قال (إذا بلغت الإبل خمسًا، ففيها شاة) أي إذا بلغت الإبل خمسة رؤوس وحال عليها الحول وكانت سائمة وجب أن يخرج شاة زكاة عن هذه الإبل.
ثم قال: (ثم في كل خمس شاة) فإذ ملكت خمسًا فتخرج عليها شاة، وإذا ملكت ستًا تخرج شاة وكذا سبعًا وثمانية وهكذا حتى تصل إلى العشرة، وتسمى هذه الأرقام مابين الخمسة إلى العشرة: (أوقاصًا) وسيأتي تفسيره، وهذه لا شيء فيها، إنما الواجب فيما عيّن، في الخمس شاة ثم في العشر شاتان، والخمس عشرة ثلاث شياه، والعشرون أربع شياه، إلى أربع وعشرين ففيها أربع.
ثم قال: (فإذا بلغت خمسًا وعشرين، ففيها ابنة مخاض، أو ابن لبون) أي إذا صار عندك خمس وعشرون من الإبل ترعى من العشب الذي خلقه الله تعالى وليس لك فيه عمل، وهو العشب المباح، ومضى عليها عام، فكم يُخرج عليها؟
[ ١٧١ ]
قال (ففيها ابنة مخاض)، هي الأنثى من الإبل التي أكملت سنة.
أو (ابن لبون)، وهو الذكر الذي أكمل سنتين.
فأنت مخيَّر بين ابنة المخاض أو ابن اللبون إن ملكت الاثنين.
ثم يبقى مقدار الزكاة كما هو حتى يبلغ ستًّا وثلاثين وتسمى هذه الأوقاص فلا شيء فيها.
قال: (وفي ست وثلاثين ابنة لبون) أي إذا بلغت الإبل ستًا وثلاثين فيخرج ابنة لبون، وهي أنثى أكملت سنتين، ثم يبقى يخرج هذه الأنثى التي أكملت سنتين إلى خمس وأربعين.
ثم قال: (وفي ستٍّ وأربعين حِقّة) أي إذا بلغت إبله ستًا وأربعين فيجب عليه أن يخرج حِقّة، وهي الأنثى التي أكملت ثلاث سنوات.
وسُمِّيت حِقّة لأنها صارت في سن تستحق أن يطرقها الجمل، بمعنى يجامعها.
ثم مابين ست وأربعين وإحدى وستين أوقاص.
قال: (وفي إحدى وستين جَذَعَة) إلى خمس وسبعين.
والجذعة هي الأنثى التي أكملت أربع سنين.
ثم قال: (وفي ست وسبعين بنتا لبون) إلى التسعين فإنه يخرج بنتا لبون، أي اثنتين قد أكملت كل واحدة عامين.
قال: (وفي إحدى وتسعين حِقَّتانِ إلى مائة وعشرين) أي إذا زاد العدد عن مائة وعشرين، فإنه يقسم إبله إلى خمسين وأربعين، ويخرج عن كل أربعين ابنة لبون وعن كل خمسين حِقة.
فسيكون الأمر هكذا:
٥ رؤوس من الإبل إلى ٢٤ = في كل خمس شاة ثم:
٢٥ - ٣٥ = بنت مخاض أو ابن لبون.
٣٦ - ٤٥ = بنت لبون.
٤٦ - ٦٠ = حِقّة.
[ ١٧٢ ]
٦١ - ٧٥ = جَذَعة.
٧٦ - ٩٠ = ابنتا لبون.
٩١ - ١٢٠ = حِقَّتان.
١٢١ - فأكثر من ذلك، في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حِقّة.
فلنقل إنَّ عنده مائتي رأس من الإبل، فكم يكون عليه؟
الجواب: أننا نستطيع أن نقسم كيف نشاء إما أربعينات أو خمسينات، فإما أن نخرج خمس بنات لبون، أو أربع حقاق.
وهذا كله جاء مفصلًا في حديث أنس بن مالك في «صحيح البخاري» على هذه الصورة (١).
قال المؤلف - ﵀ -: (ويجبُ في ثلاثينَ من البقرِ تَبِيِعٌ أو تَبِيِعَةٌ، وفي أربعين مُسِنَّةٌ، ثم كذلك)
فنِصاب البقر ثلاثون، وأقل من ذلك لا شيء فيه، ودليله حديث معاذ، قال: «أمره رسول - ﷺ - أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة» (٢).
والتبيع: ولد البقرة الذي يتبع أمه من يوم ميلاده إلى أن يكمل سنة ثم يكون جذعًا، فما دام دون السنة فهو تبيع، فإذا بلغ السنة صار جذعًا والذكر والأنثى سواء لا فرق.
قال (وفي أربعين مسنة) وما بعد الثلاثين من إحدى وثلاثين إلى تسع وثلاثين، كلها أوقاص لا شيء فيها، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة.
والمسِنَّة: مالها سنتان وطلع سنها، وهي الأنثى.
