بدأ المؤلف - ﵀ - هنا ببيان نواقض الوضوء التي يفسد الوضوء بحدوثها، فذكر أولًا: (ما خرج من الفرجين من عين أو ريح).
_________________
(١) قاله بمعناه في «المجموع» (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) أخرجه أحمد (٦٦٨٤)، وأبو داود (١٣٥)، والنسائي (١٤٠)، وابن ماجه (٤٢٢) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(٣) أخرجه البخاري (٣١) معلقًا، وأخرجه مالك (٢١٤)، وأحمد (٩٩٢٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٤٠ ]
و(الفرجان): القبل والدبر، وهما مخرج البول والغائط، فإذا خرج منهما شيء يُرى بالعين المبصرة، كالبول والغائط والدم والدود، انتقض الوضوء عند المؤلف.
والخارج من السبيلين نوعان:
نوع معتاد الخروج، وهو الغائط والبول والريح، والمَنِيُّ والَمذْيُ والوَدْي، فهذه ستة.
ونوع غير معتاد الخروج، كالدود والحصا والدم والشعر.
أما الدليل على انتقاض الوضوء بخروج الغائط، فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء ٤٣ والمائدة ٦].
فقوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ دليل على أن خروج الغائط من البطن ناقض للطهارة ويحتاج للوضوء، فإن لم يوجد فالتيمم.
وأما البول فدليله حديث صفوان بن عسال الذي أخرجه الترمذي وغيره، قال زر بن حبيش أتيت صفوان بن عسال أسأله عن المسح، فقال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا إذا كنّا سَفَرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيامٍ ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» (١).
أي أمرنا إذا انتقض وضوؤنا من هذه الثلاث، واحتجنا أن نتوضأ، ألا ننزع خفافنا، بل نتوضأ ونمسح عليها، لكن من الجنابة ننزع خفافنا.
والشاهد قوله: «إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم»، وهو دليل للبول والغائط أيضًا.
وأما دليل الريح فقول النبي - ﷺ -: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». متفق عليه (٢).
وخروج المني كذلك ناقض للوضوء بالإجماع.
قال ابن المنذر - ﵀ - في «الإجماع»: «وأجمعوا على أن خروج الغائط من الدبر، وخروج البول من الذكر، وكذلك المرأة، وخروج المني وخروج الريح من الدبر،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٩٦) (٣٥٣٥)، والنسائي (١٢٦)، وابن ماجه (٤٧٨) عن صفوان بن عسّال - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٧) و(١٧٧)، ومسلم (٣٦١).
[ ٤١ ]
وزوال العقل بأي وجه زال العقل، أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء» (١).
وأما المذي - وقد تقدم تعريفه - فالدليل على أنه ناقض للوضوء قول النبي - ﷺ - عندما سئل عن خروجه: «يغسل ذكره ويتوضأ» (٢).
وأما (الودي)، فماء يخرج من الذكر بعد البول، قال ابن المنذر: «وأما الودي فهو شيء يخرج من الذكر على إثر البول، والوضوء يجب بخروج البول، وليس يوجَبُ بخروجه شيء إلا الوضوء الذي وجب بخروج البول» انتهى (٣).
وقوله إن شاء الله هو الصواب.
وأما غير المعتاد الخارج من السبيلين، فإن خرج معه بول أو غائط، انتقض الوضوء بالبول والغائط، وإن لم يخرج معه بول ولا غائط فلا ينتقض الوضوء، لأن العلماء أجمعوا على طهارة المتوضئ، وهذه الطهارة لا يجوز دعوى نقضها إلا بدليل صحيح من الكتاب والسنة والإجماع، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنها نواقض للوضوء واحتجوا بالقياس.
ونحن نقول: القياس هاهنا لا محل له، لأن الطهارات عبادات تعبد الله بها خلقه غير معقولة عللها، وقد يخرج من المخرج الواحد ما يوجب الوضوء وما يوجب الغسل، وما لا يوجب شيئًا، كالبول والمني والحيض والاستحاضة، فليست العلّة هي اتحاد المخرج.
وبعض الفقهاء تجده يتكلف في استنباط واستخراج العلة مما يجعلهم يبتعدون عن الصواب.
