أما الشرط، فلغة: العلامة.
واصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود.
كالوضوء للصلاة، فإنه لا يلزم من وضوئك أن تصلي، ويلزم من عدم الوضوء بطلان الصلاة.
والفرق بينه وبين الركن، أن الركن جزء من حقيقة الشيء فهو داخل في الشيء، بخلاف الشرط، فإنه ليس جزءًا من الشيء، ولكن كلاهما إذا لم يوجد لا يوجد الشيء.
فعلى ذلك، فإن ما سيذكره المؤلف، هي شروط للصلاة بمعنى أنه يجب أن تتحقق عند الصلاة وإلا تسببت ببطلان الصلاة.
قال ﵀: (ويجبُ على المصلّي تطهيرُ ثوبهِ وبدنهِ ومكانهِ من النجاسةِ)
يجب على المصلي تطهير ثلاثة أشياء من النجاسات قبل الدخول في الصلاة:
١. ثوبه الذي سيصلي فيه.
٢. بدنه أي جسده.
٣. المكان الذي سيصلي فيه.
فأما وجوب طهارة الثوب، فلقول الله ﵎ ﴿وثيابك فطهر﴾ على أحد التفاسير لهذه الآية.
وكذلك حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد وأبي داود أن النبي - ﷺ - صلى في نعليه ثم خلعهما وهو في الصلاة، وقال: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا - أو قال: أذى - وقال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن كان في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» (١).
وكذلك أمر النبي - ﷺ - الحائض التي أصاب ثوبها دم الحيض بغسله (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١١١٥٣)، وأبو داود (٦٥٠) وغيرهما عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١) عن أسماء بنت أبي بكر ﵄.
[ ٧٤ ]
وأما البدن فلما ورد من أدلة تدل على وجوب التنظف من النجاسات، كحديث الذي يعذب في قبره، لأنه لا يستنزه من البول، وأحاديث الأمر بالاستنجاء والاستجمار، وغيرها من الأحاديث، وتنظيفه أولى من تنظيف الثوب.
وأما وجوب نظافة المكان، فلأمر النبي - ﷺ - بسكب الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد (١).
ولكن، لا يخفى أن هذه الأدلة تدل على وجوب التطهر من النجاسات للصلاة، وأما الشرطية فأمر زائد على الوجوب لا يثبت بمجرد الأمر.
والفرق بينهما، أننا إذا قلنا بالوجوب وليس بالشرطية فنقول من صلى في النجاسة فصلاته صحيحة ولكنه آثم مع علمه بها.
وأما إذا قلنا بالشرطية فتكون صلاته باطلة.
والشيء إذا كان شرطًا دل على الوجوب وزيادة، وما دل على الوجوب فلا يدل على الشرطية.
وتثبت الشرطية، بدليل يدل على أن المشروط يعدم بعدمه، كمثل نفي القبول في قوله - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢).
أو بنفي ذات العبادة مثل قوله «لا صلاة بغير طهور» (٣)، وقولنا مثلًا: لا صلاة لمن صلى في مكان متنجس، فإن فيه نفيًا للصلاة.
أو بنهي خاص بالصلاة.
أو إجماع على الشرطية.
ولا يوجد شيء من ذلك في هذا الباب يدل على شرطية طهارة الثوب أو البدن أو المكان في الصلاة، بل حديث أبي سعيد المتقدم يدل على صحة صلاة من صلى في نعل متنجّس وهذا يدل على عدم الشرطية، ولو كان شرطًا لما أثر عدم علمه بالحكم، والمالكية على ما ذكرنا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٩)، ومسلم (٢٨٥) عن أنس - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم (٢٢٥) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه مسلم (٥٢٤) عن ابن عمر - ﵁ -.
[ ٧٥ ]
قال المؤلف - ﵀ -: (وسَتْرُ عَوْرَتِهِ)
العورة لغة، مأخوذة من العور وهو النقص والعيب، وسميت بذلك، لقبح ظهورها ولِغَضِّ الأبصار عنها.
وشرعًا، ما يطلب ستره.
وأما حدّها، فاتفق العلماء على أن الفرج - وهو القُبُل - والدبر عورة.
قاله ابن حزم في «مراتب الإجماع».
واختلفوا فيما بين السرّة والركبة للرجل هل هي عورة أم لا؟
فالذين قالوا ما بين السرّة والركبة عورة، احتجوا بحديث ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش وغيرهم (١)، أن النبي - ﷺ - قال: «الفخذ عورة»، وفي رواية: «ما بين السرّة والركبة عورة».
فأما حديث «ما بين السرّة والركبة عورة»، فضعيف لا يصحّ (٢).
وأما بقية الأحاديث التي فيها ذكر الفخذ، فصحيحة بالجملة.
فعلى ذلك، فالسرّة والركبة ليستا عورة على الصحيح، فيبقى الفخذ.
حديث جرهد يدل على أن الفخذين عورة، خالفه حديث أنس المتفق عليه أن النبي - ﷺ - كان راكبًا وكذا أنس وأبو طلحة، فحسر النبي - ﷺ - عن فخذه، قال أنس: حتى أني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله - ﷺ - (٣).
