(الوضوء) لغة: مشتق من الوضاءة، وهي الحسنُ والنظافة والنقاوة.
وفي الشرع: هو التعبد لله بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة، فماهيَّة الوضوء متركبة من هذه الأعضاء الأربعة فهي أركانه وأساساته كما سيأتي.
وقيل: إيصال الماء إلى الأعضاء الأربعة مع النية.
حكم الوضوء: الوضوء واجب للصلاة، لقوله ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾.
والوضوء شرط لا تصح الصلاة إلا به، لقوله - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٣).
وقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد المرء إليها السبيل» (٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤٢/ ١٢٤)، وأبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، وابن ماجه (٣٠٠).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٠١).
(٣) أخرجه البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم (٢٢٥) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) «الإجماع لابن المنذر» (ص ٣٣).
[ ٣١ ]
ووجوب الوضوء على المحدث فقط، وأما من لم يحدث فصلاته مقبولة، لأن النبي - ﷺ - صلى يوم الفتح الصلوات كلها بوضوء واحد، وقال: «عمدًا صنعته» (١) أي ليبين الجواز.
وجاء عن أنس - ﵁ - أنه قال: إن النبي - ﷺ - كان يتوضأ لكل صلاة فقيل له: وأنتم؟ قال: نحن كنا نصلي أكثر من صلاة بوضوء واحد (٢) - وهذه سنة تقريرية -.
وإذا أخذنا بالآية - ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ - هكذا على ظاهرها كان واجبًا على كل من أراد أن يصلي أن يتوضأ سواء كان متوضئًا أو غير متوضئ لكن لما ورد عن النبي - ﷺ - أن هذا ليس بلازم احتجنا إلى تفسير لهذه الآية وصرف لها عن ظاهرها، فقدّر أهل العلم أن معناها: «إذا قمتم إلى الصلاة محْدِثين فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق».
وهذا تقدير جمهور علماء الإسلام عملًا بجميع الأدلة الواردة في ذلك.
فالوضوء واجب على المحدِث إذا أراد أن يصلي، ومستحب للمتوضئ تجديد وضوئه، لأن النبي - ﷺ - كان يتوضأ عند كل صلاة كما جاء في حديث أنس (٣).
قال المؤلف - ﵀ -: (يجبُ على كل مكلَّف أن يسمي إذا ذكر)
يقرر المؤلف - ﵀ - هنا وجوب التسمية في الوضوء.
والعلماء تارة يطلقون الوجوب ويريدون الركن الذي لا يصح العمل إلا به، وتارة يطلقون الوجوب الذي يصح العمل مع عدم وجوده، ولكن تاركه يأثم، ويريدون الواجب الذي هو بمعنى ما أمر به الشارع أمرًا جازمًا.
ومعلوم أن الأحكام الشرعية واجبة على المكلّفين، أما غير المكلّف فلا تجب عليه، لأن القلم مرفوع عنه.
و(المكلّف): هو البالغ العاقل.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٧) عن بريدة - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٢١٤).
(٣) تقدم قبل قليل.
[ ٣٢ ]
وأما التسمية في الوضوء، فاختلف أهل العلم في حكمها، فقال بعضهم بالوجوب وقال البعض بالاستحباب، وقال البعض بالبدعية، وسبب الخلاف صحة الأحاديث التي وردت فيها وفهمها.
فمن قال بالوجوب كما قال المؤلف، احتج بقول النبي - ﷺ -: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» أخرجه أبو داود وغيره (١).
وهذا الحديث يدلّ على أن التسمية شرط في الوضوء لا يصحّ الوضوء إلا بها.
واستثنى ﵀ الناسي، للأدلة الواردة التي تدل على أن الناسي غير مؤاخذ.
لكن هذا الحديث ضعيف ضعّفه جمع من علماء العلل المتقدّمين، بل قال الإمام أحمد - ﵀-: «لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد».
وفي رواية عنه: «ليس فيه حديث يثبت»، فضعّف بذلك جميع الأحاديث التي تدل على ما دل عليه هذا الحديث.
فإذا لم يصح فيه شيء فلا معنى لإبطال عبادة الناس بغير دليل صحيح.
بل لو كانت البسملة مستحبة في هذا الموضع لنقل إلينا ذلك، فالأحاديث التي رواها عثمان وعلي وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة التي فيها دقائق أفعال الوضوء ليس في شيء منها ذكر البسملة بإسناد يعتمد عليه. والله أعلم.
قال - ﵀ -: (ويتمضمضَ ويستنشقَ)
ذهب المؤلف - ﵀ - إلى وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء.
و(المضمضة) معروفة، وهي أن يجعل الماء في فمه ثم يديره ثم يمجّه.
و(الاستنشاق): إدخال الماء في الأنف.
و(الاستنثار): إخراج الماء من الأنف.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٥/ ٢٤٣)، وأبو داود (١٠١)، وابن ماجه (٣٩٩) عن أبي هريرة - ﵁ -. أعلّه البخاري بالانقطاع، وله طرق كلها معلّة. انظرها في «البدر المنير» (٢/ ٦٩).
