أي بيان حكم صلاة الجماعة وأحكامها.
قال: (هي آكدُ السُّنَنِ)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٨٢) عن جابر - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨) عن عبد الله بن مغفّل - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) عن أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه أبو داود (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣)، والنسائي (٤٦٥)، وابن ماجه (١٤٢٥) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٩٨ ]
أي المستحبات، وكون صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد، فمما لا شك فيه، فقد قال - ﷺ -: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة» (١).
وهذا يدل على أن صلاة المنفرد صحيحة ومقبولة.
ولكن! هل صلاة الجماعة في المسجد واجبة أم مستحبّة؟ اختلف أهل العلم في ذلك.
والصحيح أن صلاة الجماعة في المسجد واجبة على الرجال الذين لا عذر لهم، لحديث أبي هريرة قال: أتى رجل أعمى، فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله - ﷺ - أن يرخّص له فيصلي في بيته، فرخّص له، فلما ولى، دعاه، فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم، قال: «فأجب» (٢).
وكذا حديث أبي هريرة في «الصحيحين» أن النبي - ﷺ - همّ أن يحرّق بيوت الذين لا يحضرون صلاة الجماعة، وجاء في رواية في «الصحيحين»: «صلاة العشاء» (٣).
وقد أمر الله بالجماعة في حال الخوف، ففي حال الأمن من باب أولى.
وكذا أبو هريرة عندما رأى رجلًا خرج من المسجد بعد الأذان، قال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم (٤).
وساق ابن المنذر في «الأوسط» عن جمع من الصحابة قولهم بوجوب صلاة الجماعة، بل قال عبد الله بن مسعود كما في «صحيح مسلم»: «لقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النفاق» (٥).
وقد حقق القول في هذه المسألة ابن المنذر في كتابه «الأوسط» (٤/ ١٤٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٥)، مسلم (٦٥٠) من حديث ابن عمر - ﵁ -. وأخرجه البخاري (٦٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري، بلفظ «خمس وعشرين درجة». وعند مسلم (٦٤٩) عن أبي هريرة ﵁ بلفظ «خمس وعشرين». وهناك ألفاظ أخرى لعدد الدرجات.
(٢) . أخرجه مسلم (٦٥٣).
(٣) أخرجه البخاري (٢٦٤٤)، ومسلم (٦٥١) عن أبي هريرة ﵁. ورواه مسلم (٦٥٤) وغيره عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
(٤) أخرجه مسلم (٦٥٥) عن أبي الشعثاء - ﵁ -.
(٥) أخرجه مسلم (٦٥٤) عن أبي الأحوص - ﵁ -.
[ ٩٩ ]
قال - ﵀ -: (وتَنْعَقِدُ باثنينِ)
ودليل ذلك حديث ابن عباس المتفق عليه، قال: «بتّ عند خالتي فقام النبي - ﷺ - يصلّي من الليل، فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه» (١).
وكذا رأى النبي - ﷺ - رجلا يصلّي وحده، فقال: «ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلّي معه» (٢).
قال المؤلف - ﵀ -: (وإذا كَثُرَ الجَمْعُ كانَ الثَّوابُ أكثر)
لقوله - ﷺ -: «صلاة الرجل مع الرجل أذكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أذكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله» (٣).
وقد صححه يحيى بن معين وعلي بن المديني والذهلي وغيرهم من أئمة الإسلام.
قال المؤلف: (ويَصِحُّ بَعْدَ المَفْضُولِ)
أي تصحّ صلاة الأفضل خلف الأقل منه فضلًا، فقد صلى النبي - ﷺ - خلف أبي بكر وغيره من الصحابة، كما جاء في «الصحيحين» (٤).
