قال: (وتجِبُ الصلاةُ على الميِّتِ)
وجوبًا كفائيًا، فقد أمر بها - ﷺ - في غير ما حديث، قال لأصحابه: «صلّوا على صاحبكم» (٣)، وثبت في «الصحيح» أن الصحابة صلّوا على المرأة التي كانت تقم المسجد، ولم يُعلموا النبي - ﷺ - (٤). فدلّ ذلك على أن هذا الواجب كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين ولا يجب على جميع من سمع به أن يصلي عليه.
قال المؤلف: (ويقومُ الإمامُ حِذاءَ رأسِ الرَّجلِ ووَسَطِ المرأةِ)
أي أن الإمام عندما يريد أن يصلي على الميت، فإن كان الميت رجلًا، فيقوم الإمام عند رأسه، وإن كانت امرأة فيقوم عند وسطها، لحديث أنس أنه صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه، فلمّا رُفعت أُتي بجِنازة امرأة فقام عند وسطها، فلمّا سألوه عن فعله هذا، وقالوا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٤١١)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٠٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٣ - ٢٠) وغيرهم عن جابر - ﵁ -. وأخرجه البيهقي (٣/ ٥٦٨)، وروي عن عباس بن محمد، قال: سمعت يحيى بن معين، وذاكرته يعني هذا الحديث، فقال يحيى: لم يرفعه إلا يحيى بن آدم، قال يحيى: ولا أظن هذا الحديث إلا غلطًا.
(٢) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٣).
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٨٩)، ومسلم (١٦١٩).
(٤) أخرجه البخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦).
[ ١٤٣ ]
له أهكذا كان رسول الله - ﷺ - يقوم من الرجل حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم (١).
وفي حديث سمرة بن جندب، أن امرأة ماتت في بطن، فصلى عليها النبي - ﷺ - فقام وسطها (٢).
فدلّ ذلك على أن هذا الفعل سنة عن النبي - ﷺ -.
قال المؤلف ﵀: (ويُكَبِّرُ أربعًا أو خمسًا)
الصحيح الثابت عنه - ﷺ - هو ما ذكره المؤلف فقط لا زيادة وهو التكبير أربعًا أو خمسًا.
أما الأربع فأحاديثها في «الصحيحين» (٣).
وأما الخمس فورد فيه حديث عن زيد بن أرقم في «صحيح مسلم» أنه كان يُكبر على الجنائز أربعًا، قال: ثم إنه كبر على جنازة خمسًا، فسُئل عن ذلك فقال: كان رسول الله - ﷺ - يُكبرها (٤).
فعمل زيد بن أرقم من تكبيره خمسًا، يدل على أن هذا الحكم غير منسوخ وإنما هو سنة ثابتة، لأن زيد بن أرقم علم الأربع وعلم الخمس، فدلّ ذلك على أنه من اختلاف التنوع الذي يفعل تارةً على صورةٍ، وتارةً على صورةٍ ثانيةٍ.
أما الست والسبع فلم يرد فيها حديث مرفوع، بل وردت بعض الموقوفات عن بعض الصحابة منها ما هو صحيح ومنها ما ليس بصحيح، والحجة فيما فعله - ﷺ - لا فيما فعله غيره.
وأما الثمان فلا أعرف شيئًا يثبت فيها.
وأما التسع فورد فيها حديث: أن النبي - ﷺ - صلى على حمزة بتسع تكبيرات (٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٠/ ٣٨٠)، وأبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١٠٣٤)، وابن ماجه (١٤٩٤) وغيرهم.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٢)، ومسلم (٩٦٤).
(٣) ومنها حديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجه البخاري (١٣٣٣)، ومسلم (٩٥١)، انه كبّر على النجاشي أربعًا.
(٤) أخرجه مسلم (٩٥٧).
