زكاة النباتات تشمل الزروع والثمار
ونعني بالزروع: الحب، كالقمح والشعير وغيرها مما يزرع ثم يحصد.
ونعني بالثمار: ما أنبتته الأشجار كالتمر والزبيب وما شابه.
_________________
(١) يحسب النصاب حسب سعر غرام الذهب في ذلك الوقت.
(٢) أخرجه البخاري (١٤٦٣)، ومسلم (٩٨٢) عن أبي هريرة - ﵁ -
[ ١٨٧ ]
وأصل وجوب الزكاة في النبات قول الله ﵎ ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيّبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧].
تدل هذه الآية على وجوب الإنفاق مما أخرج الله لنا من خيرات الأرض.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وآتوا حقّه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١].
وقال - ﷺ -: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثريًّا العشر، وفيما سُقيَ بالنّضح نصف العشر» (١).
فيدل ذلك على وجوب الزكاة فيما سقت السماء، وفيما سُقي بالنضح من الزروع.
والمراد بـ «العَثري» الذي يشرب بعروقه من غير سقي أو بواسطة المطر أو عن طريق السيول والأنهار، والمهم أن لا تكلفة في سقيه.
والمراد بـ «النّضح» يعني الإبل التي يُحمل عليها الماء لسقي الزرع، والمراد به الزرع الذي في سقيه تكلفة، وتستعمل فيه الآلات.
قال - ﵀ -: (يجبُ العُشرُ في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب)
قال ابن المنذر وابن عبد البر: «وأجمع العلماء على أن الصدقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب» (٢).
والحنطة، هي القمح.
وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما عن موسى بن طلحة قال: «عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي - ﷺ - أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة والشعير والتمر والزبيب» (٣) قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل.
وعلى ما ذكر البيهقي، فإن ثلاثة شروط من شروط الصحة قد تحققت، فبقي عدم الشذوذ وعدم العلة، والظاهر أن الحديث صحيح إن شاء الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٨٣) عن ابن عمر - ﵁ -.
(٢) «الإجماع» لابن المنذر (ص ٤٥)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٢٠/ ١٤٨).
(٣) أخرجه أحمد (٢١٩٨٩)، والحاكم في «المستدرك» (١٤٥٧)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (٧٤٧٤) عن موسى بن طلحة.
[ ١٨٨ ]
والعُشْر واجب فيما سقي بدون آلة - والعشر قسيم النصف والربع والثلث وغيرها من تقسيمات الواحد الصحيح -، وأما ما سقي بالآلة أو بماء مشترى، ففيه نصف العشر، فالواجب في هذا أقل من الذي سقي بماء الأمطار، لأن في سقي الزرع بالآلة تكلفة، فيجب في مثل هذا نصف العشر، أي نصف القيمة الواجبة على من سقى زرعه من غير آلة، وهذا للحديث المتقدم.
والحكم للغالب، فإن كان السقي تارة بآلة وتارة بدونها، فإن تساوت، ففيه ثلاثة أرباع العشر.
قال - ﵀ -: (ونصابها خمسَة أوسُق)
لقوله - ﷺ -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (١).
أي ليس في أقل من خمسة أوسق زكاة.
والأوسُق: جمع وَسْق، والوسق حمل البعير
وقدره ستون صاعًا بالاتفاق، والصاع أربعة أمداد (أي أربع حفنات).
(٦٠) صاعًا × (٥) أوسق = ٣٠٠ صاع وهي تساوي تقريبًا (٦١٢) كيلو من البر الجيد.
هذا هو نصاب الحبوب والثمار.
قال المؤلف - ﵀ -: (ولا شيء فيما عدا ذلك، كالخضروات وغيرها)
يحصر المؤلف - ﵀ - زكاة النباتات في الأجناس الخمسة (الذرة والقمح والشعير والتمر والزبيب).
وقد اعتمد المؤلف - ﵀ - على رواية زائدة على الحديث الذي تقدم، «أن معاذًا إنما اخذ الصدقة من الحنطة والشعير والتمر والزبيب» وذكر فيها الذرة، ولكنها رواية منكرة لا تصح، والصواب عدم ذكرها (٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٨١٥) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأخرجه البيهقي في «معرفة السنن» (٦/ ١٢٥)، وقد حرر القول فيها وبين نكارتها بيانًا علميًا متينًا الشيخ الألباني - ﵀ - في «تمام المنة» (ص ٣٦٩).
[ ١٨٩ ]
وهذه الأصناف الأربعة - غير الذرة - هي التي حصل الإجماع عليها وورد فيها النص.
