قضاء الحاجة، يعني بها الذهاب إلى الخلاء لإخراج البول أو الغائط، فيريد أن يذكر هنا أحكام وآداب ذلك.
قال - ﵀ -: (على المُتَخَلّي الاستتارُ حتى يَدْنُوَ مِنَ الأرضِ)
(المُتخلّي): الذي ذهب إلى الخلاء لقضاء حاجته.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٩)، ومسلم (٢٨٤) عن أنس بن مالك - ﵁ -.
(٢) . استدلّ من قال بقول المؤلف بأثر ابن عباس الذي أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ١٥٠) وغيره، ورواه عن ابن الزبير، وبيّن ضعفه البيهقي في «معرفة السنن» (١/ ٤٠٢) وأنكره الشافعي وابن عيينة.
[ ٢٥ ]
(الاستتار) أي طلب ما يستره عن أعين الناس.
(حتى يدنو من الأرض) أي يبقى مستترًا إلى أن يجلس.
ويدلّ على ذلك جميع الأدلة التي وردت في وجوب ستر العورة.
فإن كان المتخلّي في فضاء كان ستر عورته واجبًا، وأما إذا كان في مكان مغلق أو يغلب على ظنه أن أحدًا لا يراه فلا بأس بخلع ملابسه قبل أن يدنو من الأرض، لأن المراد هو ستر العورة.
وجاء في «سنن أبي داود» (١): «أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض» ولكنه حديث ضعيف، لأنه مضطرب.
وكذا حديث: «من أتى الغائط فليستتر» (٢) فإنه ضعيف أيضًا.
والعمدة على ما ذكرنا سابقًا، وهو عموم الأدلة التي أمرت بستر العورة، فقد قال الله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ وقال - ﷺ -: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» (٣).
ثم قال - ﵀ -: (والبُعْدُ ودخولُ الكنيفِ)
(البعد): أي الابتعاد عن أعين الناس.
و(الكنيف): أصله الحظيرة التي تعمل للإبل، فَتُكِنُّها - أي تحفظها - من البرد، ثم سمّوا ما حظَروه وجعلوه موضعًا للحدث كنيفًا.
أخرج أبو داود وغيره: «أن النبي - ﷺ - كان إذا ذهب المذهب أبعد» (٤).
وعن جابر «أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد» (٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤)، والترمذي (١٤) وغيرهما عن أنس وابن عمر ﵄. ضعفه الدارقطني في «العلل» (٢٤٦٢)، وانظر «العلل الكبير» للترمذي (٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٤/ ٤٣٢) رقم (٨٨٣٨)، وأبو داود (٣٥)، وابن ماجه (٣٣٧) عن أبي هريرة ﵁. فيه الحصين الحبراني، وأبو سعيد مختلف في توثيقهما وجهالتهما، انظر «البدر المنير» (٢/ ٢٩٩).
(٣) أخرجه أحمد (٣٣/ ٢٣٥) رقم (٢٠٠٣٤)، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، وابن ماجه (١٩٢٠) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
(٤) أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢٠)، والنسائي (١٧)، وابن ماجه (٣٣١) عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -.
(٥) أخرجه أبو داود (٢)، وابن ماجه (٣٣٥) عن جابر بن عبد الله - ﵁ -.
[ ٢٦ ]
وهذان الحديثان فيهما كلام، ولكن يشهد أحدهما للآخر.
وهذا مع حديث المغيرة في «الصحيحين»، «أن النبي - ﷺ - بال عند سباطة قوم» (١)، والسباطة، هي المزبلة، وتكون قريبة من الناس.
وكذلك رآه ابن عمر على سطح بيت حفصة يقضي حاجته (٢).
فالظاهر أنه إذا أمن أن يراه أحد أو كان في كنيف فلا بأس أن يكون قريبًا.
ثم قال - ﵀ -: (وتركُ الكلامِ)
أي يجب على المُتخلّي عند قضاء الحاجة ترك الكلام، لما أخرجه أبو داود وغيره عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يخرُج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدّثان، فإن الله ﷿ يمقت على ذلك» (٣).
ولكنه حديث ضعيف مضطرب، وفيه راوٍ مجهول.
فإذا كان الحديث ضعيفًا ولا يوجد ما يدل على تحريم الكلام عند قضاء الحاجة غيره، فيبقى الأمر على الإباحة بناء على الأصل، فإن أصل هذه الأشياء الإباحة ولا يوجد ما يدل على خلافه.
