_________________
(١) كما تقدم في كلام ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص ٢٧، ٢٨).
(٢) ثبت عنه - ﷺ - أنه كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب. أخرجه البخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣). كذلك ثبت عنه - ﷺ - أنه في صلاة الكسوف لما عرضت عليه الجنة تقدم خطوات، ولما عرضت عليه جهنم تأخر خطوات، أخرجه البخاري (٧٤٨).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٨٩ ]
وقد قدّمنا أن العبادات يشترط لوجوبها البلوغ، لقول - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاث» ومنهم «الصبي حتى يحتلم» (١).
ولكن إن فعلها وهو مميِّز قبل البلوغ صحّت منه وأُجِر عليها.
وكذلك يشترط لها العقل لقوله - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاث ..» (٢) ومنهم المجنون حتى يعقل.
فالصغير والمجنون لا تجب عليهما، لأنهما غير مكلّفين.
قال المؤلف: (وتَسْقُطُ عَمَّنْ عَجَزَ عَنِ الإشارَةِ)
فمن لم يتمكن من فعل عمل من أعمال الصلاة سقط عنه ذلك الفعل سواء كان ركنًا أو شرطًا أو غير ذلك، لقول النبي - ﷺ -: «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب» (٣).
وأكثر ما يستطيعه المرء الإشارة فإذا لم يستطع الإشارة سقطت عنه الصلاة لقول الله ﵎ ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وقوله: ﴿لا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها﴾.
قال: (وعمّن أُغْمِيَ عليهِ حتى خَرَجَ وَقْتُها)
لأن المغمى عليه كالمجنون لا عقل له يدرك به وقت التكليف، فإذا خرج وقت الصلاة وهو على ذلك لم يكلف بها.
قال - ﵀ -: (ويصلي المريض قائمًا ثم قاعدًا ثم على جَنْبٍ)
أي يصلي قائمًا إذا قدر على ذلك، فإن لم يقدر فيصلي قاعدًا، فإن لم يقدر فعلى جنب، لحديث عمران بن حصين المتقدم.
ويكره مسح الحصى والاختصار، ولا إعادة على من فعل ذلك.
لحديث معيقيب قال: ذكر النبي - ﷺ - المسح في المسجد - يعني الحصى - قال: «إن كنت فاعلًا فواحدة» (٤)
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٣٤٣٢)، وابن ماجه (٢٠٤١) عن عائشة - ﵁ -.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٣٤٣٢)، وابن ماجه (٢٠٤١) عن عائشة - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (١١١٧) عن عمران بن الحصين - ﵁ -.
(٤) أخرجه البخاري (١٢٠٧)، ومسلم (٥٤٦).
[ ٩٠ ]
قال النووي: «اتفق العلماء على كراهة المسح، لأنه ينافي التواضع، ولأنه يشغل المصلّي» (١)
وأما الاختصار، فهو وضع اليدين على الخاصرة في الصلاة، والخاصرة الإنسان ما بين عظم الحوض وأسفل الأضلاع، بعض النساء تجلس ابنها عندما تحمله على جنبها على الخاصرة.
ودليل الكراهة حديث أبي هريرة - ﵁ -: «نهى النبي - ﷺ - أن يصلي الرجل مختصرًا» (٢)، ونهى عنه لأنه فعل اليهود.
ويكره أن يصلي ناعسًا، لقوله - ﷺ -: «إذا نعِس أحدكم وهو يصلي فليرقد، حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه» (٣).
وحديثُ النفسِ لا يُفْسِدُ الصلاة ولكنه ينقص أجرها، لحديث عمار بن ياسر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الرجل لينصرف من الصلاة، وما كتب له إلا عُشْر صلاته، تُسْعُها، ثُمْنُها، سُبْعُها، سُدْسُها، خُمْسُها، رُبْعُها، ثُلْثُها، نِصْفُها» (٤)
وإذا تثاءب في الصلاة أمسك على فمه، لقوله - ﷺ -: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك على فمه، فإن الشيطان يدخل» (٥)، وفي رواية: «فليكظم ما استطاع» (٦).
وأما حديث النهي عن تغطية الفم في الصلاة، فقد رواه ثلاثة من الرواة فيهم ضعف واختلفوا فيه، فأحدهم روى بعضه ولم يرو التغطية فيه، والآخر روى التغطية، وهذان روياه متصلًا، والثالث رواه مرسلًا (٧)
_________________
(١) «شرح صحيح مسلم» (٥/ ٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٢٠)، ومسلم (٥٤٥) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦) عن عائشة - ﵁ -.
(٤) أخرجه أحمد (٣١/ ١٧١)، وأبو داود (٧٩٦) وغيرهما.
(٥) أخرجه مسلم (٢٩٩٥) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٦) أخرجها مسلم (٢٩٩٤) عن أبي هريرة ﵁.