قال المصنف - ﵀ -: (وبما يُوجِبُ الغُسْلَ)
أي ويجب الوضوء مما يوجب الغسل، كالجماع، وهو التقاء الختانين، ونزول المني، فالتقاء الختانين يوجب الغسل ويوجب الوضوء، وكذلك نزول المني.
_________________
(١) «الإجماع» (ص ٣٣).
(٢) أخرجه مسلم (٣٠٣) عن علي - ﵁ -.
(٣) «الإجماع» (١/ ٢٦).
[ ٤٢ ]
فأما نزول المني فتقدم الحديث عنه، وأما التقاء الختانين فقد جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل» (١)، وفي رواية أخرى «إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل» (٢).
هذا ما يوجب الغسل إذًا فهو ناقض على ما ذكر المؤلف.
قال المصنف: لا خلاف في انتقاضه به (٣)
قال - ﵀ -: (ونَوْمُ المُضْطَجِعِ)
الصحيح أن النوم مظِنّة لنقض الوضوء وليس ناقضًا للوضوء، أي أن النوم ليس كخروج البول مثلًا وليس كخروج الغائط، هو نفسه إذا خرج نقض الوضوء، بل احتمالية نقض الوضوء مع النوم واردة، فمن الجائز أن يخرج ريح من النائم، وقد لا يخرج، فينتقض وضوؤه إذا خرج وهو لا يشعر، فلما كان النوم مَظِنة لنقض الوضوء، صار لا بد من الوضوء منه.
دلّ على ذلك حديث صفوان بن عسّال المتقدم: «ولكن من غائط وبول ونوم».
فهذا يدل على أن النوم ناقض للوضوء
وصحّ عن أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال: «إنهم كانوا ينامون فَتَخْفِقَ رؤوسُهم ثم يصلّون ولا يتوضؤون» (٤).
وهذا يدل على أن النوم غير ناقض للوضوء.
فاختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين الأحاديث، فبعضهم ذهب إلى ما ذهب إليه المصنف وهو التفريق بين من نام جالسًا ومن نام مضطجعًا.
قالوا: من نام جالسًا لا يخرج منه الريح بخلاف المضطجع.
_________________
(١) البخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم (٣٤٩) عن أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
(٣) «الدراري المضيئة» (١/ ٥٠) للمصنف.
(٤) أخرجه مسلم (٣٧٦) عن أنس - ﵁ -.
[ ٤٣ ]
والصحيح: أن الجالس إذا كان مستغرِقًا في النوم يخرج منه الريح وهو لا يشعر، وإن كان جالسًا.
وبما أن النوم مَظِنة الحدث، فإذا نام بحيث لو انتقض وضوءه شعر بنفسه، فإن وضوءه باق، وإذا نام بحيث لو أحدث لم يشعر بنفسه، فقد انتقض وضوءه، وبهذا تجتمع الأدلة، وبهذه الطريقة جمع شيخ الإسلام ابن تيمية بينها.
وقد حصلت قصة طريفة مع أحد العلماء الذين قالوا بقول المصنف، فقد كان في مجلس وكان بجانبه أحد الطلبة نائمًا فأخرج هذا الطالب ريحًا وهو جالس، فجاء وقت الصلاة، فقال هذا العالم لذاك الرجل: قم فتوضأ، قال له الطالب: - وهو يدرس عنده يعني أخذ مذهبه-: لقد كنت جالسًا متمكنًا، قال له: قُم فقد سمعت وشممت، وإني أُشهدكم أني رجعت عن قولي.
قال - ﵀ -: (وأكْلُ لَحْمِ الإبِلِ)
وأكل لحم الإبل ينقض الوضوء، لحديث جابر بن سمرة، أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت، فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ» قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم، فتوضأ من لحوم الإبل» قال أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم»، قال أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» (١).
فرّق النبي - ﷺ - في هذا الحديث بين أكل لحم الغنم وأكل لحم الإبل، مما يدل على أن هذا الحديث جاء بعد نسخ الوضوء مما مسَّت النار.
