يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة،
وعرفة جبل معروف.
بعدما ينتهي الحاجّ من منى وتطلع شمس اليوم التاسع، ينطلق إلى جبل عرفة فيقف عليه، وهذا هو الركن الأعظم من أركان الحجّ، فلا يصح الحج إلا بالوقوف في عرفة، لقوله - ﷺ -: «الحج عرفة» (١).
ويبدأ وقت الوقوف بعرفة، من زوال الشمس إلى فجر يوم النحر.
ويَجمع بين صلاة الظهر والعصر التي سمّاها المؤلف «العصرين»، كما فعل النبي - ﷺ - وهو سنة مستحبة.
ويَخطُب الإمام خُطبة واحدة كما فعل - ﷺ - وبعد أن تغرب الشمس يدفع - أي يخرج - إلى مزدلفة بسكينة كما ورد من فعله - ﷺ -.
قال المؤلف ﵀: (ويأتي المُزْدَلِفَة، ويجمع فيها بين العشاءين ثم يبيت بها ثم يُصلي الفجر)
المزدلفة جبل معروف.
بعد أن يَخرجَ الحاجّ من عرفة - وذلك بعد غروب الشمس - يأتي مزدلفة فيصلي فيها المغرب والعشاء جمع تأخير بأذان وإقامتين، ولا يَتَنَفَّل كما صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه جمع ولم يتنفل، ويبيت بها.
اختلف أهل العلم في المبيت في مزدلفة، فالبعض قال: هو واجب ويجب بتركه دم.
والبعض قال: هو ركن لا يصح الحجّ إلّا به.
والبعض قال سنة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣١/ ٦٤)، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠١٦)، وابن ماجه (٣٠١٥).
[ ٢٧٢ ]
وشرط المبيت بمزدلفة، أن يكون في ساعة من النصف الثاني من الليل، فلو رحل قبله لم يسقط عنه الدم، ولو عاد إليها قبل الفجر سقط عنه الدم.
ووجوب الدم بناءً على القول بالوجوب، وهو الصحيح إن شاء الله.
ودليل وجوب المبيت بمزدلفة قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾، وقال النبي - ﷺ -: «من شهد صلاتنا هذه - أي صلاة الفجر - ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجّه وقضى تفثه» (١) أخرجه أبو داود وغيره.
فمن لم يفعل ذلك لم يتم حجّه، هذا ما يفهم من النص.
وهذا المعنى مأخوذ بدلالة المفهوم.
ولكنّ المراد بالتمام هنا عند جمهور العلماء، الإتيان بالكمال الواجب.
واستدلوا بحديث أبي داود: «من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج» (٢).
وهذا يعني أن من جاء إلى عرفة قبل صلاة الصبح من ليلة مزدلفة فقد تم حجّه، ويسقط عنه المبيت بمزدلفة.
فيدلّ ذلك على أن المبيت بمزدلفة ليس ركنًا، فيبقى عندنا الوجوب، لورود الأمر به في الآية.
ثم يُصلي الفجر فيها.
قال المؤلف: (ويأتي المَشْعَر، فيذكر الله عندَهُ، ويقف به إلى قبل طلوع الشمس، ثم يدفع حتى يأتي بطن مُحَسِّر)
المشعر الحرام: جبل صغير معروف في مزدلفة، وعليه المسجد المبني الآن في مزدلفة.
يأتيه الحاجّ بعد صلاة الصبح فيصعد على الجبل، أو يقف عنده، يحمد الله ويكبره، ويدعوه رافعًا يديه إلى أن يُسفِرَ الفجرُ جدًا، ويكون مستقبلًا القبلة، فإذا أسفر الفجر وقبل أن تطلع الشمس، سار بسكينة كما فعل النبي - ﷺ -.
_________________
(١) حديث عروة بن مضرس، تقدم تخريجه.
(٢) هو تتمة حديث «الحج عرفة» تقدم تخريجه.
[ ٢٧٣ ]
والوقوف عند المشعر سنة مستحب وليس بواجب.
