التطوّع هو القيام بالعبادة طواعية بالاختيار من غير أن تكون فرضًا لله لازمًا.
وسميّت صلاة التطوّع تطوّعًا، لقول النبي - ﷺ - للأعرابي الذي سأله عن الصلاة: «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال الأعرابي: هل عليّ غيرها؟ قال - ﷺ -: «لا إلا أن تطّوّع» (١).
ويقال لها نافلة، لأنها زيادة عن الواجب.
قال المؤلف - ﵀ -: (هي أربعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وأَرْبَعٌ بَعْدَهُ، وأَرْبَعٌ قَبْلَ العَصْرِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ العِشاءِ، ورَكْعتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ)
النوافل الرواتب، أو السنة الراتبة هي التابعة للفريضة، والراتب هو الثابت والدائم.
والرواتب هي الواردة في حديث ابن عمر، قال: «حفظت من النبي - ﷺ - عشر ركعات، ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الفجر». متفق عليه (٢).
وفي رواية في «الصحيحين»: «وركعتين بعد الجمعة» (٣).
وأخرج البخاري من حديث عائشة قالت: «كان النبي - ﷺ - لا يدع أربعًا قبل الظهر» (٤).
بقي مما ذكره المؤلف: «أربع بعد الظهر» و«أربع قبل العصر».
ودليل الأربع بعد الظهر حديث أم حبيبة، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربعا بعدها، حرّمه الله على النار» (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١) عن طلحة بن عبيد الله - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (١١٧٢، ١١٨٠)، ومسلم (٧٢٩، ٨٨٢) عن ابن عمر - ﵁ - واللفظ للبخاري.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري (١١٨٢) عن عائشة ﵂.
(٥) أخرجه أبو داود (١٢٦٩)، والترمذي (٤٢٧)، والنسائي (١٨١٢)، وابن ماجه (١١٦٠)، وأحمد في «مسنده» (٢٦٧٦٤).
[ ٩٤ ]
وهو معلّ، وله طرق، طريق حكم عليها النسائي بالخطأ، وكذا فعل المزي بطريق أخرى، والثالثة منقطعة، والرابعة ضعيفة.
والأربع قبل العصر، ورد فيها حديث ضعيف (١).
وأما حديث: «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًا» (٢)، فمعلّ أيضًا، أعلّه أبو حاتم الرازي وغيره، وكان شيخ الإسلام يضعّفه بشدة (٣).
قال المؤلف - ﵀ -: (وصلاةُ الضُّحى، وصَلاةُ الليلِ - وأكثَرُها ثَلاثَ عَشْرةَ ركعة، يُوْتِرُ في آخِرِها بِرَكْعَةٍ - وتَحيَّةُ المَسْجِدِ، والاسْتِخارةُ، وركعتانِ بينَ كُلِّ أذانٍ وإقامةٍ)
أما (صلاة الضحى) فهي من صلاة التطوّع المشروعة، ودليلها:
قال ابن أبي ليلى: «ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي - ﷺ - صلى الضحى غير أم هانئ ذكرت أن النبي - ﷺ - يوم فتح مكة اغتسل في بيتها، فصلى ثماني ركعات، فما رأيته صلى صلاة أخف منها غير أنه يُتم الركوع والسجود» متفق عليه (٤).
وفي رواية عند مسلم: «سبحة الضحى» أي: نافلة الضحى.
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت، صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر» متفق عليه (٥).
وفي رواية مسلم: «وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد».
وأقل صلاة الضحى ركعتان كما تقدم في رواية مسلم لحديث أبي هريرة - ﵁ -.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٠/ ١٨٨)، وأبو داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠)، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: «رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا». قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سألت أبا الوليد الطيالسي عن محمد بن مسلم بن المثنى فذكره، فقال: دع ذي، فقلت: إن أبا داود قد رواه. فقال: كان ابن عمر يقول: حفظت عن النبي - ﷺ - عشر ركعات في اليوم والليلة ..» فلو كان هذا لعدّه، قال أبي: يعني كان يقول حفظت اثنتي عشرة ركعة» «العلل» (٣٢٢).
(٢) أخرجه أبو داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠) عن ابن عمر - ﵁ -.
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١٢٤)، (٢٤/ ٢٠١).
(٤) أخرجه البخاري (١١٠٣)، ومسلم (٣٣٦).
(٥) أخرجه البخاري (١١٧٨)، مسلم (٧٢١).
[ ٩٥ ]
ولا حدّ لأكثرها؛ لقول عائشة ﵂: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي الضحى أربعًا ويزيد ما شاء الله» (١).
وأما وقتها فمن طلوع الشمس وارتفاعها مقدار رمح إلى استواء الشمس في كبد السماء؛ لأنه - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وترتفع قدر رمح، ونهى عن الصلاة بعد استواء الشمس في كبد السماء إلى دخول وقت الظهر (٢).
والوقت الأول يقدّر بربع ساعة أو عشر دقائق تقريبا بعد طلوع الشمس، والثاني عشر دقائق قبل دخول وقت الظهر.