قال البخاري: «حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط» ليخرج من اختلافهم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٧٩٦)، والبيهقي (٣٢٣١) عن ابن عباس، وأخرجه أحمد في «مسنده» (٢٩٩) عن محمد بن جحش، وأخرجه الترمذي (٢٧٩٧) عن جرهد الأسلمي. وهي عند البخاري عنهم جميعًا معلقة.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٦) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٦٨)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٧٧٦١) عن عبد الله بن جعفر، وأخرجه الحارث بن أبي أسامة (البغية ١٤٣) عن أبي سعيد الخدري. لمعرفة علة الأحاديث انظر البدر المنير (٤/ ١٥٨).
(٣) أخرجه البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥) عن أنس - ﵁ - في حديث طويل.
[ ٧٦ ]
وروت عائشة وغيرها في «الصحيح» وغيره أن النبي - ﷺ - كان جالسًا وهو كاشف عن فخذه فدخل أبو بكر وعمر وهو كذلك، فلما دخل عثمان جلس وسوّى ثيابه فغطى فخذه وقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» (١).
وشك في رواية الفخذ أم الساق، وفي غيرهما الجزم بالفخذ.
فاختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث، وأرجح الأقوال عندي، الذي فيه العمل بجميع الأدلة، أن يقال: إن العورة منها ما هو مغلظ يحرم كشفه وهما السوءتان، ومنها ما هو مخفف يكره كشفه وهما الفخذان، والله أعلم.
وأما عورة المرأة فجميع بدنها ما عدا الوجه والكفين.
وهذا قول مالك والشافعي ورواية عن أحمد والأوزاعي وأبو ثور وهو قول جمهور العلماء.
وزاد بعض أهل العلم القدمين أيضًا، فقالوا ليستا بعورة.
وفي رواية عند أحمد، أن المرأة كلها عورة.
وسبب هذا الاختلاف، فهم معنى قوله ﵎ ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ فقوله هنا ﴿إلا ما ظهر منها﴾، هل المقصود به الثياب الظاهرة كما قال ابن مسعود، فيكون المقصود ما لا يملك ظهوره، أم الوجه والكفين كما قال ابن عباس، فيكون المقصود أعضاء محدودة؟
وقول الجمهور هو الصواب، والدليل عليه أن بعض النساء كن يكشفن وجوههن في عهد النبي - ﷺ - ولم ينكر عليهن.
من ذلك حديث الخثعمية في الحج، عن عبد الله بن عباس أنه قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله - ﷺ - فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله - ﷺ - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبى شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال: «نعم». وذلك في حجة الوداع (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٤٠١).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٣٥).
[ ٧٧ ]
وقد كان هذا بعد نزول الحجاب، والمرأة منهية عن لبس القفازين والنقاب في الحج.
ومنها حديث جابر في صلاة العيد، قال شهدت مع رسول الله - ﷺ - الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: «تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم»، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: «لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير» قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطهن وخواتمهن (١).
والحاجة تدعو إلى كشف الوجه والكفين لتسهيل البيع والشراء والأخذ والإعطاء.
والدليل على أن القدمين عورة، قول النبي - ﷺ -: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» قالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال «يرخين شبرًا»، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، قال: «فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه».
رواه ابن عمر وأم سلمة (٢).
ثم بعد ذلك، هل ستر العورة التي قررناها آنفًا واجب أم شرط؟
اختلف أهل العلم في ذلك، والراجح أنه واجب وليس شرطًا.
ودليل الوجوب قول الله ﵎ ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾.
قال غير واحد من السلف: هو ستر العورة، وسبب نزول الآية يدل على ذلك.
ودليل عدم الشرطية:
حديث عمرو بن سلمة أنه أمَّ بقومه وهو صغير، فإنه كان أقرأهم لكتاب الله وعليه بردة صغيرة إذا سجد تكشفت عورته، حتى قالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم فاشتروا له قميصًا (٣).
فهذا قد تكشَّفَت عورته في الصلاة ولم يأت عن النبي - ﷺ - أنه أمرهم بإعادة الصلاة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٥٨)، ومسلم (٨٨٥) عن جابر - ﵁ -، واللفظ لمسلم.
(٢) أخرجه الترمذي (١٧٣١)، والنسائي (٥٣٣٦).
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٠٢).
[ ٧٨ ]
وكذلك كان حال بعض الصحابة في عهد النبي - ﷺ -، فدلّ ذلك على عدم الشرطية، وإن كان واجبًا.
قال المؤلف - ﵀ -: (ولا يَشْتَمِلُ الصَّمَّاءَ، ولا يَسْدِلُ، ولا يُسْبِلُ، ولا يَكْفِتُ ولا يُصَلي في ثَوْبِ حريرٍ، ولا ثوبِ شُهْرَةٍ، ولا مَغْصُوبٍ)
في هذه الفقرة عدة مسائل:
- جاء في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن اشتمال الصماء (١)، وهي أن يأخذ الثوب ويلف نفسه به ولا يخرج يديه منه، فإذا تحرك أو أراد أخذ شيء ظهرت عورته، وسميت صماء لأنها لا منفذ لها، فإذا لف نفسه بالثوب من غير ربط ربما تظهر عورته، فلا يجوز التلفف بالثوب الواحد على وجه يخشى منه ظهور العورة.