قال: (والأولى أن يكونَ الإمامُ مِنْ الخِيارِ)
استدلّ المؤلف على ذلك بقول النبي - ﷺ -: «اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم» جاء من حديث ابن عمر عند الدارقطني، وبمعناه حديث مرثد عند الحاكم، وكلاهما ضعيف (٥)، بيّن ضعفهما غير واحد من أهل العلم، ومنهم الإمام الألباني في " الضعيفة " (١٨٢٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣) عن ابن عباس - ﵁ -.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٧٤)، والترمذي (٢٢٠) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢١٢٦٥)، وأبو داود (٥٥٤)، عن أبي بن كعب - ﵁ -.
(٤) أخرجه البخاري (٦٨٤)، ومسلم (٤٢١) عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -.
(٥) أخرجه الدارقطني (١٨٨٢)، وهو في «المعجم الكبير» للطبراني (٧٧٧)، وفي «المستدرك» (٤٩٨١) وغيرهم عن أبي مرثد الغنوي، بلفظ: «إن سرّكم أن تُقْبَل صلاتكم ». قال الدارقطني: «إسناد غير ثابت، وعبد الله بن موسى ضعيف» قلت: عبد الله بن موسى أحد رجال الإسناد. وعند الدارقطني عن ابن عمر (١٨٨١) باللفظ المذكور، وكذلك رواه الدارقطني عن أبي هريرة ﵁ (١٣١٢) وضعّفه لضعف أبي الوليد خالد بن إسماعيل.
[ ١٠٠ ]
وأما حكم المسألة، فالأولى أن يؤمّ الناس أقرؤهم لكتاب الله، وسيأتي الدليل على ذلك إن شاء الله.
قال: (ويؤمُّ الرجلُ بالنساءِ لا العكس)
أما إمامة الرجل للنساء فأدلتها كثيرة، منها ما في «الصحيحين» عن أنس قال: قمت خلف النبي - ﷺ - أنا واليتيم، والعجوز من ورائنا (١).
وكانت النساء يصلين خلف الرجال في مسجد رسول الله - ﷺ - كما في «الصحيحين» (٢).
وأما إمامة النساء للرجال، فلا تجوز في الفرائض بالاتفاق (٣).
وأما في النوافل، فالصحيح أنها لا تؤمّهم أيضًا، فلم يرد في السنة ما يدلّ على جواز إمامتها للرجال، وقد جاءت الشريعة بالتفريق بين الرجال والنساء في التقديم والتأخير في الصلاة، فجعلت النساء خلف الرجال، فلا يجوز تقديمهن إلا بدليل صحيح خاص بهنّ.
ثم إن النبي - ﷺ - قد قال: «لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» (٤)، والصلاة من أمرنا، ومن ائتم بالمرأة فقد ولّاها أمر صلاته.
وأما الذين قالوا بجواز إمامة النساء للرجال في النوافل، فقد استدلّوا بحديث أم ورقة: «أن النبي - ﷺ - أمرها أن تؤم أهل دارها، وفيهم رجال» (٥).
وللمرأة أن تؤم النساء وتقف وسطهن كما فعلت عائشة ﵂ (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٠)، ومسلم (٦٥٨) عن أنس - ﵁ -.
(٢) منها ما أخرجه البخاري (٣٦٢)، ومسلم (٤٤١) عن سهل بن سعد - ﵁ -.
(٣) قال ابن حزم: «واتفقوا أن المرأة لا تؤم الرجال وهم يعلمون أنها امرأة، فإن فعلوا فصلاتهم فاسدة بإجماع». «مراتب الإجماع» (ص ٢٧).
(٤) أخرجه البخاري (٤٤٢٥) عن أبي بكرة - ﵁ -.
(٥) وهو حديث ضعيف أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٧٢٨٣)، وأبو داود (٥٩٢) عن أم ورقة بنت عبد الله بن نوفل الأنصارية. وهو معلّ بالاضطراب والجهالة. وقد حقق القول فيه ابن الملقّن في «البدر المنير» (٤/ ٣٨٩).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١/ ٢٠٢)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ١٤١) والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٢٠) وغيرهم.