ثم ينطلق حتى يأتي بطن مُحَسِّر، وهو بطن واد عظيم فيه هلك أصحاب الفيل، وهو بين منى ومزدلفة، وليس هو من منى ولا من مزدلفة، فإذا مرَّ بهذا الوادي أسرع السير لأن النبي - ﷺ - فعل ذلك (١).
قيل لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل، والمهم أن النبي - ﷺ - لما جاء بطن مُحَسِّر أسرع السير، فنحن نتأسى به ونُسرعُ في السيِّر.
قال المؤلف: (ثم يسلكُ الطريقَ الوُسْطى إلى الجمرة التي عند الشجرة، وهي جمرةُ العقبةِ، فيرميها بسبع حصيات، يُكبِّر مع كل حصاة - مثل حصى الخذف-، ولا يرميها إلّا بعد طلوع الشمس، إلّا النساء والصبيان، فيجوز لهم قبل ذلك)
أما الطريق الوسطى، فإنها التي توصل إلى جمرة العقبة.
والجمرة التي عند الشجرة، فسّرها المؤلف، فقال وهي جمرة العقبة، ويُقال لها: الجمرة الكبرى، وهي آخر الجمرات مما يلي منى، أي أنك إذا بدأت من عند منى، فإنها ستأتيك الجمرة الصغرى ثم، الجمرة الوسطى ثم، الجمرة الكبرى، وهي جمرة العقبة.
فتكون جمرة العقبة أقرب الجمرات إلى مكة وأبعد الجمرات إلى منى، بينما الجمرة الصغرى تكون أقرب الجمرات إلى منى وأبعد الجمرات إلى مكة.
وسميت جمرة العقبة، لأنها كانت عند عَقَبة.
يأتي الحاجّ هذه الجمرة ويرميها بسبع حصيات صغيرات مثل حصى الخذف. وحصى الخذف: حصى صغيرة أكبر من حبة الحمص بقليل، وسُميت بذلك، لأنها توضع ما بين الأصبعين ويُخذف بها.
يلتقط الحاج هذه الحصيات من أي مكان شاء ولا يغسلها، فغسلها مُحدَث لا أصل له في السنة.
ويُكَبِّر عند كل رمية، فيقول: الله أكبر، ويرمي الحصى، ولا بد أن تأتي في الحوض الذي أعدَّ في ذاك المكان.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر - ﵁ -
[ ٢٧٤ ]
وأما وقت رميها، فبعد طلوع الشمس يوم العيد، وهو الأفضل ويجزئ بعد طلوع الفجر ولا يجزئ قبله، وهذا لأهل القدرة والنشاط.
وأمّا لغيرهم من الضعفاء كالنساء والصغار والمرضى، فهؤلاء لهم أن يرموا هذه الجمرة من آخر الليل.
وأمّا آخر وقت رمي جمرة العقبة، فطلوع فجر اليوم الحادي عشر.
ورمي جمرة العقبة يوم العيد واجب باتفاق الفقهاء، ويجب بتركه دم.
وإذا بدأ برمي جمرة العقبة، توقف عن التلبية، لما روى الفضل بن العباس عن النبي - ﷺ -: «أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» (١).
فالحاج إذا بدأ بالرمي تحول من التلبية إلى التكبير، فيكبِّر.
قال ﵀: (ويَحلِقُ رأسَهُ أو يُقَصِّرُهُ، فيَحِلُّ له كلُّ شيء إلا النّساء)
وقد دعا النبي - ﷺ - للمُحَلِّقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة (٢)، كما جاء في الحديث المتفق عليه.
وهذا يدلّ على أن الحلق أفضل من التقصير.
والحلق، إزالة الشعر بالكامل، وهو حكم خاص بالرجال، أمّا النِّساء فكما قال النبي - ﷺ -: «ليس على النساء حلق، وإنّما على النساء التقصير» (٣).
فتأخذ المرأة بشعرها وتجمعه ثم تقص منه قدر أنملة، أي تقريبًا ثلاثة سم فقط من آخره.
وإنّما قلنا في بداية كلامنا عن المتمتع أنّه إذا أراد أن يتحلل يُقَصِّر، ليبقى له شعر يتمكن من حلقه في هذا اليوم.