فَبَيِّنَ - ﷺ - القَدْرَ الذي يؤخذ في زكاة البقر من كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنّة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٥٤) عن أنس بن مالك - ﵁ - أن أبا بكر الصديق - ﵁ - كتب له هذا الكتاب لما وجَّهّه إلى البحرين.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٢٠١٣)، وأبو داود (١٥٧٦)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٢٤٥٠)، وابن ماجه (١٨٠٣) عن معاذ - ﵁ - في قصة الرسالة إلى اليمن.
[ ١٧٣ ]
فالستون فيها تبيعان أو تبيعتان، والسبعون فيها تبيع أو تبيعة ومسنة، والثمانون فيها مسنّتان، وهكذا.
وأما الجواميس فحكمها حكم البقر بالإجماع، نقله ابن المنذر (١)، فتعد البقرة والجاموس شيئًا واحدًا، كما أن الجمل العربي والجمل ذو السنامين الأفريقي يُعَدُّ شيئًا واحدًا.
قال: (ويجبُ في أربعينَ من الغَنَمِ شاةٌ إلى مائة وإحدى وعشرين، وفيها شاتان إلى مئتين وواحدةٍ، وفيها ثلاث شياهٍ إلى ثلاث مئةٍ وواحدةٍ، وفيها أربعٌ، ثم في كلِّ مائةٍ شاةٌ)
يبين المؤلف الآن نصاب الغنم، وهي أربعون شاة، وتكون زكاتها شاة واحدة، وتبقى شاة إلى المئة وعشرين، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين،
قال: (وفيها شاتان إلى مائتين وواحدة) فمن المائة وإحدى وعشرين إلى المائتين فيها شاتان.
قال (وفيها ثلاث شياه إلى ثلاث مائة وواحدة، وفيها أربع - إذا زادت عن ثلاث مائة -، ثم في كل مائة شاة).
ففي ٤٠ - ١٢٠ = شاة.
ثم:
١٢١ - ٢٠٠ = شاتان.
ثم:
٢٠١ - ٣٠٠ = ثلاث شياه.
ثم في كل مائة شاة.
وهذا التفصيل هو المذكور في «صحيح البخاري» (٢)، في كتاب أبي بكر لأنس.
وكثير من هذه المسائل مُجْمَعٌ عليها.
_________________
(١) «الإجماع» (ص ٤٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٥٤).
[ ١٧٤ ]
ويشمل الغنم، الماعز والضَّأن. والماعز ما له شعر أسود، وأما الضَّأن فهو الخروف ذو الصوف الأبيض.
وهكذا يكون قد انتهى من ذكر نِصابِ الإبل والبقر والغنم وذكر المقادير.
قال - ﵀ -: (ولا يُجْمَعُ بين مُفْتَرِق من الأنعام، ولا يُفَرّق بين مجتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ)
يعني بذلك أن يكون لزيد أربعون رأسًا من الغنم، ولعمرو أربعون رأسًا، ولبكر أربعون رأسًا، وهي متفرّقة، فكل واحد من هؤلاء عليه شاة في الصدقة، فيجمعون شياههم، فيصير عددها مائة وعشرين رأسًا، والمائة وعشرون هذه فيها شاة واحدة، فيسقطون عن أنفسهم شاتين، وهذا تحايل على شرع الله ولهذا نهى عنه النبي - ﷺ -.
وأما الصورة الثانية، وهي تفريق المُجْتَمِعِ، أن يكون لك عشرون شاة ولي عشرون شاة مجتمعة، فتكون زكاتُها مجتمعة شاة واحدة، فإذا فرَّقناها لم يكن على أي منا شيء، وهذا منهِيٌّ عنه أيضًا.
فما كان مجتمعًا فلا يفرَّق خشية الصدقة وما كان مفرَّقًا فلا يجمع خشية الصدقة، وقد جاء هذا في «صحيح البخاري» من حديث أنس قال، قال رسول الله - ﷺ -: «ولا يَجْمَعَ بين متفرّق، ولا يُفَرّقُ بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فيتراجعا بالسوية» (١) والجملة الأخيرة سيأتي الحديث عنها من كلام المؤلف، وسيأتي ضابط الاجتماع والتفريق، متى تكون مجتمعة ومتى تكون مفترقة.
وأما قول المؤلف: (ولا يجمع بين مفترق من الأنعام) أي أن الخلطة مؤثرة في الأنعام فقط، لا في بقية الأموال، فالأموال الثانية كالدنانير والفضة والذهب، فهذه لا علاقة لها بالاختلاط، وكل واحد وماله منفصل عن الآخر، سواء كان مجتمعًا أو متفرقًا، والاختلاط يؤثر فقط في الحيوانات المذكورة، وهو الصحيح من كلام أهل العلم، ودليله أن الجمع والتفريق مؤثر قِلّة وكثرة في الماشية ولا يؤثر في غيرها، والخلط يؤثر في الماشية بالنفع تارة، وبالضرر تارة أخرى، وأما في غيرها فيؤثر دائمًا بالضرر على صاحب المال، فلا تعتبر في غير الماشية لأنها دائمًا مضرة على صاحب المال.