[ ١٠١ ]
قال المؤلف: (والمُفْتَرِضُ بالمُتَنَفِّلِ والعَكْسُ)
فأما صلاة المفترض بالمتنفل، أي أن يصلي الإمام فريضة ويصلي المأموم نافلة، فدليله حديث الرجلين اللذين رآهما النبي - ﷺ - جالسين في المسجد لم يصليا مع الجماعة، فقال لهما: «ما منعكما أن تصليا معنا»، قالا: يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا، قال: «لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكم نافلة» (١)
وكذلك قوله - ﷺ - عندما رأى رجلا يصلي وحده: «ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلي معه» (٢) .
وكذلك قوله - ﷺ - في الصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، قال: «إذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة » الحديث (٣).
وأما صلاة المفترض خلف المتنفل، فدليله حديث معاذ أنه كان يصلي مع النبي - ﷺ - الصلاة ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة.
فكان متنفلًا وهم يصلون الفريضة، والحديث متفق عليه (٤).
وقد صحّ عنه - ﷺ - أنه قال: «لا تصلى صلاة في اليوم مرتين» (٥)، مما يدلّ على أن معاذا كان متنفلًا.
وأما صلاة المتنفل خلف المتنفل، فدليلها صلاة ابن عباس خلف النبي - ﷺ - (٦)، وكذا صلاة الصحابة خلفه ﵇ في رمضان (٧).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٦١٤) والترمذي (٢١٩)، والنسائي (٨٥٨) عن يزيد بن الأسود.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم (٥٣٤) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
(٤) أخرجه البخاري (٧٠٠)، ومسلم (٤٦٥) عن جابر بن عبد الله - ﵁ -.
(٥) أخرجه أبو داود (٥٧٩)، والنسائي (٨٦٠) عن ابن عمر - ﵁ -.
(٦) أخرجه البخاري (١١٧)، ومسلم (٧٦٣) عن ابن عباس - ﵁ -.
(٧) أخرجه البخاري (٩٢٤)، ومسلم (٧٦١) عن عائشة ﵂.
[ ١٠٢ ]
ولكن لاتكون صلاة الجماعة في النافلة بشكل دائم فلا يُحافَظُ عليها، فالمداومة عليها بدعة، بل تفعل أحيانًا، لأن النبي - ﷺ - لم يداوم عليها، وكذا أصحابه من بعده، ما عدا قيام رمضان فقط.
قال المؤلف - ﵀ -: (وتجبُ المُتابَعَةُ في غَيْرِ مُبْطِلٍ)
أي يجب على المأموم أن يتابع الإمام في صلاة الجماعة إلا إن فعل ما يبطل الصلاة فلا يتابعه.
ويجب على المأموم متابعة الإمام لقوله - ﷺ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد - وفي رواية عند البخاري: ربنا لك الحمد -، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون». متفق عليه (١)
وفي حديث أبي هريرة في «الصحيحين»: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» (٢).
وفي «الصحيحين» أن النبي - ﷺ - قال: «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار» وفي رواية: «يحوّل صورته صورة حمار» متفق عليه (٣).
فهذه الأحاديث تدلّ على وجوب متابعة الإمام بالصورة التي ذكرها النبي - ﷺ -، فإذا ركع الإمام ركع المؤتمون، لا قبله ولا معه ولا بعده بكثير بل بعده مباشرة على ما تقتضيه «الفاء» التي في قوله - ﷺ -: «إذا كبر فكبروا».
ومن لم يتابع الإمام عامدًا وسبقه، بطلت صلاته، لأنه أتى بمحظور من محظورات العبادات التي تختص بالعبادة.
وأما قوله (في غير مبطل) فلأن عمل المبطل يبطل الصلاة فلا يجوز لك متابعة الإمام، فإذا قام الإمام إلى الخامسة مثلًا وأنت تعلم أنها الخامسة - وزيادة ركعة في الصلاة ليست
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١) عن أنس - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤).
(٣) أخرجه البخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٠٣ ]
منها تبطل الصلاة - فإنك ها هنا تنبّه الإمام، فإن رجع، وإلا فلا تتابعه، فإما أن تكمل صلاتك وحدك، أو تنتظره إلى أن يسلّم وتسلّم معه.