وبعض أهل العلم يقول: الوضوء مما مست النار مرّ بمرحلتين:
المرحلة الأولى: كان واجبًا عليهم أن يتوضأوا إذا أكلوا ما مسته النار، كاللحم مثلًا.
ثم بعد ذلك نسخ هذا الحكم، فجاء في الحديث أنه كان آخر الأمرين عدم الوضوء مما مسته النار.
فقال بعض أهل العلم هذا الأمر بالوضوء من لحم الإبل من المنسوخ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٦٠).
[ ٤٤ ]
فرد عليهم المخالفون، وقالوا: لقد فرق النبي - ﷺ - بين الأكل من لحم الغنم والأكل من لحم الإبل، فلو كان الأمر كما قلتم فكيف أباح النبي - ﷺ - الأكل من لحم الغنم وهو أيضا مما مست النار؟ !
فقولهم هذا ضعيف مخالف للدليل.
وأسعد الناس بهذا الحديث أهل الحديث، فإنهم هم الذين يُفتون بما يقتضيه.
وقد قال الإمام الشافعي - ﵀ -: «إن صح الحديث بذلك قلت به»، وقد صح، وهو في «صحيح مسلم».
قال - ﵀ -: (والقَيْءُ ونَحْوِهِ)
(القيء): ما قذفته المعدة ونحوه: كالقَلَس، والقَلَس: هو ما خرج من الجوف ملء الفم أو دونه، وليس بقيء وهو ما يشعر به الإنسان أحيانًا من خروج عصارة المعدة. وكالرعاف، وهو الدم يخرج من الأنف.
احتج المؤلف - ﵀ - على أن هذه الأشياء ناقضة للوضوء بما أخرجه الترمذي وغيره أن النبي - ﷺ - قاء فتوضأ (١)، وبحديث عائشة أن النبي - ﷺ - قال: «من أصابه قيء أو رعاف أو قَلَس أو مَذْي فليتوضأ» أخرجه ابن ماجه وغيره (٢).
والحديثان ضعيفان، فيبقى الأصل قائمًا، والصحيح أنه لاشيء مما ذكرنا في قوله: (والقيء ونحوه) ينقض الوضوء.
قال: (ومسِّ الذَّكَرِ)
وردَ في مس الذكر أحاديث متعارضة،
منها: حديث بسرة بنت صفوان أن النبي - ﷺ - قال: «من مسّ ذكره فليتوضأ» (٣)، وحديث طلق بن علي: «إنما هو بِضْعةٌ منك» (٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١٧٠١)، والترمذي (٨٧) عن أبي الدرداء - ﵁ -. أعله البيهقي في «الخلافيات» بالاضطراب ويعيش بن الوليد. انظر «البدر المنير» (٥/ ٦٦٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٢٢١)، والبيهقي في «الكبرى» (٦٦٩)، وفي «المعجم الأوسط» للطبراني (٥٤٢٩)، وهو غير محفوظ كما قال البيهقي.
(٣) أخرجه أبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢)، والنسائي (١٦٣)، وابن ماجه (٤٧٩).
(٤) أخرجه أبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١٦٥)، وابن ماجه (٤٨٣). انظر أقوال العلماء في حديثي بسرة وطلق في «البدر المنير» (٢/ ٤٥١).
[ ٤٥ ]
والصحيح أن هذه الأحاديث لا يثبت منها شيء، ولا تثبت الأحكام الشرعية بمثلها، فيبقى الأمر على أصله، وهو أن مس الذكر ليس ناقضًا للوضوء. والله أعلم.
وكذلك مس المرأة ليس ناقضًا للوضوء، لأن قول الله ﵎: ﴿أو لامستم النساء﴾ يراد به الجماع على الصحيح، فإن الله ﵎ يكني عن الجماع بما شاء، وقد كنّى عن الجماع بالمس في مواضع أخرى، فنقول بما قاله ابن عباس - ﵁ - في هذا: أن الملامسة هنا بمعنى الجماع، وبناءً على ذلك فمس المرأة لا يكون ناقضًا للوضوء، ويبنى على ذلك أن المرأة إذا غيَّرت لابنها ومست ذكره أو مست دبره لا يعتبر هذا ناقضًا لوضوئها، ويجوز لها أن تصلي بعد أن تغسل يديها من النجاسات.