ويكره ذكر الله ورد السلام، لأنه - ﷺ - امتنع من رد السلام على رجل وهو يبول (٤).
ثم قال (والمُلابَسَةُ لما لهُ حُرْمَةٌ)
مثل المصحف أو الخاتم الذي عليه ذكر الله أو ما شابه ذلك، فلا يلبسه في يده أو في رقبته أو يضعه في مخبئه عند قضاء الحاجة، وذلك لحديث أنس الذي أخرجه أبو داود وغيره «أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» (٥) أي نزعه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٤)، ومسلم (٢٧٣) عن حذيفة بن اليمان - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦) عن عبد الله بن عمر - ﵁ -.
(٣) أخرجه أحمد (١٧/ ٤١٢)، وأبو داود (١٥)، وابن ماجه (٣٤٢) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٤) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٣٧٠) عن ابن عمر - ﵁ -: «إن رجلًا مرّ ورسول الله - ﷺ - يبول فسلّم، فلم يردّ عليه». وأخرج (٣٦٩) من حديث أبي جهم قال: «أقبل رسول الله - ﷺ - من نحو بئر جملٍ، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يردّ رسول الله - ﷺ - عليه، حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه، ثم ردّ ﵇».
(٥) أخرجه أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي (٥٢١٣)، وابن ماجه (٣٠٣) عن أنس بن مالك - ﵁ -، وقال أبو داود: هذا حديث منكر.
[ ٢٧ ]
ولكنه حديث ضعيف لا يصحّ، وبما أن الحديث ضعيف فلا يعمل به ويبقى الأمر على الإباحة بشرط ألا يمس ذلك نجاسة.
فالخاتم إذا كان في اليد اليسرى وجب أن يُنزع، لأن النجاسات ستلاقيه على تلك الحال، فإنه في اليد اليسرى التي سيستنجي بها الشخص، أما إذا كان المصحف في مخبئه - أي جيبه - محفوظًا بعيدًا عن الأذى فلا بأس والله أعلم.
وقال - ﵀ -: (وَتَجَنُّبُ الأمْكِنَةِ التي مَنَعَ عن التَّخَلّي فيها شرعٌ أو عُرْفٌ)
وذلك لما صحّ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «اتقوا اللَّعَّانين»، قالوا وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلّى في طريق الناس أو ظلِّهم» أخرجه مسلم (١).
و(اللعانان)، الأمران الجالبان للَّعنِ.
ووردت في ذلك أحاديث أخرى فيها ضعف.
لكن هذا الحديث يدل على تحريم قضاء الحاجة في طريق الناس أو في المكان الذي يستظلّون به، وما في معنى هذه الأمكنة، كحول الأنهار والآبار وأفنية الناس وكل ما يتأذى الناس من قضاء الحاجة فيه.
وأما الحديث الوارد في النهي عن البول في الجحر، فضعيف (٢).
وصحّ عن النبي - ﷺ - أنه نهى أن يبول أحدنا في مغتسله (٣) أي في المكان الذي يغتسل فيه.
قال أهل العلم: وإنما نهى عنه إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، أو كان المكان صُلْبًا فيتوهم أنه أصابه منه شيء، فيحصل منه الوسواس.
وكذلك نهى النبي - ﷺ - أن يبال في الماء الراكد (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٩) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (٣٤/ ٣٧٢)، وأبو داود (٢٩)، والنسائي (٣٤) عن عبد الله بن سرجس - ﵁ -. اختلف في سماع قتادة من عبد الله بن سرجس، وقتادة مدلس لا يقبل منه في مثل هذا الموطن إلا أن يصرِّح بالتحديث. انظر «إرواء الغليل» (٥٥) للشيخ الألباني ﵀.
(٣) أخرجه أحمد (٢٨/ ٢٢٣)، وأبو داود (٢٨)، والنسائي (٢٣٨) عن رجل صحب النبي - ﷺ -.
(٤) أخرجه مسلم (٢٨١) عن جابر - ﵁ -.
[ ٢٨ ]
قال - ﵀ -: (وعدمُ الاسْتِقْبَالِ والاسْتِدْبارِ للقبلة)
(الاستقبال) أن تجعل القبلة أمامك عند قضاء الحاجة.