قال المؤلف - ﵀ -: (ولا يؤمُّ الرجلُ قومًا وهم له كارهون)
يستدل المؤلف ومن يقول بقوله بقول النبي - ﷺ -: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة، من تقدم قومًا هم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دِبارًا، ورجل اعتبد محرره» (١) وهو حديث ضعيف.
ومعنى «أتى الصلاة دبارًا» أي أتى الصلاة بعدما انتهت.
ومعنى «اعتبد محرره»: أي اتخذ محرره عبدًا، أي أن يكون له عبد ثم يحرره ويكتم ذلك، أو أن يتخذ حرًا عبدًا ويتملّكه.
وكذا حديث أبي أمامة الذي أخرجه الترمذي: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم، العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها ساخط عليها، وإمام قوم وهم له كارهون» (٢).
فعلى ذلك، فلا عبرة برضى الناس في الإمام، فالمعتبر أن يكون الإمام موافقًا للشرع.
قال المؤلف: (ويُصلّي بهم صَلاةَ أخَفِّهم)
لحديث معاذ الذي قال له رسول الله - ﷺ - فيه لما أطال الصلاة بالناس: «أفتان أنت يا معاذ» (٣).
قال: (ويُقَدَّمُ السلطانُ وربُّ المَنْزِلِ)
وذلك لقوله - ﷺ - في حديث أبي مسعود البدري في «صحيح مسلم»: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء،
_________________
(١) ضعيف. أخرجه أبو داود (٥٩٣)، والترمذي (٣٥٨)، وابن ماجه (٩٧٠) عن عبد الله بن عمرو - ﵁ -. في سنده عبد الرحمن الإفريقي وشيخه عمران بن عبد المعافري ضعيفان. وأخرج ابن ماجه (٩٧١) شاهدا له عن ابن عباس - ﵁ -. في سنده يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي قال أبو حاتم الرازي: شيخ لا أرى في حديثه إنكارا، يحدث عن عبيدة بن الأسود أحاديث غرائب. قلت: هذا الحديث منها وشيخه مدلس وقد عنعنه.
(٢) ضعيف. أخرجه الترمذي (٣٦٠) عن أبي أمامة - ﵁ -، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (٥٩٥٩) وضعفه وذكر علته. بعض أهل العلم قوى فقرة الإمام بمجموع الطرق، والأمر محتمل. والله أعلم
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١٠٤ ]
فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلمًا، ولا يؤمّن الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» (١).
وفي رواية عند مسلم بدل «سلمًا»، «سنًا»، ومعنى «سلمًا»، أي إسلامًا.
و«التكرمة» الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويُخصّ به.
وفي رواية عنده أيضًا: «ولا تؤمّنَّ الرجل في أهله ولا في سلطانه ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك، أو بإذنه».
قال المؤلف - ﵀ -: (والأقرأ ثم الأعلمُ ثم الأسَنُّ)
للحديث المتقدم، وهو الصحيح، فالأقرأ يقدم على الأعلم بشرط أن يكون الأقرأ على علم بأحكام الصلاة، والحديث المتقدّم يدل على أن العبرة بالأقرأ لا بالأعلم، لقوله «أقرؤهم لكتاب الله، ثم أعلمهم بالسنة».
ثم الأقدم بالهجرة إن وجدت، وإلا فالأقدم إسلاما أو سنًا.
قال المؤلف - ﵀ -: (وإذا اختلّت صلاةُ الإمامِ كانَ ذلكَ عليهِ، لا على المؤتمّينَ بهِ).
لقول النبي - ﷺ - في الأمراء: «يصلّون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» (٢).
قال: (وموقفُهم خَلْفَهُ، إلا الواحدَ فَعَنْ يَمينهِ)
ورد في ذلك حديث ابن عباس في «الصحيح»، أنه وقف على يسار النبي - ﷺ -، فأخذه ﵇ من أذنه حتى أقامه عن يمينه.
ولا يتقدم ولا يتأخر عن الإمام، فيكون هو والإمام صفًا واحدًا (٣).