فإذا فعل ذلك، حلَّ له كل شيء حَرُم عليه بسبب الإحرام إلّا النّساء جِماعًا ومباشرة، فيَحرُم عليه جماع النساء ومباشرتهنَّ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٤٤)، مسلم (١٢١٨).
(٢) أخرجه البخاري (١٧٢٨)، ومسلم (١٣٠٢).
(٣) أخرجه أبو داود (١٩٨٤)، والدارمي (١٩٤٦)، وغيرهما
[ ٢٧٥ ]
أمّا بقية ما حُرِّم عليه من أجل إحرامه فيَحِل له بعد أن يحلق أو يُقَصِّر، وهذا الذي يُسمى عند الفقهاء بالتحلل الأول.
وقال البعض: يتحلل بعد رمي جمرة العقبة، وإن لم يحصل منه حلق ولا تقصير، فبمجرد رمي جمرة العقبة يَتحلل التحلل الأول.
ولكنّه قول ضعيف مبني على حديث ضعيف.
وأما دليل ما ذكره المصنف فقول عائشة: «كنت أُطيِّب النبي - ﷺ - لإحرامه قبل أن يُحرِم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت» (١) متفق عليه.
والشاهد منه، أنه لو كان يحل بالرمي فقط، لقالت: ولِحِلِّه قبل أن يَحلق، لكنها قالت: لِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت.
فالظاهر والله أعلم والأصح دليلًا، هو أنّه لا يتحلل التحلل الأول إلا بعد الحلق أو التقصير.
قال المؤلف - ﵀ -: (ومن حلقَ أو ذبحَ أو أفاضَ إلى البيت قبل أن يرمي، فلا حرج)
أعمال يوم النحر أربعة:
الأول: رمي جمرة العقبة.
الثاني: نحر الهَديِّ.
الثالث: الحلق أو التقصير.
الرابع الطواف بالبيت.
فهذه الأعمال الأربعة التي تعمل يوم النحر، إذا قَدَّم أحدها أو أخره - وهي أصلًا مرتبة على الترتيب الذي ذكرنا، وهي السنة -، لكن إذا قدَّم أو أخر أحد الأعمال على الآخر جاز، لأن النبي - ﷺ - عندما سُئل عن التقديم والتأخير، قال: «افعل ولا حرج» (٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٤)، ومسلم (١٣٠٦).
[ ٢٧٦ ]
لكنّ السنة - كما ذكرنا - أن تُرَتب على النحو الذي ذكرناه، لكن إن حصل من شخص نسيان أو جهل فقَدَّم أو أخر، فلا حرج عليه.
وقد قيد بعض أهل العلم الجواز هنا بالنسيان أو الجهل،
وأطلقه البعض، فقال: يجوز التقديم والتأخير في أعمال يوم النحر.
قال: (ثم يرجع إلى منى، فيبيت بها لياليَ التشريقِ، ويرمي في كلِّ يومٍ من أيام التشريق الجمرات الثلاث بسبعِ حصيات، مبتدئًا بالجمرة الدنيا، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة)
قبل أن يرجع الحاج إلى منى - كما ذكر المؤلف -، فإنه ينحر بعد رمي جمرة العقبة، فالترتيب أن يرمي جمرة العقبة ثم ينحر الهدي إن كان معه بدنة، أو يذبح إن كان معه بقرة أو شاة، ثم يَحلِق رأسه أو يُقَصِّر ثم يطوف طواف الإفاضة، فإذا فعل ذلك حلَّ له كل شيء.
فهكذا يكون الترتيب العملي لأعمال الحجّ.
وقلنا: ينحر إن كان معه بدنة، والبدنة هي الإبل - الجمل -، ويذبح إن كان معه بقرة أو شاة، لأن البقرة تذبح والإبل تنحر.
فإذا انتهى من كل هذا، فيبيت في منى - كما قال المصنف - ليالي التشريق.
