الخِيارات: جمع خيار، والخيار اسم مصدر من الاختيار.
والخيار: طلب خير الأمرين، إمضاء البيع أو فسخه.
قال المؤلف): يجبُ على من باعَ ذا عَيبٍ أن يُبيّنهُ؛ وإلا ثبتَ للمشترِي الخِيَار)
هذ النوع الأول من أنواع الخيار التي ذكرها المؤلف ﵀ في هذا الباب، وهو خيار العيب، ويسميه البعض خيار النقيصة، وهو أن يَظهر في المبيع عيب يوجب الرد، فيكون المشتري بالخيار إن رضي فقد أثم البائع وصح البيع، إن رضي المشتري بالسلعة بعد علمه بالعيب الذي فيها صح البيع ولكن البائع آثم إذا كان يعلم بالعيب قبل البيع، وإن لم
[ ٤١٠ ]
يرضها كان له ردها؛ لأن العلم بالعيب كشَف عن عدم الرضا الواقع حال العقد، والبيع إذا لم يكن عن رضا فهو باطل.
وضابط العيب الذي تُرد به السلعة: أن يُنقصَ قيمةَ المبيع.
كأن يبيع شخص سيارة ويقول لك هي بدهان الدار أي أن صبغتها ولونها لم يتغيرعلى نفس حالها من يوم أن صنعت، وهذا يدل على أن السيارة لم تعمل حوادث فهي سليمة، ثم يتبين لك بعد ذلك أنها قد دُهنت بدهان آخر غير دهان الدار، وكان لهذا تأثير في ثمن السيارة فإذا كانت بدهان المصنع مثلًا تساوي عشرة آلاف، وإذا دهنت بعده تساوى ثمانية آلاف، فيقال هذا عيب ترد به السلعة.
فإذا شاء بعد أن يكتشف صاحب السيارة الجديد الذي اشتراها إذا شاء أن يردها ردها، له الحق في ردها وأخذِ ماله؛ لأن البيع لم يتم عن تراضٍ بهذه الطريقة، وإذا شاء أن يمسكها أمسكها ويكون البائع آثمًا بغشه، فقد غشه فيها، وإذا تعذر الرد أي رد السلعة من قبل المشتري، إذا أراد المشتري أن يرد الساعة ولكن الرد قد تعذر فلا يستطيع أن يردها لأي سبب من الأسباب، تعيَّن على البائع أن يدفع له فارق السعر تعويضًا له على ما فاته.
يعني في مثالنا السابق يلزمه أن يرد له ألفين ..
هذا كله إذا لم يبين البائع للمشتري قبل إتمام البيع العيب الذي في السلعة.
وأما إذا بيّن له ورضي المشتري فلا خيار له لأن الرضا حاصل.
وخيار العيب ثابت سواء علم البائع بالعيب أم لم يعلم لا يختلفون في ذلك، لكنه لا يأثم إلا إذا كان يعلم بالعيب.
والدليل على خيار العيب حديث التّصرية الذي سيأتي إن شاء الله.
أي بيع المصرّاة، وذلك بالتنبيه، ففيه تنبيه على خيار العيب، ومقتضى العقد السلامة من العيب.
قال المؤلف ﵀: (والخَرَاجُ بالضمان)
المقصود بالخراج: الدخل والمنفعة
أي يملك المشتري الغَلَّة التي يحصل عليها من المباع بضمانه لها، أي بسبب الضمان مَلك الغلة. مثاله: اشترى شخص سيارة كبيرة (شاحنة) يعمل عليها، اشتراها وعمل عليها لمدة
[ ٤١١ ]
يومين أو ثلاثة، السيارة هذه تدخل عليه خمسة وعشرين دينارًا يوميًا مثلًا، ثم بعد ثلاثةِ أيّام اكتشف فيها عيبًا، تستحق الرد به، فذهب إلى البائع وقال له: خذ سيارتك أنا لا أريدها وجدت فيها عيب كذا، ولكنه عمل عليها لمدة ثلاثة أيّام، وغلتها في هذه الأيّام الثلاثة خمسة وسبعون دينارًا، هذا المبلغ لصاحب السيارة الأصلي الذي ردت إليه السيارة أم للذي اشتراها ثم ردها؟
هنا يأتي قول النبي ﷺ «الخراج بالضمان» (١).