(٥) أخرجه الطحاوي في «معاني الآثار» (٢٨٨٧)، من رواية يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه يعني عن عبد الله بن الزبير - ﵁ -. وأخرجه ابن شاهين في كتابه: من حديث ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، أن الزبير - ﵁ - قال: "صلى النبي - ﷺ - على حمزة فكبر سبعًا"، وقال البغوي: حفظي أنه قال: عن عبد الله بن الزبير. كذا في نخب الأفكار لبدر الدين العيني. وله شاهد من حديث ابن عباس ضعيف، انظر تحقيق القول في الأحاديث التي أثبتت الصلاة على حمزة في البدر المنير (٥/ ٢٤٣) لابن الملقن.
[ ١٤٤ ]
لكن أحاديث الصلاة على حمزة قد استنكرها غير واحد من العلماء، ذكروا أنها منكرة مخالفة لما هو أصح منها، فلا يصح في التكبيرات إلا الأربع والخمس فقط.
قال المؤلف ﵀: (ويقرأُ بعد التكبيرةِ الأولى الفاتحة وسورة)
أما قوله (الفاتحة) فنعم، فقد ورد فيها حديث عن ابن عباس أنه صلى على جِنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال بعدما قرأها: ليعلموا أنها سنة (١)، أي سنة عن النبي - ﷺ -، فيكبر المرء التكبيرة الأولى ويقرأ بعدها فاتحة الكتاب.
وأما قوله (وسورة)، فلا يصحُّ فيها شيءٌ، جاء ذكرها في حديث ابن عباس السابق في «صحيح البخاري» الذي فيه ذكر قراءة الفاتحة، جاءت رواية خارج «صحيح البخاري» قال فيها: «إنه قرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة وجهر»، قال البيهقي - ﵀ -: ذكر السورة غير محفوظ - أي هي زيادة شاذة - أي أنها شاذة - والصواب خلافها.
وكذلك قوله في نفس هذا الحديث: «وجهر» أي جهر بفاتحة الكتاب، وهي أيضا زيادة غير محفوظة.
والمحفوظ هو الذي في «الصحيح»: «أن ابن عباس قرأ بفاتحة الكتاب وقال: ليعلموا أنها سنة».
قال ﵀: (ويدعو بين التكبيرات بالأدعية المأثورة)
انتقل المؤلف - ﵀ - من التكبيرة الأولى مع الفاتحة إلى التكبيرات الثلاث مع ذكر الدعاء، إشارة منه إلى أن الصلاة على النبي - ﷺ - لا تثبت في هذا الموضع، ولذلك لم يذكرها أصلًا، وهذا محل خلاف بين أهل العلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٣٥).
[ ١٤٥ ]
والصحيح إن شاء الله أنها ثابتة لحديث أبي أمامة: «أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يُكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ويُخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث، لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرًا في نفسه» (١).
ثم يدعو بعد ذلك بما ورد عن النبي - ﷺ -.
فقول أبي أمامة هنا «ثم يصلي على النبي - ﷺ -»، أُخذ منه أن الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التكبيرة الثانية مسنونة وتفعل، خلافًا لما ذهب إليه المؤلف - ﵀-، ثم بعد ذلك في التكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة - إن كبّرها - يكون الدعاء.
وأفضل الدعاء، الدعاء بما ورد عن النبي - ﷺ -، والحديث الوارد في ذلك حديث عوف بن مالك، وهو قوله - ﷺ -: «اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله وزوجًا خيرًا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار» (٢).
وأما الأدعية الواردة في أحاديث أخرى، فقال الإمام البخاري - ﵀ -: «حديث أبي هريرة وأبي قتادة وعائشة غير محفوظ، وأصح شيء في الباب حديث عوف بن مالك» (٣).
أي أنها أحاديث ليست بصحيحة، وحديث عوف بن مالك هو الحديث الذي قدمناه.
وإن دعا بما فتح الله عليه فلا بأس إن شاء الله.