والأفضل صلاتها بعد اشتداد الحر؛ لقول النبي - ﷺ -: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» (٣).
أي صلاة الطائعين وقتها حين تحترق أخفاف الفصال الصغار من شدة حر الرمل، والفصال: الصغار من أولاد الإبل.
وأما صلاة الليل، فيعني بها قيام الليل، وهي من صلاة التطوّع، وليست فرضًا، فإن الأعرابي لما سأل النبي - ﷺ - عن الإسلام، قال له: «خمس صلوات في اليوم والليلة» فقال الأعرابي: هل عليّ غيرهن؟ قال: «لا، إلا أن تطّوّع» (٤)، فدلّ ذلك على أنه لا يجب على المسلم من الصلوات إلا الخمس المذكورة.
وأما كونها مشروعة فأدلة ذلك كثيرةٌ جدًا من الكتاب والسنة، منها أن عائشة سئلت عن قيام رسول الله - ﷺ - فقالت للسائل: ألست تقرأ ﴿يا أيها المزّمل﴾؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله - ﷺ - وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوّعًا بعد فريضة (٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧١٩) عن عائشة ﵂. ولكنه حديث منتقد: قال ابن رجب الحنبلي في شرح العلل: أنكره أحمد، والأثرم، وابن عبد البر وغيرهم، وردوه بأن الصحيح عن عائشة قالت: ما سبح رسول الله ﷺ سبحه الضحى قط.
(٢) أخرجه مسلم (٨٣١) عن عامر بن عقبة - ﵁ -.
(٣) أخرجه مسلم (٧٤٨) عن زيد بن أرقم - ﵁ -.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) أخرجه مسلم (٧٤٦).
[ ٩٦ ]
وفي «الصحيحين» أن النبي - ﷺ - قال: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل» (١).
وأما وقتها، فمن بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق.
وأما أكثرها، فصحّ عنه - ﷺ - أنه ما زاد في رمضان ولا غيره على أحد عشر ركعة، فذهب البعض إلى عدم جواز الزيادة على ذلك.
ولكنه مجرّد فعل منه - ﷺ - لا يدلّ على أن أكثر من ذلك لا يجوز، فقد صحّ عن جمع من السلف أنهم كانوا يزيدون على ذلك، ولكن الأفضل الوقوف عند السنة.
ويوتر آخرها بركعة، لقوله - ﷺ -: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» (٢)
وقال - ﷺ - لمن سأله عن صلاة الليل: «مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فصل ركعةً، واجعل آخر صلاتك وترًا» (٣).
وتحية المسجد، لقوله - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٤).
وتسميتها تحية المسجد تسمية فقهية، أي أن الفقهاء هم من سمّاها بذلك.
وحكمها، أنها سنة بالاتفاق، لم يخالف في ذلك إلا بعض أهل الظاهر، وهم مسبوقون بالإجماع، والإجماع صارف للأمر عن الوجوب إلى الاستحباب.
وكذلك حديث الأعرابي، هل عليّ غيرها؟ قال: «إلا أن تطّوّع».
وقال ابن حزم: «واتفقوا أن كل صلاة ما عدا الصلوات الخمس وعدا الجنائز والوتر وما نذره المرء ليست فرضًا» (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٥٢)، ومسلم (١١٥٩) عن عبد الله بن عمرو - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٢، ٩٩٨)، ومسلم (٧٥١) عن ابن عمر - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٢، ٩٩٠)، ومسلم (٧٤٩) عن ابن عمر - ﵁ -.
(٤) أخرجه البخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤) عن أبي قتادة - ﵁ -.
(٥) «مراتب الإجماع» (ص ٣٢). وقال شيخ الإسلام في «نقد مراتب الإجماع» (٢٩١): «في وجوب ركعتي الطواف نزاع معروف، وقد ذُكِرَ في وُجُوبِ المعادة مع إمام الحيّ وركعتي الفجر والكسوف».
[ ٩٧ ]
وأما صلاة الاستخارة، فدليل مشروعيتها ما أخرجه البخاري في «صحيحه» عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله - ﷺ - يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلّمنا السورة من القرآن » فذكر الحديث (١).
والاستخارة، طلب خير الأمرين من الله ﵎.
وأما دليل الركعتين بين كل أذان وإقامة، فقوله - ﷺ -: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»، ثم قال: «لمن شاء» (٢).
والمراد بالأذانين، الأذان والإقامة، وهذا تغليب معروف عند العرب، كقولهم القمران للشمس والقمر، والعمران لأبي بكر وعمر، والأسودان للتمر والماء، فيفعلون ذلك في الشيئين المجتمعين، ويغلّبون الاسم الأخف غالبًا.
وأعظم فضيلة لكثرة التنفل ما ورد في قوله - ﷺ - عن ربه ﵎ في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه » (٣)، وقوله - ﷺ -: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن أتمّها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوّع؟ فإن كان له تطوّع أكملت الفريضة من تطوّعه، ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» (٤).
وهذا يكفي المسلم الحريص على محبة الله والخلاص من عذاب الله يوم القيامة للحرص على كثرة التنفّل والجدّ في ذلك.