أي أن المشتري هو الذي يستحق الغلة مقابل أنه ضمن السيارة، فلو قُدِّر أن السيارة قد تلفت عند المشتري يضمنها هو، أي هو يتحمل خسارتها، فمقابل أنه ضمنها إذا حصل لها ضرر فالغلة تكون له، لا تكون للبائع لأن الخراج يعني الغلة، بالضمان أي له بمقابل ضمانه لها. والله أعلم
قال الخطابي ﵀: ومعنى قوله «الخراج بالضمان»: المبيع إذا كان مما له دخل وغلة فإن مالك الرقبة - الذي هو ضامن الأصل- يملك الخراج بضمان الأصل، فإذا ابتاع الرجل أرضًا فأشغلها أو ماشية فنتجها أودابة فركبها أوعبدًا فاستخدمه، ثم وجد به عيبًا؛ فله أن يرد الرقبة ولا شيء عليه فيما انتفع به؛ لأنها لوتلفت ما بين مدة العقد والفسخ لكانت من ضمان المشتري، فوجب أن يكون الخراج من حقه. انتهى (٢)
قال المؤلف ﵀): وللمشتري الردّ بالغررِ- ومنه المُصرّاة - فيرُدُّها وصاعًا من تمر، أو ما يتراضيان عليه)
هذا نوع ثانٍ من أنواع الخيار، وهو خيار الغرر.
للمشتري الردٌ بالغرر؛ لأن المشتري راضي بالمبيع عند العقد، قبل علمه بالغرر، فإذا تبين له الغرر؛ كشف ذلك عن عدم الرضا، الذي هو المناط الشرعي.
ومن بيع الغررالذي يثبت الخيار للمشتري؛ بيع المُصرّاة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٤٢٢٤)، وأبو داود (٣٥٠٨)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي (٤٤٩٠)، وابن ماجه (٢٢٤٣).
(٢) «معالم السنن» للخطابي (٣/ ١٤٧).
[ ٤١٢ ]
صورة ذلك:
أن يوجد عند شخص شاة أو بقرة أو ناقة أو غيرذلك، فيمتنع عن حلبها لمدة أيّام، حتى يمتلئ ضرعها فيكبر، فعندما يأتي المشتري يريد أن يشتري يرى ضرعًا كبيرًا فيه كثير من الحليب فيظن أنها كثيرة اللبن (الحليب)، فينخدع بها فيشتريها، وبعد أن يحلبها يجد أن الحقيقة خلاف ما ظهر له، فمعنى التصرية الامتناع عن حلبها حتى يعظم ضرعها، وهو نوع من الخداع.
لهذا نهى عنه النبي - ﷺ -.
قال - ﷺ -: «لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك» يعنى من اشتراها بعد أن فعلوا بها ذلك «فهو بخير النظرين» أي مخير بين أمرين:
«فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ فإن رضيها أمسكها»
بعد أن تتبين له الحقيقة واتضح الأمر إذا رضي بها أمسكها، هذا الخيار الأول.
«وإن سخطها ردها» إذا لم يرض الشاة أو البقرة ردها، هذا الخيار الثاني.
«وصاعًا من تمر» (١) ويرد معها صاعا من تمر بدل اللبن (الحليب) الذي حلبه منها.
اللبن (الحليب) ليس من حقه، الحليب وُجد وهي في ملك البائع فهو من حق البائع فيرد بدله صاعًا من تمر، هذا الصاع حدده الشارع بالتمر وحدده بالصاع قطعًا للنزاع؛ لأن الحليب ربما يكون كميته قليلة، أو كثيرة، ربما يكون له وصف مختلف عن وصف آخر إلخ
فقطعًا للنزاع حدد الشارع ذلك بصاع من تمر.
وقول المؤلف: أو ما يتراضيان عليه؛ يعني إذا حصل التراضي فيما بينهما على أن يدفع له مبلغًا من المال مثلًا مقابل اللبن يجوز ذلك؛ لأن حق الآدمي مفوَّض إليه، فإذا رضي البائع بغير صاع من تمر ورضي المشتري أن يدفع له غير التمر جاز، كما يجوز له أن يتنازل عن حقه ويسامح فيه أو يأخذ بعضه ويترك بعضه، فكما يجوز هذا جاز ذلك أيضا. والله أعلم
قال المؤلف ﵀: (ويثبتُ الخيارُ لمن خُدِعَ أو باعَ قبلَ وصولِ السّوق)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٥٠)، ومسلم (١٥٢٤).
[ ٤١٣ ]
هذا خيار الخداع.
فمن خُدع فهو بالخيار بين رد السلعة أو إمضاء البيع، إذا قال: لا خلابة.
ودليله حديث ابن عمر: أن رجلًا كان يُخدع في البيوع، فقال له رسول الله ﷺ: «مَن بايعت فقل: لا خِلابة» (١) متفق عليه.
فإذا اشترط المشتري فقال: لا خلابة؛ فيجوز له رد السلعة إذا لم يرتضيها بعد العلم بحقيقة الأمر.
وكذلك الأمر إذا لم يشترط؛ له الخيار، ولكن حصل خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة:
البعض قال: مَن غُبن في البيع لا حق له في الرد، واستدلوا بحديث ابن عمر قالوا: النبي ﷺ لم يبطل العقود الماضية التي حصلت ولا أمر بردها، ولكن علَّمه الاشتراط.
