التكفين في اللغة: هو التغطية والسَترُ.
ومنه سمي كفن الميت لأنه يستره.
ومنه تكفين الميت أي تغطيته بالكفن.
فالمعنى الاصطلاحي موافق للمعنى اللغوي.
قال المؤلف ﵀: (ويجبُ تكفينه)
أي يجب تكفين الميت وجوبًا كفائيًا، إذا قام به البعض سقط عن الباقين كما في الغَسل تمامًا، لأن النبي - ﷺ - أمر به في حديث المحرم الذي وقصته ناقته - أي كسرته فمات- فقال فيه - ﷺ -: « وكفنوه في ثوبين» (٢) وهذا أمر، فتكفين الميت واجب.
قال المؤلف ﵀: (بما يستره)
وهو أقل ما يكفن به الميت، أن يُكّفن بشيء يستره، فيغطيه تغطية كاملة. والأفضل والأكمل أن يكفن بثلاثة أثواب، فقد ثبت أن النبي - ﷺ - كُفِّن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية من كُرْسُفٍ ليس فيهن قميص ولا عمامة، وهو في الصحيحين (٣)، وهو الأكمل.
والرجل والمرأة في ذلك سواء.
وقد فرق بعض أهل العلم بين المرأة والرجل، فقال المرأة تُكفن بخمسة أثواب، لكنهم احتجوا في ذلك بحديث ضعيف لا يصح (٤) والصحيح هو ما ذكرناه، وهو أن الرجال والنساء على السواء في التكفين بثلاثة أثواب بيض، وهذا أكمل ما يذكر في تكفين الميت.
_________________
(١) انظر «المجموع شرح المهذب» للنووي (٥/ ٢٦٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦).
(٣) أخرجه البخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١) عن عائشة ﵂.
(٤) وهو حديث ليلى بنت قانف الثقفية، أخرجه أحمد (٤٥/ ١٠٦)، وأبو داود في «سننه» (٣١٥٧) وغيرهما. في إسناده نوح بن حكيم مجهول، وله علة أخرى ذكرها ابن القطان الفاسي، نقلها الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٢٥٨).
[ ١٤٠ ]
وأما الإجزاء فيجزئ ولو بثوب واحد يستر الميت كله.
وقوله هنا (بما يستره) جاء في الحديث أنّ النبي - ﷺ - قال: «إذا كَفَّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (١).
قال العلماء والمراد بإحسان الكفن نظافته وكثافته وستره وتوسطه، وليس المراد السَّرْفُ فيه والمغالاة ونفاسته، بل أن يكون الكفن نظيفًا، كثيفًا يستر الميت، ساترًا مغطيًّا لجميع جسد الميت، فهكذا يكون الكفن حسنًا.
ويكون التكفين بأثواب بيض وهو الأفضل، فقد أرشد ﵇ إلى اللباس الأبيض وقال: «كفِّنوا فيه موتاكم» (٢).
ولا يعني ذلك أن غيره لا يجوز لكن الأفضل هو الأبيض.
فأفضل ما يكون التكفين بثلاثة أثواب بيض.
قال ﵀: (ولو لم يَمْلِك غيره)
إذا مات الميت ولا يملك إلا قطعة قماش، فيكفن بقطعة القماش تلك، لأن الكفن يكون من رأس مال الميت، أي من ماله الخاص.
ودليل ذلك أن النبي - ﷺ - أمر بتكفين مصعب بن عمير في نمرة - وهي ثياب مخططة، كأنها أخذت من النمر - فلم يترك غير هذه النمرة، فيقول خباب بن الأرت راوي الحديث: كنا إذا غطينا بها رأسه كشفت قدماه، وإذا غطينا بها قدميه كشف رأسه، فأمرهم النبي - ﷺ - بتغطية رأسه ووضع الإذخر على قدميه (٣).
والإذخر: حشيشة طيبة الرائحة.
قال ﵀: (ولا بأس بالزيادة مع التَّمَكُّنِ من غير مُغَالاةٍ)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٤٣).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٩٤)، وأبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤)، وابن ماجه (٣٥٦٦) عن ابن عباس - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٩٧)، ومسلم (٩٤٠) عن خباب بن الأرت - ﵁ -
[ ١٤١ ]
أي ولا بأس بالزيادة على ما يستر مع التمكن، أي مع القدرة على وجود الزيادة، من غير مغالاة وغلو في الكفن، فإنه سيدخل في إضاعة المال وقد نهى - ﷺ - عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال (١).
فالواجب هو ثوب واحد يستر جميع الجسد، والأكمل هو ما كُفِّنَ به النبي - ﷺ -، فقد ورد أنه كُفِّنَ في ثلاثة أثواب يمانية بيض سَحُولِيَّةٍ من كُرْسُفٍ ليس فيهن قميص ولا عمامة (٢).
واليمانية، هي من صنع اليمن.
والسحولية، أي بيض نقية، وقيل نسبة إلى مدينة في اليمن.
والكرسف، قطن
هذا أكمل شيء، أما مجاوزة الثلاثة في الكفن والزيادة والمغالاة، فإنها من إضاعة المال.
قال: (ويُكَفَّنُ الشهيدُ في ثِيابِهِ التي قُتل فيها)
فقد فعل النبي - ﷺ - ذلك بشهداء أحد، كفنّهم بثيابهم التي قُتلوا فيها.
قال ابن قدامة في المغني: مسألة؛ قال: (ودفن في ثيابه، وإن كان عليه شيء من الجلود والسلاح نحي عنه) أما دفنه بثيابه، فلا نعلم فيه خلافًا، وهو ثابت بقول النبي - ﷺ -: «ادفنوهم بثيابهم». وروى أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم، بدمائهم. وليس هذا بحتم، لكنه الأولى انتهى باختصار.
قال ﵀: (ونُدِبَ تَطْيِيبُ بَدَنِ الميِّتِ وكَفَنُهُ)
أي ويستحب تطييب جسد الميت وتطييب كفنه إلا إذا كان الميت محرمًا، فقد جاء في حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم فقتلته، قال: «ولا تمسوه بطيب فإنه يُبعث ملبيًا» (٣)، فنهى أن يُطيّبوا من كان مُحرِمًا، لأن الطيب يَحرُم على المُحرِم، فلا يجوز استخدامه واستعماله له، فإنه سيبعث يوم القيامة ملبيًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣) عن المغيرة بن شعبة، وأخرجه مسلم في «صحيحه» (١٧١٥) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦).
[ ١٤٢ ]
وفي هذا إشارة إلى أنهم كانوا يستعملون الطيب للميت.
فمن هنا أخذ المؤلف الكلام الذي ذكر.
وقد ورد فيه حديث آخر، ولكنه ضعيف، وهو قوله: «إذا جمرتم الميت فأجمروه ثلاثًا» (١).
ويُستحب وضع الإذخر في القبر، لقول العباس لما نهى النبي - ﷺ - عن قطع ما ينبت في مكة من الأعشاب والأشجار، قال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فإنّا نجعلها في بيوتنا وقبورنا، فقال - ﷺ -: «إلا الإذخر إلا الإذخر» (٢).
والإذخر: حشيشة طيبة الرائحة.