لكن المصنف وبناء على تصحيحه للرواية التي فيها زيادة ذكر الذرة، حصر الزكاة في خمس.
وبحصر الزكاة في هذه الأصناف الأربعة قال جمع من العلماء، منهم: ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، والحسن البصري، والثوري، والشعبي وغيرهم، قالوا: إن الزكاة في النباتات لا تجب إلا في هذه الأصناف الأربعة، وهو الصحيح، وبه نأخذ، لأن حديث معاذ المتقدم يدل على ذلك فإنه لما ذهب إلى اليمن، لم يأخذ الزكاة إلا من هذه الأربع، فتخصّص عموم الأدلة به.
وقاس بعض العلماء على هذه الأربعة غيرها، فقال: كل ما يقتات ويدّخر ففيه زكاة.
وفي هذه المسألة خلاف كبير بين العلماء، فمنهم من جعل الزكاة في الأصناف الأربعة بناء على حديث معاذ، والبعض صحح الحديث وزاد الذرة، والبعض الآخر قاس عليها غيرها وجعلوا فيه زكاة، ولكنهم اختلفوا في العلة.
والمذاهب في هذه المسألة كثيرة فمذهب أبي حنيفة يختلف عن مذهب مالك ومذهب مالك يختلف عن مذهب الشافعي، ومذهب الشافعي يختلف عن مذهب أحمد وهكذا.
أما بالنسبة للزيتون، فقد اختلفوا فيه، فالشافعي في أحد قوليه قال: لا زكاة فيه، لأنه ليس قوتًا، أما مالك، فقال: فيه زكاة، لأنه قوت.
فكلاهما قال: ما يقتات فيه زكاة، لكنهم اختلفوا، هل الزيتون قوت أم لا؟
والصحيح أنه ليس قوتًا، لأنه لا يُكتفى به في إقامة الجسم، وإنما هو إدام، وبناء عليه، فلا زكاة فيه، حتى مع التعليل الذي ذكروه.
ولا ينظر إلى الحول في زكاة النباتات، وإنما تجب الزكاة في الزروع إذا اشتد الحبّ، أي قوي وصار شديدًا لا ينضغط بضغطه، ويجب في الثمار إذا بدا صلاحها، ويعرف ذلك باحمرار البلح، وجريان الحلاوة في العنب.
فإذا تحقق ذلك انعقد سبب وجوب الزكاة، فتجب، ولا يجب عليه أن يخرجها في الحال على تلك الحال.
[ ١٩٠ ]
قال المؤلف - ﵀ -: (ويجب في العسل العُشْرُ)
ورد في ذلك أحاديث ضعيفة لا تثبت ولا يُبنى عليها حكم شرعي، والصحيح أنه لا شيء في العسل، لعدم وجود الدليل الصحيح.
قال المؤلف - ﵀ -: (ويجوز تعجيل الزكاة)
يجوّز بعض أهل العلم تعجيل الزكاة بمعنى أن تخرج مال الزكاة قبل إتمام الحول.
ويستدلّون على جواز ذلك بحديث علي: «أن العباس سأل النبي - ﷺ - في تعجيل صدقته قبل أن تَحُلّ، فرخّص له في ذلك» أخرجه أحمد وأبو داود (١)، ورجّح أبو داود والدارقطني وغيرهما المرسل، وقال ابن المنذر: «لا يثبت».
وفي حديث آخر: «أن النبي - ﷺ - أخذ من العباس صدقة عامين» وهو ضعيف أيضًا (٢).
فلا يثبت في ذلك شيء، فلا يجوز إخراجها قبل وقت وجوبها كبقية العبادات المؤقتة. والله أعلم.
قال المؤلف - ﵀ -: (وعلى الإمامِ أن يَرُدّ صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم)
لحديث معاذ، قال له النبي - ﷺ - عندما أرسله إلى أهل اليمن: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتردّ على فقرائهم» (٣).
اتفق العلماء على جواز نقل الزكاة إلى مَن يستحقها من بلد إلى آخر، إذا استغنى أهل بلد المزكّي عنها.
فلنقل مثلًا إننا في عمان قد أخرج أغنياء البلد زكاة أموالهم، فاستغنى فقراء البلد عن الزكاة وفاض، فعندئذ تُخْرَجُ إلى مكان آخر، وجواز هذا مُجْمَع عليه.