وأما الذين قالوا بأن خيار الغبن ثابت وحق للمغبون، قالوا: إن النبي - ﷺ - في الحديث نهى عن تلقي الركبان (٢) ثم جعل الخيار للركبان إذا نزلوا السوق أن يتمموا العقد أو يردوه؛ لأن الركبان عندما يأتون ويتلقاهم التجار يشترون منهم البضائع بسعر زهيد، فيحصل غَبن خداع في مثل هذا فجعل النبي ﷺ لهم الخيار لهذا.
فاستدل العلماء بهذا على خيار الغبن، وأيضا الخداع كشف عن عدم الرضا المحقق، الذي هو المناط.
وقالوا أيضًا: إذا لم نقل به حصل من ذلك مفاسد وتوسع الناس في غبن بعضهم بعضًا.
وقالوا: النبي - ﷺ - ذكر له الاشتراط للتنبيه على تحريم الخديعة، ووجوب النصح في المعاملة، وكي يعلم المخادع أن لا فائدة له بالخداع لأنه سيرد عليه بضاعته.
فمن غبن في البيع غبنا فاحشا فله الخيار.
واختلف أهل العلم في قدرالغبن الفاحش.
هم فصلوا بين الغبن الكثيروالقليل، لأن الغبن القليل حاصل في التجارات بين الناس.
واختلفوا في ضابط الكثير، فبعضهم جعل الضابط ثلث قيمة السلعة، والصحيح أن هذا القدر لا دليل عليه، والراجح في المسألة أنه يُرجع في ذلك لأهل العُرف، أهل العرف هم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١١٧)، ومسلم (١٥٣٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٧٤)، ومسلم (١٥٢١).
[ ٤١٤ ]
الذين يعرفون هل الغَبن في مثل هذه السلعة كثير أم قليل.
قال المؤلف ﵀: (ولكلٍّ من المُتابيعينِ بيعًا منهيًا عنه الرَّد)
إذا عقد المتبايعان صفقة، وكانت هذه الصفقة من الصفقات المنهي عنها، كعقدٍ ربوي مثلًا، فهذا العقد يعتبر عقدًا باطلًا.
العقد المنهي عنه قسمان: عقدٌ منهي عنه والنهي عنه يقتضي الفساد، الرد فيه واجب؛ لأن العقد الفاسد لا تترتب عليه آثاره، أي يجب إرجاع المال لصاحب المال، والسلعة لصاحب السلعة؛ لأن العقد فاسد إذا كان فاسدًا فهو غير معتبر فلا يقتضي الملكية.
والنوع الثاني من العقد: العقد الذي نهي عنه ولكن النهي عنه لا يقتضي الفساد؛ كبيع المصراة.
إذا كان العقد من هذا النوع لا يقتضي الفساد فللمتبايعين أن يترادّا؛ لأن التراضي حصل بوجود الصفة. والله أعلم
قال المؤلف ﵀: (ومن اشترى شيئًا لم يرَه؛ فله ردّه إذا رآه)
من اشترى شيئًا على الوصف، وُصف له ولكنه لم يره، ثم بعد ذلك رأى الشيء، يقول المؤلف: فله رده إذا رآه وكان على غير الصفة التي وصفت له؛ لأن التراضي وقع على وصفٍ معيَّن ولم يجده كما أراد.
قال المؤلف ﵀: (وله ردّ ما اشتراه بخيار)
وذلك كأن يشتري شيئًا على أن له فيه الخيار مدة معلومة.
هذا يسمى خيار الشرط، أي أبيعك البضاعة لمدة أسبوع أو عشرة أيام، إن أعجبتك أخذتها وإن لم تعجبك رددتها.
[ ٤١٥ ]
هذا داخل عند البعض في قول النبي ﷺ: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار» (١)، عند بعض أهل العلم تدخل هذه الصورة في قوله «إلا بيع الخيار».
قال المؤلف ﵀: (وإذا اختلف البيِّعان؛ فالقول ما يقوله البائع)
إذا اختلف البيِّعان: يعني البائع والمشتري، فالقول ما يقوله البائع؛ لحديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اختلف البيِّعان وليس بينهما بيِّنة؛ فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان» (٢).
معنى ذلك: إذا حصل خلاف بين البائع والمشتري ولا يوجد بيِّنة - أي دليل لأحدهما -؛ فالقول فيه قول البائع أو يُرجع كلُّ واحد منهما ما لصاحبه.
ويوجد ضوابط أخرى موقوفة على صحة الروايات كرواية المبيع يكون مستهلكا أو قائما.
قال الترمذي ﵀ بعد أن ذكر أن الحديث مرسل، أي منقطع، قال: قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: إذا اختلف البيعان ولم تكن بينة؟ قال: القول ما قال رب السلعة، أو يترادان.
قال إسحاق: كما قال، وكل من كان القول قوله؛ فعليه اليمين.
قال أبو عيسى - الترمذي يعني نفسَه-: وقد روي نحو هذا عن بعض أهل العلم من التابعين، منهم شريح.