هذا لما تقدم معنا من قوله - ﷺ -: «أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة فخير تقدمونها إليه وإن يَكُ سِوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم» (٢).
فإذا حُملت الجنازة على الرقاب فمن السنة الإسراع بها.
قال النووي - ﵀ -: «واتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة إلا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره ونحوه فيتأنى» (٣).
أي إذا خشينا من مفسدة تعود على الميت فلا يُسرع بها وإلا فالسنة أن يُسرع بها.
قال ابن القيم - ﵀ -: «وأما دبيب الناس اليوم خطوةً خطوة - يعني مشيهم في الجنازة خطوة خطوة كما نرى اليوم - فبدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود» (٤).
فهذا العمل وهو المشي بالجنازة خطوة خطوة، ليس من عمل المسلمين، بل السنة أن يسرع بها كما أمر - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٤٥)، ومسلم (٩٥١).
(٢) أخرجه البخاري (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) «المجموع» (٥/ ٢٧١).
(٤) «زاد المعاد» (١/ ٤٩٨).
[ ١٥٠ ]
قال ﵀: (والَمشْيُ معها والحَمْلُ لها سُنَّةٌ)
المشي معها سنة، لأن النبي - ﷺ - كان يمشي هو وأصحابه مع الجنائز (١)، بل قال - ﷺ -: «من اتَّبَعَ جِنَازةَ مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يُصلى عليها ويَفْرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أُحُدٍ ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تُدفَن فإنه يرجع بقيراط» (٢).
فالمشي معها سنة وأجرها عظيم.
وحَمْلُها كذلك سنة، لقوله ﵇: «أسرعوا بالجنائز فان كانت صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (٣).
فقوله: «فشرٌّ تضعونه عن رقابكم» دليل على الحمل على الرقاب.
وفي رواية عند البخاري (٤): «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني »، فهذا يدل على سنية حملها على الرقاب.
وأجمع العلماء على أن حمل الجنازة فرض على الكفاية (٥).
وقد سبق وقلنا الفرض فرضان، فرض كفاية وفرض عين، ففرض العين هو الذي يجب على كل مسلم بعينه أن يعمل العمل، وأما الفرض الكفائي فهو واجب على الأمة ككل، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، فالعمل لا يُطلب من كل شخص ولكن يُطلب أن يُعَمل ولابد أن يُعمل، فإذا عمله البعض سقط عن الباقين، وإذا لم يعمله أحد أثِم كل من علم به ولم يفعله.
ولعل المؤلف يشير أيضًا إلى حديث ابن مسعود: «من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من السنة ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليَدع» (٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٨/ ١٣٧)، وأبو داود (٣١٧٩)، والترمذي (١٠٠٧)، والنسائي (١٩٤٤)، وابن ماجه (١٤٨٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٧)، ومسلم (٩٤٥).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) (١٣١٤) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٥) انظر «المجموع» للنووي (٥/ ٢٧٠)، و«شرح منتهى الإرادات» للبهوتي (١/ ٣٦٨).
(٦) أخرجه ابن ماجه (١٤٧٨)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ٤٨١)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٥١٢) وغيرهم.
[ ١٥١ ]
فيه انقطاع فهو ضعيف لا يصح ولا يعمل به.
ولا يصح في كيفية حملها ولا عدد الذين يحملونها حديث.
قال: (والمُتَقَدِّمُ عليها والمُتَأخِّرُ عنها سواءٌ)
أي لا فرق بين من مشى أمام الجنازة وهي محمولة، ومن مشى خلفها أو عن يمينها أو عن شمالها كله سواء وكله جائز إن شاء الله، فإنه لم يصح في تفضيل من مشى أمامها حديث عن النبي - ﷺ -، فيبقى الأمر على أصله في أن الكل واسع وجائز، والكل يعد متبعًا لها.
وقد ثبت المشي أمامها عن جمع من الصحابة.
قال المؤلف - ﵀ -: (ويُكْرَهُ الرُّكوبُ)
وقد ورد في ذَمِّه أحاديث لا تصح، فيبقى على الجواز، ولكن المشي وعدم الركوب هو الأفضل، فإنه الذي كان يفعله النبي - ﷺ - وأصحابه.
فالسنة إذًا المشي مع الجِنازة لا الركوب.
وأما الحديث الوارد عن النبي - ﷺ - أنه مشى مع الجنازة حتى دفنت ثم بعد ذلك أُتي بفرس وركب (١)، فإنه يدل على أن السنة هي المشي لا الركوب في أثناء حمل الجنازة.
قال المؤلف: (ويَحرُم النَّعيُ)
النعي في اللغة: هو الإخبار بموت الميت.