قال المؤلف ﵀: (ولا يُصلَّى على الغّال)
الغّال: هو الذي سرق من الغنيمة - غنائم الحرب - قبل قسمتها على أصحابها.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ٤٩٠)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٤٨٩)، والحاكم في «المستدرك» (١٣٣١)، وأصله عند النسائي في «سننه» (١٩٨٩)، وزيادة الصلاة على النبي - ﷺ - فيه محفوظة.
(٢) أخرجه مسلم (٩٦٣).
(٣) انظر «السنن الكبرى» للبيهقي (٤/ ٦٨).
[ ١٤٦ ]
ورد في ذلك أن النبي - ﷺ - امتنع من الصلاة على الغّال في غزوة خيبر، وهذا الحديث هو الذي استدل به المؤلف على ما ذكر.
لكن في نفس الحديث قال - ﷺ -: «صلوا على صاحبكم» (١)، فيدل هذا على أن الغّال لا تترك الصلاة عليه مطلقًا، بل لابد أن يُصلى عليه كبقية المسلمين، بل أمر النبي - ﷺ - بالصلاة عليه.
وأما امتناعه - ﷺ - من الصلاة عليه، فيُدل على أنه يشرع في هذه الحالة للإمام أو لمن كانت له مكانة في نفوس الناس أن يترك الصلاة على الغّال وعلى من فعل كبيرة من الكبائر ومعصية من المعاصي وبقي عليها، ليكون زاجرًا لغيره عن هذا الفعل، فإذا عُرف أن مثل هذا الإمام أو الرجل الصالح لم يُصلِ عليه ولم يدعُ له بعد موته، فربما يكون هذا زاجرًا لغيره عن فعلته.
قال: (وقاتلِ نفسه).
لما أخرجه مسلم في «صحيحه»: «أن النبي - ﷺ -، أُتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يُصلِّ عليه» (٢).
المشاقص، جمع مِشْقَص: وهي نصل السهم، أي الحديدة التي هي رأس السهم الجارح.
وهذا كالذي قبله تمامًا، فإن قاتل نفسه مسلم - وإن كان قتل نفسه - ولكنه ارتكب عظيمة من العظائم، وجريمة كبيرة في حق نفسه، وإثم عظيم عند الله، وقد توعَّد الله فاعل ذلك بعذاب جهنم.
وورد في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: «من قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة» (٣).
وقال في حديث آخر: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوّجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا» (٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٦/ ٩)، ومالك (٢/ ٤٥٨)، وأبو داود (٢٧١٠)، والنسائي (١٩٥٩)، وابن ماجه (٢٨٤٨) وغيرهم.
(٢) (٩٧٨).
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٤٧)، ومسلم (١١٠).
(٤) أخرجه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩).
[ ١٤٧ ]
ومعنى يتوجأ - أي يطعن -.
فقاتل نفسه لا يزال يعذب في جهنم بما قتل نفسه به، ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في جبل في نار جهنم ويعذب فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا - نسأل الله العافية والسلامة.
فهذه جريمة عظيمة ينبغي أن يكون الناس على حذر منها.
ولكن قاتل النفس يبقى مسلمًا فالصلاة عليه واجبة كبقية المسلمين، ولكن - كما ذكرنا في الغال - من كان إمامًا أو رجلًا صالحًا معروفًا بين الناس وله مكانة في نفوس الناس، فهذا يشرع له أن يترك الصلاة على هذا الشخص كي يكون ذلك رادعًا لغيره.
قال المؤلف ﵀: (والكافرِ)
أي ولا تجوز الصلاة على الكافر، فالصلاة عليه غير مشروعة، إذ لا تشرع إلا على المسلم فقط، قال الله ﵎: ﴿ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾، فهذا نهي من الله ﵎ عن الصلاة على غير المسلم، وكذلك الترحم عليه والاستغفار له محرم أيضًا لقوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾، فالكافر لا يجوز الاستغفار له ولا الترحم عليه بنص هذه الآية، ولا يجوز أيضًا أن نصلي عليه، فالصلاة عليه فيها استغفار وترحم على الكافر، والكافر لا يجوز الترحم عليه ولا الاستغفار له.
