قال: (يستحب صيام ست من شوال)
لحديث أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر» (١).
ويكون كصيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان ثلاثون يومًا وهو الشهر فيكون بعشرة أشهر، والستة أيام بستين يومًا وهي شهران، والسنة أثنا عشر شهرًا، فمن صام في كل سنة رمضان ثم الأيام الستة من شوال كان كمن صام كل الدهر، فهذا صيام الدهر كاملًا.
والأفضل أن تصام الستة متوالية وعقب رمضان مباشرة بعد أن تفطر اليوم الأول يوم العيد ثم بعد ذلك تسرد ستة أيام من شوال، لكن إن فرقها فجائز أو أخرها حتى في أواخر شوال أيضًا جائز، لأن كل هذا يشمله قوله - ﷺ -: «ثم أتبعه ستًا من شوال».
قال ﵀: (وتِسعِ ذي الحجة)
أي ويستحب صيام تسع ذي الحجة، أي الأيام التسع الأولى من ذي الحجة.
ولم يصح عن النبي - ﷺ - أنه كان يصوم هذه الأيام، وإنما ورد حديث عن حفصة قالت: «أربع لم يكن النبي - ﷺ - يدعهن: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة» (٢) أخرجه أحمد والنسائي، وأبو داود بلفظ آخر عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، واختلف فيه اختلافًا كثيرًا جدًا في متنه وإسناده، فلا يصح، ولا يصح حديث في ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٦٤).
(٢) أخرجه احمد (٢٤٦٦٨)، والنسائي (٢٤٨٦). انظر «العلل» (٣٩٤٥) للدارقطني.
[ ٢٢٤ ]
والعمدة في ذلك على ما ذكرته عائشة ﵂ وهو في «صحيح مسلم»، قالت: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - صائمًا في العشر قط» (١)، وفي رواية: «لم يصم العشر» هذا ما ذكرته ﵂ وهذا هو المعتمد في ذلك.
لكن صيام هذه الأيام داخل في العمل الصالح الذي قال فيه النبي - ﷺ -: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام» - يعني أيام العشر-، قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (٢).
فيجوز صيام هذه الأيام على أنّ الصيام من العمل الصالح، ومن أراد أن يعمل عملًا آخر غير الصيام ويكتفي به عن الصيام فله ذلك، والأفضل للإنسان في مثل هذه الحالات أن يُرّكز على العمل الذي يجد من نفسه نشاطًا فيه ويتمكن من الإكثار منه في هذه الأيام.
قال ﵀: (ومُحَرَّم)
أي، ويستحب صيام محرم - وهو شهر الله المحرم -، لحديث أبي هريرة عند مسلم: «أن النبي - ﷺ - سُئل: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: «صيام شهر الله المحرم» (٣).
وآكده يوم عاشوراء، فيُستحب صيام يوم عاشوراء.
ويوم عرفة لقوله - ﷺ -: «صوم يوم عرفة يُكفر سنتين، ماضية ومستقبلة وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية» (٤).
يدل هذا على استحباب صيام هذين اليومين - يوم عرفة التاسع من ذي الحجة، ويوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرم-.
ويستحب أن يصام اليوم التاسع من المحرم مع اليوم العاشر، مخالفة لليهود، لقوله - ﷺ -: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، وذلك أنه حين صام رسول الله - ﷺ - عاشوراء وأمر
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٧٦).
(٢) أخرجه البخاري (٩٦٩).
(٣) أخرجه مسلم (١١٦٣).
(٤) أخرجه مسلم (١١٦٢).
[ ٢٢٥ ]
بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال - ﷺ -: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - ﷺ - (١).
فيستحب صيام اليوم التاسع مع اليوم العاشر.
قال ﵀: (وشعبان)
أي، ويستحب صيام شعبان لحديث عائشة ﵂، قالت: «وما رأيت رسول الله - ﷺ - استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان» (٢).
قال ﵀: (والإثنين والخميس)
لما ثبت عنه - ﷺ - أنه كان يتحرى صوم يوم الإثنين والخميس كما في «سنن أبي داود» والترمذي وغيرهما (٣).
قال ﵀: (وأيام البيض)
فقد أخرج مسلم في «صحيحه» من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله» (٤).
وقال - ﷺ - لعبد الله بن عمرو: «صم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك صيام الدهر» (٥).
وأخرج الترمذي وغيره عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» (٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٣٤).
(٢) أخرجه مسلم (١١٥٦).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٤٦٣)، والترمذي (٧٤٥)، والنسائي (٢٣٦٦)
(٤) أخرجه مسلم (١١٦٢).
(٥) أخرجه البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩).
(٦) أخرجه أحمد (٣٥/ ٢٦٣)، والترمذي (٧٦١)، والنسائي (٢٤٢٣).
[ ٢٢٦ ]
فيستحب صيام هذه الأيام الثلاثة الواردة في حديث أبي ذر أكثر من غيرها، لكن من صام أي ثلاثة أيام من الشهر فقد حصل له الأجر أيضًا، لحديث ابن عمرو وغيره.
قال ﵀: (وأفضل التطوع صوم يوم وإفطار يوم)
لحديث عمرو بن العاص - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال له: «صم أفضل الصوم صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم» (١).
وفي رواية: «وهو أعدل الصيام» (٢).
وفي رواية عند البخاري: «لا صوم فوق صوم داود» (٣).
فهذه أكمل الصور في صيام التطوع.
قال ﵀: (ويكره صوم الدهر)
لما صحَّ عنه - ﷺ - أنه نهى عبد الله بن عمرو عن صيام الدهر، وكذلك نهى من أراد أن يصوم ولا يُفطر، وقال - ﷺ -: «لا صام من صام الأبد» (٤).