وقد ذهب المؤلف إلى تحريم النعي لحديث حذيفة بن اليمان عند الترمذي وغيره: «كان إذا مات له الميت قال: لا تؤذنوا به أحدًا - أي: لا تعلموا به أحدًا - إني أخاف أن يكون نعيًا إني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن النعي» (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٩٦٥)، وعند الترمذي (١٠١٤) التصريح بأنه كان ماشيًا وركب عند الرجوع.
(٢) أخرجه أحمد (٣٨/ ٤٤٢)، والترمذي (٩٨٦)، وابن ماجه (١٤٧٦) وغيرهم. والحديث ضعيف، فهو من رواية بلال بن يحيى عن حذيفة بن اليمان، وهو منقطع. قال يحيى بن معين: هو مرسل، وأشار إلى ذلك أبو حاتم الرازي أيضًا.
[ ١٥٢ ]
وورد حديث عن ابن مسعود كذلك (١)، لكنه أيضا ضعيف لا يصح.
والصحيح أنه يجوز الإخبار بموت الميت، فقد أخبر النبي - ﷺ - أصحابه بموت النجاشي (٢)، وكذلك لما مات جعفر بن أبي طالب ومن معه في المعركة أخبر الصحابة بأنه قد قُتل جعفر وقتل من معه (٣)، فدلَّ ذلك على جواز الإخبار وجواز النعي المذكور - بمعنى الإخبار بموت الميت -، خصوصًا إذا كان المُخبَر سيشارك في الصلاة على الميت أو في تكفينه أو في دفنه، فلابد من إعلامه.
فالخلاصة أن أحاديث النهي عن النعي لا تصح، والصحيح هو أن النبي - ﷺ - أخبر بموت غير واحد من الصحابة.
قال المؤلف ﵀: (والنِّياحَةُ)
أي وتَحرُم النياحة.
والنياحة، هي رفع الصوت بالندب - أي بتعديد محاسن الميت -، كما نسمع من بعض النساء عندما يموت لها ميت، تولول وتقول يا جبلي، يا حافظي، يا كذا إلخ، فهذه هي النياحة.
وقيل هو البكاء مع صوت، أي مع رفع الصوت يا ويلاه يا ويلاه كهذه الكلمات، فهذا من النياحة.
والنياحة محرمة لما جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (٤).
وقال - ﷺ -: «الميت يعذب في قبره بما نِيحَ عليه» (٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٩٨٤) موقوفًا، ومرفوعًا، وقال: الموقوف أصح، وكذا البغوي في «شرح السنة» (٥/ ٣٤٠).
(٢) أخرجه البخاري (٤٢٦٢)، ومسلم (٩٥١).
(٣) أخرجه البخاري (٤٢٦٢).
(٤) أخرجه مسلم (٩٣٤).
(٥) أخرجه البخاري (١٢٩٢)، ومسلم (٩٢٧).
[ ١٥٣ ]
لكن هذا إذا كان مُقرًا لهذا الفعل في حياته وراضيًا به.
وقال - ﷺ -: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، الفَخْرُ في الأحساب، والطَّعْنُ في الأنساب، والاسْتِسْقاءُ بالنجوم، والنِّياحَة» (١).
فأما الفخر في الأحساب، فمعناه ما يَعُدُّه الرجل لنفسه من الخصال الحميدة، كالشجاعة والكرم وغير ذلك، فيفتخر لنفسه ولآبائه ولأجداده بهذه الأفعال.
والطعن في الأنساب، إدخال العيب في أنساب الناس والطعن والغمز فيها، والتقليل من شأنها، وتحقير الرجل آباء الآخرين، فهذه من أعمال الجاهلية التي ستبقى كما أخبر النبي - ﷺ -، وهي محرمة بالطبع كونها من أعمال الجاهلية، وذكرها ﵇ تحذيرًا منها فهي محرمة.
والاستسقاء بالنجوم، أي طلب السُّقيا بالنجم، كما جاء في الحديث، فكانوا يقولون «مُطرنا بنوء كذا وكذا»، أي مطرنا بالنجم الفلاني، فهو الذي يمطرهم، وهذا أيضًا من أعمال الجاهلية.
وأما النياحة، فتقدم تعريفها.
تقول أم عطية: «أخذ علينا رسول الله - ﷺ - مع البيعة أن لا ننوح» (٢).
أي أخذ عليهم - ﷺ - عندما جاءت النساء يردن مبايعته، اشترط عليهن أن لا ينحن.
ونقل النووي - ﵀ - الإجماع على تحريم النياحة (٣).
