قال ﵀: (ويجبُ غَسْلُ الميِّتِ على الأحياء)
وجوبه مأخوذ من أمره - ﷺ - في المُحرِم الذي وقصته ناقته - أي كسرته فمات -، قال: «اغسلوه بماء وسدر» (١).
وقال في ابنته زينب: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، أو أكثر من ذلك» (٢).
فأمره هنا بالغسل يدل على الوجوب، لكن الوجوب هنا وجوب كفائي، فالمراد هو إيقاع الفعل فإذا وقع من البعض سقط عن الباقين، ووجوب غسله مجمع عليه كما قال النووي وغيره (٣).
قال المؤلف ﵀: (والقريبُ أولى بالقريبِ إذا كان من جنسه)
أي الذكر أولى بالذكر من أقربائه، والأنثى أولى بالأنثى من قريباتها، هذا معنى كلام المؤلف - ﵀ - فهو يشير إلى أن الأولى في تغسيل الميت هم أقرباؤه.
ودعوى الأولوية هنا تحتاج إلى دليل، ولا نعلم دليلًا صحيحًا يدل على ما ذكره المؤلف - ﵀ -، وإنما هو الاستحسان فقط، وحديث ضعيف أخرجه أحمد وغيره أن النبي - ﷺ - قال: «ليليه أقربكم إن كان يُعلم، فإن لم يكن يُعلم فمن ترون عنده حظًّا من ورعٍ وأمانة» (٤).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩) عن أم عطية الأنصارية ﵂.
(٣) «المجموع شرح المهذب» (٥/ ١٢٨).
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٤٨٨١)، والطبراني في «الأوسط» (٣٥٧٥)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (٦٦٥٨)، وفي «شعب الإيمان» (٨٨٢٨) عن عائشة. لكنه ضعيف كما ذكرنا ففي سنده جابر الجعفي، وهو معروف بالضعف.
[ ١٣٧ ]
قال ﵀: (وأحد الزوجين بالأخر)
يريد المؤلف هنا أن أحد الزوجين أولى بتغسيل الزوج الآخر، فالمرأة أولى بتغسيل زوجها والزوج أولى بتغسيل زوجته من غيرهم، هذا ما يذكره المؤلف ﵀.
أما الجواز فنعم - وهو جواز أن تغسل المرأة زوجها والزوج زوجته -، فإن عليًا ﵁ هو الذي غسّل فاطمة (١)، وصحّ عن عائشة أنها قالت: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسّل رسولَ الله - ﷺ - إلا نساؤه» (٢).
فهذا يدل على الجواز.
لكن الأولوية أمر زائد عن الجواز، وهذا يحتاج إلى دليل خاص، ولا نعرفه، فلا يوجد دليل صحيح يدل على هذه الأولوية، وقد مات في عهد النبي - ﷺ - الكثير وما كان - ﷺ - يحث على ذلك ولا يرشد إلى أنّ الزوج أولى بتغسيل زوجته أو أنّ الزوجة أولى بتغسيل زوجها.
قال المؤلف - ﵀ -: (ويكون الغسل ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر بماء وسدر)
أما السدر فهو ورق شجر النبق، يُدق ويُخلط مع الماء، فيعمل عمل الصابون إلا أنه أفضل من الصابون.
أما كون الميت يُغسَّل ثلاثًا فأكثر، فهذا لحديث أم عطية، قالت: دخل علينا رسول الله - ﷺ - حين توفيت ابنته، فقال: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني»، فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه فقال: «أشعرنها إياه» - تعني إزاره (٣).
فهذا الحديث يدل على أن أقل الغَسْلِ ثلاث مرات، لأن النبي - ﷺ - بدأ بالثلاث، فيدل على سنية هذا الأمر، والزيادة إذا احتاج الميت لذلك، أي إذا احتاج جسد الميت إلى غسل أكثر من ثلاث فيُغسَّل، ولكن يحافظ المُغَسِّلُ على الوتر فإذا احتاج إلى أربع غسلات غسّله خمس وإذا احتاج إلى ست غسلات غسّله سبع، وهكذا.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في «مستدركه» (٤٧٦٩)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (٦٦٦١) عن أسماء بنت عميس ﵂.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٦٣٠٦)، وأبو داود (٣١٤١) عن عائشة ﵂.
(٣) سبق تخريجه.
[ ١٣٨ ]
قال المؤلف: (وفي الآخرة كافور)
لحديث أم عطية المتقدم فقد قال ﵇: « واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور».
والكافور نبت طيب الرائحة، من خواصه أنه يُصلِّب الجسد.
ويجوز أيُّ طيبٍ في هذا الموضع، إلا أن الكافور أفضل، لأن النبي - ﷺ - أرشد إليه وفيه خواص زائدة عن الطيب.
قال ﵀: (وتُقدّم الميامن)
أي جهة اليمين، فيبدأ بغسل الجهة اليمنى، لحديث أم عطية في رواية عنه - ﷺ - أنه قال: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» وهذه الزيادة متفق عليها (١). ومعنى ذلك أن يبدأ بغسل أعضاء الوضوء والجهة اليمنى، ثم الجهة اليسرى بعد ذلك.
وكان ابن سيرين- وهو راوي الحديث عن أم عطية - يبدأ بمواضع الوضوء، ثم بالميامن.
قال المؤلف - ﵀ -: (ولا يُغَسَّلُ الشهيدُ)
المراد بالشهيد هو قتيل المعركة الذي يقتله الكفار، هذا هو الشهيد الذي تتعلق به الأحكام المذكورة الآن وفيما سيأتي من مسائل الجنائز، فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الشهيد (٢).
لكن أمر النيات لا يعلمه إلا الله ﵎، وما لنا إلا الظاهر، فمن قاتل من المسلمين في صفوف المسلمين ضد الكفار وقتله الكفار فيعتبر شهيدًا في الحكم، ويُعطى أحكام الشهداء، فلا يُغسَّل ولا يُكفَّن ولا يُصلى عليه كما سيأتي، فقد فعل - ﷺ - ذلك بشهداء أحد (٣).
فهذا يدل على أن الشهيد لا يُغسَّل، وهذا مذهب جمهور علماء الإسلام.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦٧)، ومسلم (٩٣٩) عن أم عطية ﵂.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤) عن أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
(٣) أخرجه أبو داود (٣١٣٥)، والحاكم (١/ ٥٢٠) وغيرهما من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.
[ ١٣٩ ]
وأما من أطلق عليه اسم شهيد من غير شهداء المعارك، كالغريق والمبطون - وهو الذي يموت بمرض في بطنه - وصاحب الهدم والمطعون - وهو من مات في الطاعون -، فهؤلاء يغسَّلون ويكفنون ويصلى عليهم بالاتفاق (١).