وجاء في «الصحيح» أيضا عن جابر بن عبد الله، قال: «صلى رسول الله - ﷺ - بي وبجبار بن صخر، فقمت على يسار رسول الله - ﷺ - فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٧٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٤) عن أبي هريرة ﵁
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١٠٥ ]
جاء جبار بن صخر فتوضأ ثم جاء فقام عن يسار رسول الله - ﷺ - فأخذ رسول الله - ﷺ - بأيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه» (١).
وعن أنس أن رسول الله - ﷺ - صلى بهم نافلة فجعل أنسًا عن يمينه وجعل أم أنس وأختها أم حرام خلفهم (٢).
وفي حديث آخر لأنس أنه وقف هو واليتيم خلف النبي - ﷺ - والعجوز من ورائهم، وهو في «الصحيح» أيضًا (٣).
قال - ﵀ -: (وإمامةُ النساءِ وسط الصفِّ)
ليس في هذا حديث صحيح، وإنما صحّ عن أم سلمة وعائشة أنهما فعلتا ذلك (٤).
جاء عن عائشة من طرق يصح بمجموعها، وجاء عن أم سلمة من طريقين يصح بهما، ولا يوجد ما يخالف فعلهما.
قال: (وتُقَدَّمُ صُفوفُ الرِّجالِ، ثم الصبيانِ، ثم النساءِ)
اعتمد المؤلف في تفريقه صفوف الصبيان عن صفوف الرجال على حديث أبي مالك الأشعري، «أن النبي - ﷺ - كان يجعل الرجال قدّام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان» (٥).
ويخالفه حديث أنس المتقدم، أنه وقف خلف النبي - ﷺ - هو واليتيم، وأم سليم من خلفهم وهو في «الصحيحين».
فيدل ذلك على أن الصبيان يصفّون مع الرجال، والنساءُ من خلفهم.
قال - ﵀ -: (والأحقُّ بالصفِّ الأوَّلِ أولو الأحلامِ والنُّهى)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠١٠) عن جابر - ﵁ - مطوّلًا، وأخرجه البخاري (٣٦١).
(٢) أخرجه مسلم (٦٦) عن أنس - ﵁ -.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريج أثر عائشة، وأما أثر أم سلمة، فأخرجه الشافعي في «مسنده» (٣٠٣ - ترتيب سنجر)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٣٠)، وعبد الرزاق (٣/ ١٤٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ١٨٧) وغيرهم.
(٥) ضعيف. أخرجه أحمد في «المسند» (٢٢٨٩٦)، وأبو داود (٦٧٧)، وابن ماجه (٤١٧) عن أبي مالك الأشعري - ﵁ -. في سنده شهر بن حوشب.
[ ١٠٦ ]
لقوله - ﷺ -: «ليَليَني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١).
وأولو الأحلام والنهى، هم البالغون العقلاء، ليأخذوا عنه، وكذلك ليصحّحوا للإمام ويستخلف أحدهم إذا احتاج إلى ذلك.
وهذا يدل على أن الصبيان لا يكونون في الصف الأول.
قال - ﵀ -: (وعلى الجماعةِ أن يسوّوا صفوفَهم وأن يَسُدّوا الخَلَلَ)
يجب على المصلين تسوية الصفوف وتعديلها، لأمر النبي - ﷺ - وتحذيره من مخالفة ذلك باختلاف الوجوه.
فقد قال ﵇: «سوّوا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» متفق عليه (٢).
وقال: «لتسوّون صفوفكم أو ليخالفنَّ اللهُ بين وجوهكم» متفق عليه (٣).
قال ﵀: (وأن يُتِمّوا الصفَّ الأولَ، ثم الذي يليه ثم كذلك)
لأمره - ﷺ - بذلك، فقد قال: «أتّموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر» (٤).
فيجب إتمام الصف الأول فالأول.
وكذلك يجب المقاربة بينها لقوله ﵇: «رصّوا الصفوف وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق » (٥) الحديث.