وأما اليوم فهناك تجاوزات شديدة جدًا في هذه المسائل، نسأل الله ﷿ السلامة والعافية.
قال ﵀: (والشهيدِ)
أي ولا يُصلى أيضًا على الشهيد.
[ ١٤٨ ]
لكن هناك فرق بين عدم الصلاة على هذا وعدم الصلاة على الذي سبق، فهذا لا يصلى عليه لعظيم منزلته ولمكانته الرفيعة العالية، ولعدم حاجته لشفاعة أحدٍ، فهو الذي يشفع في الناس، وذاك لا يُصلى عليه لخسة منزلته وقلتها، وليكون ترك الصلاة عليه رادعًا له.
والصلاة هي شفاعة من المصلين للمُصلَّى عليه وترحم له، والشهيد هو الذي يَشفع في الناس، وليس بحاجة لشفاعتهم.
ولا يُصلى على الشهيد، لأن النبي - ﷺ - لم يُصل على شهداء أحد (١).
قال ﵀: (ويُصَلَّى على القبرِ وعلى الغائبِ)
المقصود بالصلاة على القبر هنا صلاة الجنازة، وأما الصلاة التي نهى النبي - ﷺ - عن صلاتها إلى القبر، إنما هي تلك الصلاة المعروفة، التي هي الأفعال والأقوال المخصوصة التي تؤدى في أوقات مخصوصة، صلاة الظهر أو العصر أو غيرها من الصلوات التي فيها ركوع وسجود، فهذه لا يجوز أن تُصلى لا على قبر ولا إلى قبر ولا في مقبرة كل ذلك قد نهى عنه النبي - ﷺ -، وكفى نهيًا في ذلك قول النبي - ﷺ -: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢).
أما صلاة الجنازة فصلاة أخرى ليس فيها ركوع ولا سجود، وهذه تُشرع على القبر لأن النبي - ﷺ - ثبت عنه في «الصحيحين» (٣) أنه صلى على قبر المرأة التي كانت تقمُّ المسجد - أي تنظفه - وكان الصحابة قد دفنوها بليل وكان ﵇ يريد الصلاة عليها، وكان نائمًا، فخشي أصحابه أن يزعجوه لو أيقظوه، فتركوه نائمًا وصلوا عليها في الليل ودفنوها، فلما علم النبي - ﷺ - ذهب وصلى على قبرها، وقد صحّ عنه ذلك في الصحيحين وغيرهما، وصلى معه أيضًا بعض الصحابة كما جاء في أحاديث أخرى (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٢٩).
(٣) أخرجه البخاري (٤٦٠)، ومسلم (٩٥٦).
(٤) انظر «السنن الكبرى» للبيهقي (٤٠/ ٧٩).
[ ١٤٩ ]
وأما الصلاة على الغائب فلم يحفظ عنه ﵊ أنه صلى على غائب إلا على النجاشي (١)، والسبب أن للنجاشي صفة خاصة، وهي أنه لم يصلِّ عليه أحد، فصلى عليه رسول الله - ﷺ - صلاة الغائب.
أما التوسُّعُ الذي نراه اليوم في صلاة الغائب، فكل من أراد أن يصلّيِ على آخر صلى صلاة الغائب، فهذا توسع غير مَرْضِيٍّ، فالنبي - ﷺ - لم يصلِّ على أحد صلاة الغائب إلا على النجاشي، وإلا فقد مات كثير من المسلمين بعيدًا عنه - ﷺ - ولم يصلِّ عليهم لا حاضرًا ولا غائبًا، وإنما صلى على النجاشي لأنه هو الوحيد الذي لم يُصلَّ عليه، فصلى عليه النبي - ﷺ - صلاة الغائب.
فصلاة الغائب تُشرَعُ، ولكن لمن لم يصلَّ عليه، وليس مطلقًا.