و(الاستدبار) أن تجعلها خلفك.
ورد في ذلك أحاديث منها قول النبي - ﷺ -: «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يَسْتَدْبِرْها» (١).
وقال سلمان: «نهانا رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلة بغائط أو بول » (٢) الحديث.
وجاء عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» (٣).
وجاء عن ابن عمر أنه قال: «لقد ارتقيتُ على ظهر البيت فرأيت رسول الله - ﷺ - على لبنتين مستقبلَ بيتِ المقدسِ لحاجتِهِ» (٤).
لهذه الأحاديث اختلف أهل العلم في حكم استقبال البيت واستدباره بغائط أو بول.
وأصح هذه الأقوال والذي فيه العمل بجميع الأدلة، قول الإمام الشافعي والبخاري وابن المنذر والجمهور، وهو التفريق بين الصحاري والبنيان.
فيجوز في البنيان عملًا بحديث ابن عمر وغيره.
ولا يجوز في الصحاري عملًا بحديث أبي أيوب وغيره.
وهذا أولى ممن أعمل بعض الأحاديث وأهمل البعض الآخر، فلا إشكال بأن الأَوْلى هو العمل بجميع الأدلة وعدم إهمال أحدها.
ومن أراد المزيد فليراجع «فتح الباري» للحافظ ابن حجر كتاب الوضوء باب (١١) حديث (١٤٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٢).
(٣) أخرجه البخاري (١٤٤)، ومسلم (٢٦٤).
(٤) أخرجه البخاري (١٤٥)، ومسلم (٢٦٦).
[ ٢٩ ]
ثم قال - ﵀ -: (وعليه الاسْتِجْمارُ بثلاثةِ أحجارٍ طاهرةٍ أو ما يقومُ مَقامَها)
(الاستجمار) استعمال الجمار - وهي الأحجار - للتنظف من البول والغائط بعد قضاء الحاجة.
جاء في حديث سلمان، قال: «إن النبي - ﷺ - نهى عن الاستجمار بأقلّ من ثلاثة أحجار، وعن الاستنجاء برجيع أو عظم» (١).
فيجب التمسّح بثلاثة أحجار وإن حصل الإنقاء بما دونها، فإن لم يحصل، وجب الزيادة حتى يحصل الإنقاء، فإن حصل بشفع، بأربع مثلًا، فيستحبّ أن يزيد الخامسة كي يختم بوتر.
قوله: (أو ما يقوم مقامها) لأن المطلوب هو الإنقاء والتنظف فبأي شيء حصل جاز مثل المناديل الورقية الموجودة اليوم، وإذا استعمل الماء أجزأه.
ولا يجوز برجيع وهو الروث، ولا بالعظم، معروف.
وصحّ عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن الاستنجاء باليمين، ومس الذكر باليمين عند البول (٢).
ثم قال - ﵀ -: (ويُنْدَبُ الاسْتِعاذَةُ عندَ الشُّرُوعِ، والاستغفارُ والحمدُ بعدَ الفراغِ)
و(يندب): أي يستحب.
والاستعاذة: هي أن يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، كما جاء في الحديث عن أنس، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخُبُثِ والخبائث» (٣)، وفي رواية: «كان إذا أراد أن يدخل» (٤) متفق عليه.
و(الخُبث والخبائث): ذكران الشياطين وإناثهم.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧) عن أبي قتادة - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥).
(٤) أخرجها البخاري (١٤٢).
[ ٣٠ ]
إذا دخل المسلم استعاذ بالله قبل أن يدخل كي لا تضره الجن. وتقصير الناس بالسنة في هذا الزمن أدى إلى عواقب سيئة، وهي كثرة المتضررين بالجن الموجودين في مثل هذه الأماكن، وقد صار هذا بين الناس اليوم كثيرًا جدًا، وذلك بسبب تركهم لسنة النبي - ﷺ -.
وأما الاستغفار والحمد بعد الخروج فوردا في حديثين ضعيفين،
حديث عائشة: كان - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» (١) وفيه يوسف بن أبي بردة مجهول.
وأما الحمد فأخرج ابن ماجه من حديث أنس، قال: كان النبي - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» (٢) وهو ضعيف، فيه إسماعيل بن مسلم، نقل في «الزوائد» الاتفاق على تضعيفه.