَ الأولاد)
يجب أن تساوي بين الأولاد في الهبة والعطية والهدية؛ لحديث النعمان بن بشير في الصحيحين: أنّ إباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله ﷺ: «أَكُلَّ وَلدِكَ نحلته مثل هذا؟» فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ: «فارجعه» (٣). متفق عليه.
والولد في اللغة يطلق على الذكر والأنثى.
وفي رواية أخرى قال: «فلا تشهدني على جَوْر» (٤)، وفي رواية أخرى: «أيسرُّك أن يكونوا إليك في البر سواء؟» قال: بلى، قال: «فلا إذًا» (٥).
النعمان جاء إلى النبي ﷺ يريد أن يشهده على ما فعله، وهو أنه أعطى أحد أولاده عبدًا يكون ملكًا له دون بقية أولاده.
فسأله النبي ﷺ هل أعطيت أولادك جميعًا مثل ما أعطيت هذا؟ فقال: لا، فرفض النبي ﷺ أن يشهد على ذلك، وبين السبب، وهو أن فعله ظلم لبقية أولاده، فكما يحب أن يكونوا جميعًا بارِّين به، كذلك فليكن عادلًا معهم ويساوي بينهم في العطية، ولا يُفرِّق بين الذكر والأنثى ولا بين الصغير والكبير، إلا بالبر، فإذا كان أحدهم أكثر برًّا به؛ فله أن يفضله على البقية بالعطية، هذا المعنى أُخذ من قول النبي ﷺ له: «أيسرُّك أن يكونوا إليك في البر سواء؟».
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٢٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٩٠)، مسلم (١٦٢٠).
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٨٦)، مسلم (١٦٢٣).
(٤) أخرجه البخاري (٢٦٥٠)، مسلم (١٦٢٣).
(٥) أخرجها مسلم (١٦٢٣).
[ ٤٦٩ ]
أي كما أنك تحب أن يكونوا جميعًا بارِّين بك بنفس الدرجة؛ كذلك أنت يجب أن تكون عادلًا ومساويًا بينهم من غير تفريق بينهم.
فهذا يدل على وجوب التسوية بين الأولاد في الهبة والهدية، والتسوية تكون بين الذكور والإناث لا كقسمة الميراث، فهنا النبي ﷺ أوصى بالتسوية بينهم، فقال له: «أَكُلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟»، والولد يشمل الذكور والإناث.
وأخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث أن للأب أن يرجع في هبته لابنه خاصة.
تقدم أنه لا يجوز الرجوع في الهبة، لكن أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث أنه يجوز للأب أن يرجع في هبته التي أعطاها لابنه، من قول النبي ﷺ له: «فارجعه»، فأرجَعه بعد أن أعطاه لابنه.
لكن هذا الاستدلال يمكن المنازعة فيه؛ لأنه ربما يكون النبي ﷺ ألزمه بالإرجاع لأنها عطية باطلة.
ولكن ما يصح الاستدلال به لهذا القول؛ قول النبي ﷺ: «لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده» (١) الاستثناء الأخير هوالذي يدل على أن الوالد له أن يرجع في هبته لابنه.
وهل الأم كالأب؟ اختلف أهل العلم في ذلك، فبعضهم قال: هي مثله لها أن ترجع في هبتها لابنها؛ لأنها داخلة في قول النبي ﷺ: «إلا الوالد فيما يعطي ولده»، والبعض قال: لا، الوالد غير الوالدة، ولكن قال الآخرون بأنها تلحق بالوالد بالمعنى؛ لأن الوالد له حق في مال الولد فلذلك جاز له أن يرجع في هبته، وكذلك الوالدة لها حق في مال ولدها فيجوز لها أن ترجع في هبتها، وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله أنها تلحق بالوالد، فالخلاصة للوالد والوالدة الرجوع في هبتهما لأولادهما فقط. والله أعلم
قال المؤلف ﵀: (والرَّدُّ لغيرِ مَانعٍ شَرعيٍ مَكروه)
الرد أي رد الهدية إذا أهداك شخص هدية، فردُّها عليه مكروه لغير مانعٍ شرعي، فإذا وُجد المانع الشرعي جاز لك أن تردها، وربما وجب؛ كأن يهديك شخص هدية وأنت في عمل
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٩٠)، مسلم (١٦٢٠).
[ ٤٧٠ ]
للحاكم، تعمل عملًا للحاكم يأتيك شخص بهدية هذه حقيقتها رشوة، أقرب إلى الرشوة من الهدية فهنا يجوز لك أن تردها.
أو تكون قد علمت منه أنه يريد أن يمن عليك بهديته؛ فيجوز لك كذلك في هذه الحالة أن تردها. أو أن تكون الهدية من شيء محرم كالخمر مثلًا.
لكن إذا لم يكن هناك مانعٌ شرعي فيُكره ردُّ الهدية؛ لأن النبي ﷺ رغب في قبولها؛ لِما تُحدثه في النفس من المحبة والإلف، وردّ الهدية عكس ذلك يحدث شيئًا في النفس لذلك يُكره ردها. والله أعلم