- وأما السدل، فلما جاء عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - نهى عن السدل في الصلاة. وهو حديث ضعيف (٢)
والسدل هو أن يرسل الثوب حتى يصيب الأرض، فعلى هذا التفسير يدخل في النهي عن الإسبال الآتي.
وقال بعضهم، هو أن يرسل طرفي الثوب ولا يضمهما، فينكشف بطنه وتنكشف عورته، فعلى ذلك يكون النهي لستر العورة.
- وأما الإسبال، فهو أن يرخي إزاره أو ثوبه حتى يجاوز الكعبين، وقد صح النهي عنه في الصلاة وغيرها، ومنها قوله ﵇: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار» (٣).
- وأما كفت الثوب والشعر في الصلاة، فقد صحّ النهي عنه في «الصحيحين» عن ابن عباس، قال: قال النبي - ﷺ -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة - وأشار بيده على أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين - ولا نكفت الثياب والشعر» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٧)، ومسلم (٢٠٩٩) عن جابر - ﵁ -.
(٢) أخرجه أبو داود (٦٤٣)، والترمذي (٣٧٨) وغيرهما. انظر علته في نصب الراية للزيلعي (٢/ ٩٦)، والأحكام الوسطى للإشبيلي (١/ ٣١٧).
(٣) أخرجه البخاري (٥٧٨٧) عن أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠) عن ابن عباس - ﵁ -.
[ ٧٩ ]
وكفت الثوب، هو أن يأخذ طرف الثوب ويرفعه إلى الأعلى، أو يقلبه قلبًا أو يشمِّر أكمامه.
وأما كفت الشعر فأن يأخذ خصلة مرخية منه فيربطها بخيط في الأعلى أو نحو ذلك.
- ولا يجوز للرجل أن يصلي في ثوب الحرير، لأنه منهي عن لبس الحرير.
- ولا يجوز لبس ثوب الشهرة لقوله - ﷺ -: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلّة يوم القيامة» (١).
وهو حديث ضعيف سيأتي بيانه في كتاب اللباس، وعلى ذلك فيجوز لبسه.
وثوب الشهرة هو الثوب يشتهر بين الناس إما للونه أو لصفته أو لغير ذلك.
- وكذلك لا يجوز للمصلي أن يصلي في ثوب مغصوب، لأن الثوب المغصوب ليس ملكًا لغاصبه، بل هو ملك لغيره فلا يجوز له استعمال مال الغير إلا بإذنهم.
والغصب هو أخذ مال الغير قهرًا أو عدوانًا بغير وجه حق.
ولكن كل ما ذكره المؤلف هنا لا يعتبر من شروط الصلاة، لأن منها ما يتعلق بستر العورة، وهذا حكمه أنه يتبع حكم ستر العورة، كالنهي عن اشتمال الصماء والسدل في أحد تفاسيرهما.
ومنها ما لا يختص بالصلاة، وهذا لا يبطلها إذا فعل كلبس الحرير والإسبال والغصب.
ومنها ما يختص بالصلاة كالكفت، ولكن أجمع العلماء على أن المرء إذا صلى كذلك فلا إعادة عليه، قد نقل هذا الإجماع الإمام الطبري.
ونقل عن الحسن البصري أن عليه الإعادة (٢).
وصحّ عن ابن مسعود أنه رأى رجلًا يصلي وهو عاقص شعره فلم يأمره بإعادة الصلاة ونهاه عن ذلك (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٢٩)، وابن ماجه (٣٦٠٦) عن أبي ذر - ﵁ -.
(٢) انظر «شرح صحيح مسلم» للنووي (٤/ ٢٠٩).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٨٠٤٦)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (٢٩٩٦)، وابن المنذر في «الأوسط» (١٤٦٥) وغيرهم.
[ ٨٠ ]
قال المؤلف - ﵀ -: (وعليه استقبالُ عينِ الكعبةِ - إن كانَ مُشاهِدًا لها أو في حُكْمِ المشاهدِ - وغيرُ المشاهدِ يستقبلُ الجهةَ بعدَ التحرّي)
اتفق العلماء على أن التوجه نحو البيت شرط من شروط صحّة الصلاة.
فإذا كان المصلي يرى البيت فالفرض عليه التوجه إلى عين البيت لا خلاف بينهم في ذلك، وأما إذا كان لا يرى الكعبة، فالواجب عليه أن يتحرّى جهتها ويتوجّه إليها فقط.
والدليل على أن الواجب التوجه إلى الجهة عند عدم رؤية الكعبة قول النبي - ﷺ -: «ما بين المغرب والمشرق قبلة» (١).
وفي إلزام الناس التوجه إلى عين الكعبة حرج لا يخفى، والله يقول: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾.
فحقيقة شروط الصلاة:
١. الإسلام.
٢. العقل.
٣. التمييز.
٤. دخول الوقت.
٥. استقبال القبلة.
٦. الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر.
٧. النية.