ومعنى صيام الدهر المنهي عنه، هو الذي كان يفعله ابن عمرو كما جاء في «الصحيحين»، «أنه كان يصوم ولا يفطر» (٥)، والذي أراد أن يفعله أحد الثلاثة الذين تقالّوا عبادة النبي - ﷺ - عندما سألوا عن عبادته، فقال: أحدهم: أمّا أنا فأصوم ولا أفطر (٦)، فهذا هو صيام الدهر الذي نهى عنه - ﷺ -.
فصيام الدهر هو صيام السنة كلها بلا فطر فيها، وهو محرم مخالف لهدي النبي - ﷺ -.
قال المؤلف: (وإفراد يوم الجمعة)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠٥٢)، ومسلم (١١٥٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤١٨)، ومسلم (١١٥٩).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٧٧)، ومسلم (٥٠٦٣).
(٤) أخرجه البخاري (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩).
(٥) أخرجه البخاري (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩).
(٦) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).
[ ٢٢٧ ]
فقد جاء في حديث جابر في «الصحيح» أن النبي - ﷺ - نهى عن صوم يوم الجمعة (١).
وفي حديث أبي هريرة في «الصحيح» أيضًا أن النبي - ﷺ - قال: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلّا يومًا قبله أو بعده» (٢).
وفي حديث جويرية بنت الحارث أن النبي - ﷺ - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أصمت أمس؟» - الخميس - قالت: لا، قال: «تريدين أن تصومي غدًا؟» - السبت -، قالت: لا، قال: «فأفطري» (٣).
وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلاّ أن يكون في صوم يصومه أحدكم» (٤).
وخلاصة هذه الأحاديث كلها أنّه لا يجوز إفراد يوم الجمعة بصيام إلاّ إذا كان في صوم كان يصومه أحدنا، أي، إلا إذا كان معتادًا على صيام معين كمن اعتاد أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، فجاء من هذه الأيام التي اعتاد صيامها يوم جمعة، فيجوز له حينئذ أن يصوم.
أو جاء يوم عرفة في يوم جمعة فيجوز له أن يصومه من غير أن يصوم معه يومًا قبله أو يومًا بعده، لأنه اعتاد هذا الصيام ولم يتعمد تخصيص يوم الجمعة بصيام.
ويجوز صيامه مع يوم الخميس أو مع يوم السبت.
أما تخصيص الجمعة بصيام فيحرم، وكذلك صيام الدهر، لا مجرد الكراهة، فالنهي واضح ولا صارف.
أمَّا صيام يوم السبت فلم يصحَّ في النهي عن صيامه حديث، ورد فيه حديث قال فيه الإمام النسائي - ﵀ -: وهو حديث مضطرب، وكذلك وافقه الحافظ ابن حجر على ذلك وضعفه غير واحد من علماء الإسلام والحق معهم، فالحديث لا يصح، فيجوز صيام يوم السبت مطلقًا كبقية الأيام.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩٨٤)، ومسلم (١١٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٨٦).
(٤) أخرجه مسلم (١١٤٤).
[ ٢٢٨ ]
قال ﵀: (ويَحرم صوم العيدين)
لحديث أبي سعيد في «الصحيحين»: «أنّ رسول الله - ﷺ - نهى عن صيام يومين، يوم الفطر ويوم النحر» (١)، والمقصود اليوم الأول فقط ليوم الفطر ويوم النحر، فهذان العيدان فقط، وليس بعدهما عيد.
وأما يوم النحر فبعده ثلاثة أيام - وهي أيام التشريق -، أما يوم الفطر فهو واحد فقط.
قال ﵀: (وأيام التشريق)
أي، ويَحرم أيضًا صيام أيام التشريق وهي اليوم الثاني والثالث والرابع التي هي بعد عيد الأضحى يوم النحر، وذلك لنهيه - ﷺ - عن هذا الصيام بقوله - ﷺ -: «أيام التشريق أيام أكل وشرب» (٢).
وفي «صحيح البخاري» عن عائشة وابن عمر قالا: «لم يُرخّص في أيامِ التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي» (٣).
فلا يجوز أن يُصام في هذه الأيام.
قال ﵀: (واستِقْبالُ رمضانَ بيومٍ أو يَوْمَين)
أي ويَحرم استقبال رمضان بيوم أو يومين، فيَحرم أن نصوم قبل أن يثبت هلال رمضان اليوم الذي يُشك فيه، لقوله - ﷺ -: «لا تقدّموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا، فليصمه» (٤).
يعني إذا جاء اليوم الأخير من شعبان - الذي يُشك أهو من شعبان أم من رمضان - إذا جاء في يوم اعتدت أن تصوم في مثله، فلك أن تصوم.
أمّا أن تتقصد أن تصومه احتياطًا لرمضان فلا يجوز، لما قاله عمَّار - ﷺ -: «من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩٩٥)، ومسلم (١١٣٨).
(٢) أخرجه مسلم (١١٤١).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٩٧).
(٤) أخرجه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢).
(٥) أخرجه أبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، والبخاري تعليقًا.
[ ٢٢٩ ]
وأما حديث: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (١)، فهو حديث ضعيف أعلّه غير واحد من أهل العلم، وحكم عليه الإمام أحمد بالنكارة، وكان عبد الرحمن ابن مهدي لا يحدث به عمدًا.
فهذا يدل على أنهم كانوا يستنكرون هذا الحديث ولا يقبلونه، لأنه مخالف لأحاديث أقوى منه وأصح في جواز الصيام بعد النصف من شعبان.
ويخالفه أن النبي - ﷺ - كان يصوم شعبان إلا قليلًا كما قالت عائشة ﵂ كما تقدم معنا.