الاعتكاف لغة، هو لزوم الشيء.
وفي الشرع، اللُّبث في المسجد على صفة مخصوصة بنية.
أي، بنية التعبد.
قال - ﵀ -: (يشرع - ويَصِحُّ - في كلِّ وقتٍ في المساجد)
لا خلاف بين علماء الإسلام في مشروعية الاعتكاف، وقد ذُكر في كتاب الله ﵎، فقال جل في علاه: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
وصحَّ عنه - ﷺ - في أحاديث كثيرة أنه اعتكف، منها ما هو في «الصحيحين».
وأجمع المسلمون على مشروعيته (٢)، ولم يصحَّ في فضيلة الاعتكاف شيء.
وقد سئل الإمام أحمد - ﵀ - هل تعلم في فضل الاعتكاف شيئًا صحيحًا؟
فقال: « لا إلًا شيئًا ضعيفًا (٣)، ونفى أن يَعلم في فضله شيئًا صحيحًا.
(ويصحّ) الاعتكاف (في كل وقت)، لأنه ورد ما يدل على مشروعيته، ولم يأت ما يدل على تخصيصه بوقت معين دون وقت.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٩٧٠٧)، وأبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨).
(٢) انظر «الإجماع» (ص ٥٠) لابن المنذر.
(٣) انظر «مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني» (ص ١٣٧).
[ ٢٣٠ ]
وأمّا كونه (في المسجد) لا في غيره، فلقول الله ﵎ ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ولفعله - ﷺ - حيث كان يعتكف في المساجد، ولم يُنقل عنه أنّه اعتكف في غير مسجد، والعبادات توقيفية، فلا يكون الاعتكاف إلا في مسجد.
قال المؤلف - ﵀ -: (وهو في رمضان آكد سيَّما في العشر الأواخر منه)
وذلك لأن النبي - ﷺ - كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ﵎ كما قالت عائشة ﵂ على ما جاء في «الصحيحين» (١).
لذلك كان الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان آكد من غيره.
ومعنى (سيَّما) أنه الأولى.
وأما زمان الاعتكاف، فليس للاعتكاف وقت محدد، فهو يتحقق في المسجد مع نية الاعتكاف طال الوقت أم قصر،
شروط الاعتكاف، يُشترط في المُعتكِف أن يكون:
- مسلمًا، لأن الكافر لا تُقبل منه العبادات حتى يُسلم، والاعتكاف من العبادات.
- مُمَيِّزًا، لأن المميز هو الذي يصح منه التعبد وقصد الطاعة، فلا يصحُّ الاعتكاف من كافر ولا من صبي غير مميز.
- ولا يشترط له الصيام، كما يقول بعض أهل العلم، لأن عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد فأذن له النبي - ﷺ - (٢)، ومعلوم أن الليل ليس محلًا للصيام، فيصح الاعتكاف من غير صيام.
أركان الاعتكاف: حقيقة الاعتكاف، هي المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله، فلو لم يقع المكث في المسجد، أو لم تحصل نية الطاعة لا ينعقد الاعتكاف.
ويصح الاعتكاف في كل مسجد خُصَّ لإقامة صلاة الجماعة فيه، لقول الله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، فهذا يشمل كل ما يصح إطلاق المسجد عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٢٥)، ومسلم (١١٧١).
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦).
[ ٢٣١ ]
وأما حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (١)، فضعيف لا يصح.
قال ﵀: (ويُستحب الاجتهاد في العمل فيها)
يُستحب الاجتهاد في العمل في الليالي العشر الأواخر من رمضان، لحديث عائشة في «الصحيحين» قالت: «كان النبي - ﷺ - إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر» (٢)، كناية عن الجدّ والاجتهاد في العبادة.
وقد كان النبي - ﷺ - يقوم العشر الأواخر ويجتهد فيها، لوجود ليلة القدر في هذه العشر الأواخر، ومن أدرك ليلة القدر فقد أدرك خيرًا كثيرًا.
قال: (وقيام ليالي القدر)
أي ويُستحب قيام الليالي التي يتوقع أن تكون ليلة القدر فيها، وهي ليالي العشر الأواخر من رمضان، لقوله - ﷺ -: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣).
وقال - ﷺ -: «تحَرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (٤).
والصحيح أنّ ليلة القدر لا تُعرف لها ليلة معينة، فمن أرادها فليتحراها في العشر الأواخر كلها، فمن قام العشر الأواخر من رمضان، فقد أدرك ليلة القدر ولا شك إن شاء الله.
قال رحمه الله تعالى: (ولا يخرج المُعتكِف إلّا لحاجة)
أي لا يجوز للمُعتكِف أن يخرج من المسجد إلّا لحاجة كقضاء حاجته مثلًا، أو الإتيان بطعام أو شراب أو نحو ذلك من الأشياء التي لا بد له منها، أو صلاة الجمعة.
قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله - ﷺ - لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا» (٥).
وفي رواية: «إلا لحاجة الإنسان».
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٨٠١٦)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٩٦٦٩)، والطبراني في «الكبير» (٩٥١٠)، وغيرهم والصحيح فيه الوقف عندي، والله اعلم.
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٠١)، ومسلم (٧٦٠).
(٤) أخرجه البخاري (٢٠٢٠)، ومسلم (١١٦٩).
(٥) أخرجه البخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧).
[ ٢٣٢ ]
والخروج لغير حاجة عمدًا يُبطل الاعتكاف لأن الخروج يُفوِّتُ المُكْثَ، والمكث في المُعتَكَفِ ركن من أركان الاعتكاف، فالخروج لغير حاجة مبطل للاعتكاف.
وكذلك يُبطله الجماع لقول الله ﵎: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
فالجماع والخروج لغير حاجة كلاهما مبطل للاعتكاف.