[ ٣٣ ]
واستدل من قال بالوجوب بقول النبي - ﷺ -: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر» (١) متفق عليه.
وأخرج أصحاب السنن عن لقيط بن صَبِرة أن النبي - ﷺ - قال: «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا» (٢).
وكذلك قالوا أمر الله تعالى في كتابه بغسل الوجه في الوضوء، والفم والأنف من جملة الوجه.
والصحيح أن المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل، لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾.
قالوا: الفم والأنف من الوجه، قلنا: لا نسلّم لكم بهذا، لأن الوجه عند العرب ما حصلت به المواجهة، والفم والأنف إدخال الماء فيهما، وليس مما هو مواجه، فالأنف من الخارج من الوجه، والفم من الخارج من الوجه، وأما من الداخل، فلا.
وقال بالذي قلناه، الإمام الشافعي والحسن البصري والزهري والحكم وقتادة ومالك والأوزاعي والليث بن سعد ورواية عن الإمام أحمد.
وأما ما ذكروا من أحاديث، فهي على الاستحباب، والذي صرفها عن الوجوب ما جاء في الآية، فإنها مُبَينة ليس فيها إجمال ولا تحتاج إلى بيان، فذَكر الله ﷾ فرائض الوضوء فيها ولم يذكر المضمضة والاستنشاق.
قال - ﵀ -: (ثم يغسلُ جميعَ وجهِهِ)
غسل الوجه ركن من أركان الوضوء لا يصح إلا به، فهو مذكور في الآية.
والوجه في اللغة: ما حصلت به المواجهة.
وحدّه من أعلى الجبهة، من منبت الشعر إلى منتهى الذقن طولًا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن الأخرى عرضًا، وأجمع العلماء على وجوب غسله (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦١)، ومسلم (٢٣٧) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦/ ٣٠٩)، وأبو داود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي (٨٧)، وابن ماجه (٤٠٧).
(٣) انظر «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٣٦).
[ ٣٤ ]
لكن كما هو معلوم فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولن تتمكن من غسل جميع الوجه الذي أُمرت بغسله إلا بغسل شيء من الشعر وقليل من أسفل الذقن.
ثم قال - ﵀ -: (ثم يَدَيْهِ مع مِرْفَقَيْهِ)
أي يغسل بعد وجهه يديه مع المرفقين، والمرفقان، هما المفصلان بين العضد والذراع، وهو الموضع التي ينثني عندك في نصف اليد تقريبًا، والذي يُسَهِّلُ عليك ثني اليد.
والوارد في الآية ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وكلمة «إلى» في اللغة تدل على غاية الشيء، لكن هل هذا الشيء الذي انتهينا إليه يدخل فيما أُمرنا به أم لا يدخل؟
في دخوله احتمال، لكن وردت السنة ببيان أنه داخل، فإن النبي - ﷺ - كان يغسلهما في وضوئه، وورد عن نُعيم أنه قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ قال: «فغسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد وغسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد» (١)، يعني حتى بدأ بغسل العضد.
إذًا دخل المرفق في الغسل، فتبين لنا بهذا أن غسل اليدين يكون مع المرفقين.
ومهم أيضًا أن ننبِّه على أن غسل اليدين يبدأ من الأصابع من البداية إلى المرفقين، وليس من الرسغ، وكثير من الناس يبدأ بالرسغ ويُكمل إما لجهله بوجوب غسل اليدين، أو اعتمادًا على غسل الكفين في بداية الوضوء، وهذا خطأ، فاليد التي ذُكرت في الآية تشمل الكف.
فالغسل يجب أن يبدأ من رؤوس الأصابع إلى المرافق.
ثم قال - ﵀ -: (ثم يمسحُ رأسَهُ)
وهذا أيضًا من أركان الوضوء لا خلاف في وجوبه، والخلاف حاصل في وجوب مسحه كله، أم بعضه؟
الرأس هو ما اشتملت عليه منابت الشعر المعتاد.
وهذه التعريفات الدقيقة توصلك إلى معرفة الواجب بسهولة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٤٦)، وقال في آخره: «هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ».
[ ٣٥ ]
هل الواجب مسح جميع الرأس أم مسح بعضه؟
اختلف أهل العلم في ذلك، وسبب الاختلاف هو اختلافهم في فهم آية ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ هل الباء هذه باء زائدة أم تبعيضية أم للإلصاق؟
الآية تحتمل هذا وهذا، وأما السنة فلم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه مسح بعض رأسه إلا مع العمامة.
والمسح يكون بالبدء بمقدم الرأس إلى أن يصل بيديه إلى القفا، ثم يرجع بهما إلى مقدّم رأسه، كما ورد في الأحاديث (١).
والمرأة كالرجل في مسح رأسها، وإذا كان لها ذيل فلا يجب عليها أن تمسح ذيلها.
قال - ﵀ -: (مع أذنيه)
أي يمسح أذنيه مع رأسه، ثبت ذلك عن النبي - ﷺ - (٢).