فالليلة الأولى من ليالي التشريق هي التي بعد نهار العيد، إذا غربت الشمس. فيبيت الحاجّ ثلاث ليالٍ يرمي في كل ليلة الجمرات الثلاث، يبدأ بالصغرى التي هي مما يلي منى، ثم الوسطى ثم الكبرى التي هي جمرة العقبة، ويرمي كل واحدة بسبع حصيات كما رمى أول مرة جمرة العقبة.
ووقت رمي هذه الجمرات يبدأ من زوال الشمس إلى الغروب، ويُجزئ إلى طلوع فجر اليوم التالي.
ومن فاته رميٌ، رماه في أيام التشريق.
ورمي الجمرات واجب يجب بتركه دم.
ويُرمى عن العاجز والصغير، يَرمي عنهم من كان قادرًا على الرمي.
[ ٢٧٧ ]
والمبيت بمنى واجب في الليالي الثلاث، أو ليلتي الحادي عشر والثاني عشر لمن أراد أن يتعجل.
فلك الخيار إما أن تبيت ثلاث ليالٍ في منى أو أن تبقى ليلتين - الحادية عشرة والثانية عشرة - فقط وتتعجل وتترك الأخيرة لقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه لمن اتقى﴾، فتخرج قبل غروب شمس الليلة الثالثة، ومن بقي إلى ما بعد غروب شمس اليوم الثاني، فلا يجوز له أن يتعجل لأن اليومين قد فاتاه.
ويسقط هذا المبيت بمنى عن ذوي الأعذار كرعاة الإبل والسقاة ومن شابههم كالحرس وغيرهم، فلا يلزمهم بتركه شيء لا دم ولا غيره.
قال المؤلف ﵀: (ويُستحب لمن يحجُّ بالناسِ أن يَخْطُبَهُم يومَ النحر، وفي وَسَطِ أيام التشريق)
أي يستحبُّ لأمير الحجاجّ أن يخطُب بهم يوم النحر ووسط أيام التشريق على ما ذكر المؤلف، لفعل رسول الله - ﷺ - لذلك.
فأمَّا يوم النحر فحديثه في «الصحيحين» عن البراء وغيره قال: «خطب النبي - ﷺ - الناس يوم النحر» (١)، فهذا يدل على أن الخُطبة يوم النحر سنة.
وأما خُطبة وسط التشريق، فورد فيها حديث عند أبي داود عن سرَّاء بنت نبهان قالت: «خطبنا رسول الله - ﷺ - يوم الرؤوس فقال: «أي يوم هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «أليس أوسط أيام التشريق ..» (٢) الحديث.
ولكنه ضعيف فيه ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين، مجهول.
وفي الباب أيضًا حديث أبي حَرَّة، وفيه: علي بن زيد بن جُدعان ضعيف، وقال أبو زرعة: «لا يسمى أبو حرَّة ولا عمه ولا أعرف له إلا هذا الحديث الواحد» انتهى.
وحديث الرجلين من بني بكر أعله ابن القطان الفاسي في «الوهم والإيهام».
فإذن يُستحب لمن يحجُّ بالناس أن يخطُبهم يوم النحر فقط.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٦٨)، ومسلم (١٩٦١).
(٢) أخرجه أبو داود (١٩٥٣)، وابن خزيمة (٢٩٧٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٩٦٨١).
[ ٢٧٨ ]
قال المؤلف: (ويطوف الحاجُّ طواف الإفاضة - وهو طواف الزيارة - يوم النحر)
أجمع المسلمون على أن هذا الطواف ركن من أركان الحجّ (١)، فإذا لم يفعله بَطُل حجه، قال تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾.
ويُسمى طواف الإفاضة وطواف الزيارة.
وأول وقته نصف الليل من ليلة النحر ولا حَدَّ لآخرهِ، وقال البعض: آخره آخر أشهر الحج، وأفضل أوقاته يوم النحر.
ولكن لا تَحلُّ النساء للحاج حتى يطوف بالبيت هذا الطواف.