(٧) أخرجه أبو داود (٦٤٣)، وابن ماجه (٩٦٦) وغيرهما عن أبي هريرة ﵁.
[ ٩١ ]
ولا يتنخّم في الصلاة قِبَل وجهه ولا عن يمينه، لقوله - ﷺ -: «إذا تنخّم أحدكم فلا يتنخّمّنَّ قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى» (١).
ويقتل الحية والعقرب في الصلاة، لقوله - ﷺ -: «اقتلوا الأسودين في الصلاة، الحيّة والعقرب» (٢).
وفي «الصحيحين» قال - ﷺ -: «خمس من الدواب كلُّهُنّ فاسق يقتلن في الحرم، الفأرة، والعقرب، والغراب، والحُديّا، والكلب العقور» (٣).
وفي رواية: «كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحُديّا، والغراب، والحيّة» قال: «وفي الصلاة» أيضًا (٤)
وإذا حضر العَشاءُ وأقيمت الصلاة بدأ بالعَشاءِ، لقوله - ﷺ -: «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء» (٥).
وقال أبو الدرداء: «من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يُقْبِلَ على صلاته وقلبه فارغٌ» (٦).
ويكره أن يصلّي وهو مشمّر ثيابه أو عاقص شعره، نقل ابن جرير الإجماع على أنه لو فعله أحد لا تبطل صلاته.
والعقص، الفتل بخيط أو غيره.
ويكره كثرة الالتفات، لحديث عائشة، قالت: «سألت رسول الله - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٠٨)، ومسلم (٥٤٨) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄.
(٢) أخرجه أحمد (١٢/ ٣٣٤)، وأبو داود (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠)، والنسائي «١٢٠٢)، وابن ماجه (١٢٤٥) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨) عن عائشة ﵂.
(٤) أخرجه مسلم (١٢٠٠) عن ابن عمر، قال: حدثتني إحدى نسوة النبي - ﷺ -، فذكره.
(٥) أخرجه البخاري (٦٧١)، ومسلم (٥٥٨) عن عائشة، وأخرجه مسلم عن غيرها.
(٦) علّقه البخاري، في كتاب الأذان، باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، قبل الحديث رقم (٦٧١). قال الحافظ ابن حجر في "الفتح " (٢/ ٢٠٣): وصله ابن المبارك في " الزهد "، وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب " تعظيم قدر الصلاة " من طريقه. قلت: إسناده منقطع، فضمرة بن حبيب راويه عن أبي الدرداء لم يسمع منه، كما أفاده الذهبي، فبين وفاتيهما مائة سنة تقريبًا.
(٧) أخرجه البخاري (٧٥١) عن عائشة ﵂.
[ ٩٢ ]
ويجوز الالتفات للحاجة لعدّة أحاديث ورد فيها التفات النبي - ﷺ - وأصحابه في زمنه وهم في الصلاة (١).
ويكره افتراش الذراعين في السجود، لقوله - ﷺ -: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلبِ» (٢)، وذلك بأن يضع يديه إلى المرفقين على الأرض عند السجود كما يفعل الكلب، وقد نهينا عن التشبه بالحيوانات.
وقال ﵇: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» (٣).
وقال ﵇: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لتخطفنّ أبصارهم» (٤).
وفي هذا دليل على تحريم النظر إلى الأعلى في الصلاة.
ويكره الصلاة في ثوب يشغل المصلي أو في مكان فيه تصاوير تشغله، لحديث عائشة: «أن النبي - ﷺ - صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي الجهم، وأتوني بأنبجانيّة أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي» (٥).
والخميصة: نوع من الثياب، والأعلام: خطوط ملوّنة في الثوب، والإنبجانيّة: ثوب غليظ لا خطوط له.
وأخرج البخاري في «صحيحه» (٣٧٤) عن أنس بن مالك، قال: كان قِرامٌ لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي - ﷺ -: «أميطي عنا قِرامَك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي»
والقِرام: ستر رقيق من صوف ذو ألوان ونقوش.
_________________
(١) منها ما أخرجه مسلم (٤١٣) عن جابر - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٢)، ومسلم (٤٩٣) عن أنس بن مالك - ﵁ -.
(٣) أخرجه مسلم (٥٦٠) عن عائشة ﵂.
(٤) أخرجه البخاري (٧٥٠) من حديث أنس، ومسلم (٤٢٨) عن جابر بن سمرة - ﵁ - و(٤٢٩) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٥) أخرجه البخاري (٣٧٣)، ومسلم (٥٥٦) عن عائشة ﵂.
[ ٩٣ ]
والمراد من هذه الأحاديث إزالة كل ما يلهي عن الصلاة، ويشغل عن الخشوع فيها.