قال ﵀: (واتِّباعُها بِنارٍ، وشَقِّ الجَيْبِ، والدُّعاء بالوَيْلِ والثُّبورِ)
أي ويَحرمُ اتِّباعُ الجِنازة بنار، ورد في ذلك حديث ضعيف عن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: «لا تُتَّبَعُ الجنازة بصوت ولا نار» (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٣٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦).
(٣) «شرح صحيح مسلم» (٦) شرح حديث رقم (٩٣٤).
(٤) أخرجه أحمد (١٦/ ٥١١)، وأبو داود (٣١٧١) وغيرهما، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه، ورجح طريقًا فيها مجهولان، وبهما أعلّه ابن الجوزي، وذكر له بعض اهل العلم شواهد لا يصح بها، فهو ضعيف.
[ ١٥٤ ]
لكن قد صحَّ من قول عمرو بن العاص أنه نهى عن اتِّباعِه بصوت أو نار (١)، وقال ابن المنذر: «وكره كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن يتبع الميت بنارٍ تُحمَلُ معه، أو أُحْمِلَ»
ثم ذكر من روي عنه النهي عن ذلك وأوصى به من السلف (٢).
وأما تحريم شق الجيب، فلقوله - ﷺ -: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٣).
وضرب الخدود، هو اللطم، أي الضرب على الخدين
وأما شق الجيوب، فالجيب، هو المكان الذي يدخل منه الرأس في الثوب، وكانت المرأة إذا أصابتها مصيبة أمسكت ثوبها وقطَّعته، وهذا محرَّم.
ودعوى الجاهلية، كالدعاء بالويل والثبور والنياحة وغيرها من أنواع الدعاء التي نهى عنها النبي - ﷺ -.
وأما تحريم الدعاء بالويل والثبور، فداخل في دعوى الجاهلية المتقدمة في الحديث الماضي.
والويل هو العذاب، والثبور هو الهلاك.
وجاء في حديث عند ابن ماجة وابن حبان «أن رسول الله - ﷺ - لعن الخامشة وجهها - التي تخمش وجهها بأظفارها - والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور» (٤)، وهو من رواية أبي أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو حديث ضعيف.
وعِلَّتُه أن أبا أسامة روى عن عبد الرحمن بن يزيد وظنَّه ابن جابر، والحقيقة أن رواية أبي أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد هي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الضعيف، لا عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وقد خفيت هذه العلة على بعض أهل العلم الأفاضل فحسّنوا الحديث، ولكن هذا الحديث ضعيف بعلته هذه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٢١).
(٢) انظر «الأوسط» (٥/ ٣٧٠) له.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٩٧)، ومسلم (١٠٣).
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٥٨٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٣١٤٦).
[ ١٥٥ ]
قال المؤلف: (ولا يَقْعُدُ المُتَّبِعُ لها حتى تَوْضَعَ)
أي أن من مشى مع الجنازة لا يجلس حتى توضع الجنازة في قبرها.
وهذا الحكم، الصحيح أنه منسوخ، فإنه كان بداية ثم نسخ بعد ذلك.
جاء في «الصحيحين» أن النبي - ﷺ - قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع» (١)، وهو ظاهر فيما ذكره المؤلف، لكن ناسخه عند مسلم من حديث علي بن أبي طالب قال: «قام النبي - ﷺ - يعني في الجنازة - ثم قعد» (٢).
وفي رواية في المسند: «ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس» (٣)، أي أن الحكم كان بدايةً ثم نسخ ورُفع، وأُذِنَ لهم بالجلوس حتى قبل أن توضع.
قال ﵀: (والقيامُ لها مَنْسوخٌ)
لما تقدم.
وقد فرَّق المؤلف - ﵀ - بين القيام للجنازة وعدم القعود للمتبع حتى توضع الجنازة، فجعل الثاني وهو القيام للجنازة منسوخًا، بينما جعل الجلوس قبل أن توضع ثابتًا وليس بمنسوخ وهذا التفريق غير صحيح، والصحيح أن هذه الأحكام كلها منسوخة كانت بدايةً ثم رفع الحكم.
ودليل النسخ ما أخرجه الطحاوي - ﵀ - من حديث علي بن أبي طالب أنه أجلس أقوامًا كانوا ينتظرون الجنازة أن توضع، فقال لهم اجلسوا، ثم قال: «إن النبي - ﷺ - قد أمرنا بالجلوس بعد القيام» (٤)، فهذا يدل على أن النسخ لاحق بالأمرين، للقيام عند مرور الجنازة أو عند المشي معها، وأيضًا للأمر بالقيام قبل أن توضع، فكله منسوخ، فيجوز أن تجلس قبل أن توضع أو بعدها، فالحكم بالقيام منسوخ على الصحيح.