قال المؤلف - ﵀ -: (وإذا فَرَغَ من أعمال الحجِّ وأرادَ الرجوعَ، طافَ للوداعِ وجوبًا، إلّا أنّه خُفف عن الحائض)
ويُسمى هذا الطواف طواف الوداع، وهو واجب، فلا يجوز خروج الحاجّ من مكة إلا بعد هذا الطواف، دلَّ على ذلك حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يَنْفِرَنَّ أحدٌ، حتى يكون آخر عهده بالبيت» (٢).
وأما الحائض فقد رَخَّصَ لها رسول الله - ﷺ - في تركه، ففي حديث ابن عباس المتقدم في رواية أخرى قال: «أُمِرَ الناس أن يكون آخرُ عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفف عن الحائض» متفق عليه.
قال ﵀: (والهَدْيُ، أفضَلُهُ البَدَنَة، ثم البقرة، ثم الشَّاة)
الهدي، كلّ ما يُهدى إلى الحرم من حيوان وغيره.
ولكن المراد بالهدي في الحجّ، ما يُهدى إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم، أي: من الأنعام فقط.
وأفضل هذا الهدي البدنة - وهي الواحدة من الإبل-، لأن النبي - ﷺ - أهدى البُدْنَ - جمع بدنة - كما في «الصحيحين» (٣)، والنبي - ﷺ - يفعل الأفضل.
_________________
(١) انظر «المجموع» (٨/ ٢٢) للنووي.
(٢) أخرجه البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٧) من حديث ابن عباس - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (١٧١٤) من حديث أنس - ﵁ -. وأخرجه البخاري (١٥٦٨)، ومسلم (١٢١٦) من حديث جابر - ﵁ -.
[ ٢٧٩ ]
ثم تأتي البقرة بعد ذلك، قالوا: لأن البقر أنفع من الشّياه.
وأخيرًا الشّاة.
هذا الترتيب من حيث الأفضلية، أمّا من حيث الإجزاء، فكله مجزئ.
قال المؤلف: (وتُجْزِئ البدنة والبقرة عن سبعة)
أي عن سبعة أشخاص، يهدونها.
لحديث جابر في صحيح مسلم: «نحرنا مع رسول الله عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» (١).
قال: (ويجوز للمُهدي أن يأكل من لحم هديه، ويركب عليه)
فقد أكل النبي - ﷺ - من لحم هديه كما جاء في «صحيح مسلم» في حديث جابر (٢).
وأما ركوبها فلحديث أبي هريرة في «الصحيحين»: «أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يسوق بدنة فقال: «اركبها»، فقال: إنها بدنة - أي هدي- فقال النبي - ﷺ -: «اركبها»، قال: إنها بدنة، قال النبي - ﷺ -: «اركبها ويلك» (٣).
فدلَّ ذلك على جواز ركوب الهَدْي.
قال المؤلف: (ويُندب له إشْعَارُهُ وتقليدُهُ)
الإشعار، هو أن يُشقَّ أحد جنبي سَنام البدنة أو البقرة حتى يسيل دمها، ليَعلَم الناس أنّها مهداة للحرم فلا يعترضها أحدٌ.
وأما التقليد، فهو أن يُعَلِّق في عُنق الهدي نعلاَ أو نحوه، فيُعرف بها أنّه هدي.
وهما سنة مستحبة لحديث ابن عباس: «أن النبي - ﷺ - أتى ذا الحليفة فأشعر الهدي جانب السنام الأيمن، ثم أماط عنه الدم، وقلَّده نعلين» (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٣١٨).
(٢) أخرجه مسلم (١٢١٨).
(٣) أخرجه البخاري (١٦٨٩)، ومسلم (١٣٢٢).
(٤) أخرجه مسلم (١٢٤٣).
[ ٢٨٠ ]
قال ﵀: (ومن بعث بهدي، لم يَحْرُمْ عليه شيء مما يَحرُم على المُحرِم)
لحديث عائشة في «الصحيحين»، قالت: «إن النبي - ﷺ - كان يهدي من المدينة ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المُحرِم» (١).
فإذا أرسل شخصٌ هديًا إلى مكة ولم يكن هو مُحرِمًا أصلًا، فهذا لا يَحرُم عليه ما يَحرُم على المُحرِم، والدليل فعل رسول الله - ﷺ -.