وأما إذا لم يستغن أهل بلد المزكي، فهل يجوز نقلها إلى بلد آخر أم لا؟ حصل في هذا الأمر خلاف.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٨٢٢)، وأبو داود (١٦٢٤)، والترمذي (٦٧٨) عن علي - ﵁ -.
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٩٩٨٥)، وفي «الأوسط» (١٠٠)، والبزار في «مسنده» (١٤٨٢) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -. انظر علته في البدر المنير (٥/ ٥٠٠).
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١٩١ ]
فحديث معاذ المتقدم يدلّ على أن الزكاة تصرف في أهل بلد المزكي، لكن هل هو على الوجوب؟
اختلف أهل العلم في ذلك، فقال بعضهم: «يكره تنزيهًا نقل الزكاة من بلد إلى آخر إلا أن ينقلها إلى قرابته المحاويج ليسد حاجتهم أو إلى قوم هم أحوج إليها من قومه أو إلى طالب علم شرعي، فلا يكره».
وذلك لأن مصرف الزكاة محدد في كتاب الله بالفقراء والمساكين ومن ذكر معهم، والكل من أهلها، فيجوز صرفها لهؤلاء وهؤلاء، وهذا القول أصح الأقوال عندي.
وقال البعض: لا يجوز نقلها حتى يستغني أهل البلد، والصواب الأول والله أعلم.
والعبرة بمكان المال، فإذا كان الشخص في بلد وماله في بلد آخر، فما المعتبر في بلده، البلد التي فيها المال أم التي فيها الشخص؟
الجواب: أنها تصرف في البلد الذي فيه المال لأن الواجب معلق بالمال لا بالشخص، فأينما وجد المال وجب إخراجه في تلك البلد.
قال المؤلف: (ويَبْرَأُ ربُّ المال بدفعها إلى السلطان، وإن كان جائرًا)
إذا طلب السلطان زكاة المال، فدفع صاحب المال الذي وجبت عليه الزكاة زكاته للإمام، وكان الإمام جائرًا، أي من الجور الذي هو الظلم - وهو عدم وضع الأشياء مواضعها - فإن دفعها للإمام الجائر، برئت ذمته، وسقط الوجوب عنه، وأدّى ما عليه، ولا يلزمه دفعها مرة ثانية.
وذلك لقوله - ﷺ - في حديث ابن مسعود: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها» قالوا: يا رسول الله! فما تأمُرُنا؟ قال: «تؤدّون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» (١).
ولم يقل خذوا الذي لكم بالسلاح، أو اخرجوا على الحاكم، أو أضربوا، ولا غير ذلك من مسيرات وغيرها، ولكن قال: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض» (٢)، وفي رواية: «وتسألون الله الذي لكم».
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٠٣)، ومسلم (١٨٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٩٢)، ومسلم (١٨٤٥).
[ ١٩٢ ]
هذه هي الحلول النبوية.
وأخرج مسلم في «صحيحه» من حديث وائل بن حجر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - ورجل يسأله، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقّنا، ويسألونا حقّهم؟ ! قال: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حمّلتم» (١)، وهذا أمر من الله ﷾ بالصبر، وعدم جواز الخروج على الحاكم بأي نوع من أنواع الخروج، سواء بالكلمة أو بالإضراب أو بغيرها، والسبب المفاسد التي ستترتب على ذلك، من سفك الدماء وانتهاك الأعراض وذهاب الأموال وغيرها من المفاسد العظيمة، وهي تضعف شوكة المسلمين حتى يكونوا لقمة سائغة في أفواه الأعداء.
ولكن من يكون بعيدًا عن السياسة والأمور العسكرية وما شابه، لا يدرك أبعاد المخاطر التي يعيش فيها، فتجدهم يتلاعب بهم شخص أو اثنان من أصحاب الأهواء أو من أصحاب المصالح الخاصة، وحقيقة الأمر أن من وراء هذا مكيدة لا يدرون عنها.
ولكن سبحان الله! العامة أتباع كل ناعق وزاعق، وخصوصًا إذا نعق بما يوافق أهواءهم فينبغي أن يكون الشخص فطينًا فهيمًا لما يفعل، فلا يضيع نفسه وأهله ومن حوله في لحظة تهوّر.
وهذا يدل على أن كل مسلم سيحاسب على ما أوجب الله عليه، فعليه أن يؤدي ما وجب عليه ولا دخل له بالحاكم، فإنه مسؤول أمام الله عما استرعاه.
ولكن يعطي الزكاة للحاكم إن طلبها الحاكم، وأما إذا لم يطلبها فيصرفها بنفسه إلى من يستحقُّها.