أي الصدقة التي تجب بالفطر من رمضان.
وهي واجبة على كل مسلم صغير وكبير، ذكر وأنثى، حر وعبد.
وأصل وجوبها قول ابن عمر - ﵁ -: «فرض رسول الله - ﷺ - صدقة الفطر من رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين» (٢).
وقوله: «فرض رسول الله - ﷺ -» يدل على أنها فريضة واجبة على كل من ذُكِرَ في الحديث.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣) عن عبد الله بن عمر - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤).
[ ١٩٩ ]
والحكمة من صدقة الفطر، أنها طعمة للمساكين، وطهرة للصائم من اللغو والرفث.
واللغو: هو ما لا فائدة منه من القول والفعل.
والرفث: الكلام الفاحش.
قال ابن عباس - ﵁ -: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» (١).
قال الدارقطني في رجاله: «ليس فيهم مجروح» (٢) ولا يلزم من هذا تصحيح الحديث أو توثيق رواته، فقد يكون فيهم المجهول وإن لم يكن مجروحًا.
ولكن هذا الحديث حسن الإسناد.
قال المؤلف - ﵀ -: (هي صاع من القوت المعتاد عن كل فردٍ)
هذا هو القدر الواجب في صدقة الفطر، وهو صاع من قوت أهل البلد.
و(الصاع) مكيال يَسَع أربعة أمداد، والمدّ حفنة بكَفَّي الرجل المعتدل الكفين، فلا تكون كفاه كبيرتين ولا صغيرتين بل وسطًا، ولا يضم كفيه كثيرًا ولا يبسطهما كثيرًا بل يكونان متوسطتين في المد والضم.
و(القوت) هو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام، كالقمح والشعير والأرز والعدس والذرة ونحو ذلك.
وقوله (المعتاد) أي الذي اعتاد أهل البلد أن يكون هو قوتهم، كالأرز عندنا، فإنه قوت بلادنا اليوم، ودليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري، قال: «كنا نخرجها في عهد رسول الله - ﷺ - صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذٍ التمر والزبيب والشعير» (٣).
فيدل هذا الحديث على أنها تُخْرَج من غالب قوت أهل البلد، وهو في بلدنا هذا الأرز.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (٧٨٢٧).
(٢) في «سننه» (٢٠٦٧).
(٣) أخرجه البخاري (١٥١٠)، ومسلم (١٥٩٢).
[ ٢٠٠ ]
ولا يجوز أخراج القيمة، لأن النبي - ﷺ - عيّن الطعام، فلا عدول عنه إلى غيره إلا بدليل صحيح، وهذا قول جمهور علماء الإسلام.
وقد انتشر اليوم القول الآخر، وهو جواز إخراج القيمة، وهو قول أبي حنيفة، لضعف تعظيم السنة والحديث عند كثير من المفتين في هذا الزمن، فأخذوا يفتون بآرائهم، وصار عندهم المعتمد هو ما ترجِّحُه عقولهم لا ما يرجّحه الدليل من الكتاب والسنة.
إنما يفعلون هذا بدعوى أنها مصلحة الفقير.
ويرد عليهم، بأن المعتبر في زكاة الفطر هي مصلحة الفقير في الإشباع فقط، وليست مصلحة الفقير مطلقًا، وجاء هذا في قوله - ﷺ -: «وطعمة للمساكين» (١) فيدل هذا على أن المراد من صدقة الفطر، هو عدم حاجته للطعام، وهذه المصلحة تتحقق بإخراج القوت.
أما مصلحة الفقير العامة، فهي متحققة بإخراج زكاة المال وغيرها من الصدقات، وفي وجوب النفقات على من تجب عليهم، فلا داعي للتوسّع الذي لا معنى له، ومصلحته متحققة في إخراج صدقة الفطر طعامًا وإخراجها هكذا يغنيه عن طلب الطعام في ذلك اليوم.