ويحتج من يقول بوجوب مسح الأذنين بقول النبي - ﷺ -: «الأذنان من الرأس» (٣)، وهو حديث مختلف فيه.
ومسح الأذنين يكون بمسح ظاهرهما وباطنهما، كما صحّ عن المقدام بن معدي كرب قال: إن النبي - ﷺ - مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما (٤).
وطريقة المسح، أن تضع إبهام اليد خلف الأذن، والسبابة في داخلها، وتبدأ من الأسفل وترتقي إلى الأعلى ثم ترجع إلى الأسفل، فهذه هي الكيفية التي أخذناها عن علمائنا.
وهل مسح الأذنين واجب كوجوب مسح الرأس أم لا؟ حصل في هذا نزاع بين أهل العلم، وسبب النزاع، هل مسح بعض الرأس يكفي أم لا؟ فالذي قال بأن مسح بعض الرأس يكفي لم يقل بوجوب مسح الأذنين.
وكذلك حديث «الأذنان من الرأس» أيضًا كان سببًا في هذا الخلاف.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥) عن عبد الله بن زيد - ﵁ -.
(٢) أخرجه أحمد (٢٨/ ٤٢٥)، وأبو داود (١٢١) وغيرهما عن معدي كرب - ﵁ -.
(٣) أخرجه أحمد (٣٦/ ٦١٣)، وأبو داود (١٣٤)، والترمذي (٣٧)، وابن ماجه (٤٤٤) وغيرهم عن أبي أمامة - ﵁ -.
(٤) تقدم تخريجه، وانظر طرقه في «البدر المنير» (٢/ ٢٠٧).
[ ٣٦ ]
والخلاف قوي في صحة حديث: «الأذنان من الر أس». والله أعلم
ثم قال - ﵀ -: (ويجزئ مسح بعضه)
يرى المؤلف أن مسح بعض الرأس مجزئ، لكن كما ذكرنا فإنه لم يرد عن النبي - ﷺ - أنه مسح بعض رأسه إلا مع العمامة، فنتقيد بفعل النبي - ﷺ -.
ثم قال - ﵀ -: (والمسح على العمامة)
أي ويجوز المسح على العمامة، والعمامة: ما يُلفُّ على الرأس.
وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه مسح على العمامة (١)، وصحّ عنه أنه مسح على ناصيته - أي مقدّم رأسه - وعلى العمامة (٢).
قال - ﵀ -: (ثم يغسل رجليه مع الكعبين)
غسل الرجلين وارد في الآية، وهو ركن من أركان الوضوء، وغسل الرجلين مع الكعبين هو الثابت عن النبي - ﷺ - (٣).
قال عبد الله بن عمرو: تخلّف عنّا رسول الله - ﷺ - في سَفْرَةٍ، فأدركَنا وقد أرهَقَنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثًا. متفق عليه (٤).
و(العقب): مؤخر القدم، والكعبان: العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم.
والحديث يدلّ على وجوب غسل جميع القدم.
وأما دليل غسل الكعبين مع الرجلين، فحديث أبي هريرة، قال نعيم: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٥) عن عمرو بن أمية - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٤) عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -.
(٣) فائدة: قال ابن حزم: «واتفقوا أن إمساس الرجلين المكشوفتين الماء لمن توضأ فرض، واختلفوا أتمسح أم تغسل. «مراتب الإجماع» (ص ١٩).
(٤) أخرجه البخاري (٦٠)، ومسلم (١٤١) عن عبد الله بن عمرو - ﵁ -.
[ ٣٧ ]
الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ (١).
قال - ﵀ -: (وله المسحُ على الخُفَّيْنِ)
أي يجوز له المسح على الخفين، والخفّ هو ما يلبس في الرجل من جلد رقيق.
وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه مسح على خفّيه. والثابت عنه أنه مسح أعلى الخف.
جاء عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولكنني رأيت النبي - ﷺ - يمسح على ظهر الخف (٢).
وشرط المسح على الخفين أن تلبسهما على طهارة، أي وأنت متوضئ، ودليل ذلك حديث المغيرة، فإنه أراد أن يصب الماء على قدمي النبي - ﷺ - ليغسلهما، فقال له النبي - ﷺ -: « دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» متفق عليه (٣).
وإذا كنت مقيمًا فلك أن تمسح عليهما يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ.
قال شريح بن هانئ: «سألت عائشة عن المسح على الخفين، فقالت: سل عليًا فهو أعلم مني، هو كان يسافر مع رسول الله - ﷺ -، فسألت عليًا، فقال: للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن» (٤).
قال - ﵀ -: (ولا يكونُ وضوء شرعيًا إلا بالنِّيَّة لاستباحةِ الصلاةِ)
أي لا بد من النية كي يكون الوضوء صحيحًا، فالنية شرط في صحة الوضوء، لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » الحديث.
والوضوء عبادة يُقصد بها القربة إلى الله، وليست هي فقط وسيلة بل يُقصد بها أيضًا التقرب إلى الله ﷾ فتُشتَرط لها النية.