وهذا هو قول أئمة الإسلام وأهل الحديث، وإنما خالف في هذا أهل الرأي.
وقوله (عن كل فرد) أي صاعًا عن كل واحد ممن تجب عليه نفقته.
أي إذا كان رب العائلة ينفق على خمسة أولاد، فيجب عليه أن يخرج صدقة الفطر عن نفسه وعن هؤلاء الخمسة.
قال - ﵀ -: (والوجوب على سيد العبد، ومِنْفِقِ الصغير ونحوه)
قوله (والوجوب على سيد العبد) أي أن وجوب صدقة الفطر على سيد العبد، لأن العبد - كما قدّمنا - لا يملك، والذي يجب أن ينفق عليه هو سيده.
قوله (ومنفق الصغير) أي تجب صدقة الفطر على من ينفق على الصغير، إذا لم يكن له مال، فتجب صدقة الفطر على من وجبت عليه النفقة.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢٠١ ]
وقوله (ونحوه) كالزوجة، لأن نفقتها على الزوج فتجب على زوجها، هذا إذا لم يكن للزوجة مال خاص، فإن كان لها مال فصدقة الفطر عليها.
قال: (ويكون إخراجها قبل صلاة العيد)
بدأ المؤلف - ﵀ - بوقت إخراج صدقة الفطر.
الأصل في وقت إخراجها أنه من غروب شمس ليلة الفطر، لأنه وقت الفطر من رمضان إلى صلاة العيد، لحديث ابن عباس المتقدم معنا: «فمن أدّاها قبل الصلاة» أي صلاة العيد «فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات»، أي ليست صدقة الفطر وإنما صدقة مطلقة.
وقال البعض: وقت وجوبها من طلوع الفجر، ولكن الأول أقوى عندي والله أعلم.
مسألة: هل يجوز تعجيل صدقة الفطر قبل وقتها.
اختلف العلماء في ذلك، فجمهور العلماء على جواز تعجيلها قبل العيد بيوم أو يومين، لأن ابن عمر كان يؤدّيها قبل ذلك بيوم أو يومين (١).
وهذا هو السبب الذي جعلهم يجيزون إخراجها قبل وقتها.
ثم إنه في كثير من الأحيان لا يكفي الوقت لمن أراد إخراجها في وقتها المعيّن.
وإذا أخّرها عن وقت صلاة العيد، فهي صدقة من الصدقات ولا تكون صدقة فطر.
قال - ﵀ -: (ومن لا يجدُ زيادةً على قوتِ يومِهِ وليلتِهِ فلا فطرةَ عليه)
على من تجب زكاة الفطر؟
هي واجبة على كل من وجد قوت يومه وليلته من يوم العيد.
فمن زادت نفقته أو طعامه الذي عنده عن قوت يومه وليلته، فقد وجبت عليه الزكاة، فهذا هو الضابط، أن تزيد عن طعامه ونفقته، وإذا لم تزد عليه ولم يملك إلا قوت يومه وليلته أوأقل من ذلك من يوم العيد، فلا صدقة فطر عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥١١) عن ابن عمر - ﵁ -.
[ ٢٠٢ ]
لأن المراد من صدقة الفطر إغناء الفقراء عن طلب القوت في يوم العيد، فلا يصحّ أن نقول لمن لا يملك إلا قوته وقوت من يعول أخرج ما عندك، فهذا معارض للحكمة التي لأجلها فرضت هذه الزكاة.
قال المؤلف - ﵀ -: (ومصرفها، مصرف الزكاة)
أراد بذلك أنها تعطى لمن تعطى لهم زكاة المال.
ولا يظهر لي ذلك، لعدم ورود ما يدلّ على ذلك، ومجرّد تسميتها زكاة لا يفيد ذلك، فلها أحكام تخصّها، وقول النبي - ﷺ -: «طعمة للمساكين» يدل على أن مصرفها الفقراء والمساكين فقط، والله أعلم.