لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢) وقد تقدم أن النية شرط من شروط صحة الصلاة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٢) وابن ماجه (١٠١١) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) عن عمر بن الخطاب - ﵁ -.
[ ٨١ ]
قال - ﵀ -: (وأركانها كلها مُفْتَرَضَةٌ، إلا قُعُودَ التَّشَهُّدِ الأوسطِ والاستِراحَةِ)
أركان الصلاة:
١. القيام في الفريضة للقادر، وأما في النافلة، فسنة وليست بركن لقول النبي - ﷺ -: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» (١)، وسيأتي الدليل على ركنية القيام.
٢. تكبيرة الإحرام وهي التكبيرة التي تدخل الصلاة بها.
٣. قراءة الفاتحة في كل ركعة.
٤. الركوع في كل ركعة.
٥. الرفع من الركوع والاعتدال قائمًا منه.
٦. السجود الأول والثاني.
٧. الجلوس بين السجدتين.
٨. الطمأنينة في جميع الأركان.
٩. ترتيب هذه الأركان على ما بيناه.
هذا ما ثبت عندي في الأركان، والخلاف قوي في التشهد الأخير والجلوس والتسليم.
ودليل هذه الأركان حديث المسيء صلاته الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: إن رسول الله - ﷺ - دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله - ﷺ - فرد رسول الله - ﷺ - السلام، قال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي - ﷺ - فسلم عليه فقال رسول الله - ﷺ -: «وعليك السلام» ثم قال: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا، علمني، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا -
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١١١) عن عمران بن حصين - ﵁ -، ومسلم (٧٣٥) عن عبد الله بن عمرو - ﵁ -.
[ ٨٢ ]
وفي رواية عند البخاري: حتى تستوي قائمًا - ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (١).
وفي رواية في «الصحيحين»: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر» (٢).
وفي رواية عند البخاري: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» مرة ثانية (٣).
وحديث المسيء صلاته يدل على وجوب ما ذكر فيه، لأن النبي - ﷺ - أمره أن يفعل في صلاته ما ذكره له فيه.
ويدل أيضًا على أن ما لم يذكر فيه ليس بواجب في الصلاة، لأن الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل وتعريف لواجبات الصلاة والنبي - ﷺ - عندما علّمه ذكر له ما أساء فيه وما لم يسئ فيه.
وأما التشهد الأوسط وجلوس الاستراحة فمن سنن الصلاة لا من أركانها، ولا فرق عندي بين أركان الصلاة وواجباتها، وهو مذهب الشافعية.
وأما الحنابلة فيفرقون بين الأركان والواجبات، فيجعلون الواجبات تجبر بسجود السهو في حال النسيان، وأما الأركان فيجب أن يأتي بها، وتبطل الصلاة بعدم الإتيان بها، وإن كان تركها سهوًا.
قال - ﵀ -: (ولا يَجِبُ مِن أذكارِها إلا التكبيرُ والفاتحةُ في كل ركعةٍ - ولو كان مؤتمًا - والتشهد الأخير والتسليم)
تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة كما تقدم، لذكرها في حديث المسيء صلاته، وكذلك الفاتحة، لقوله - ﷺ -: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٤).
وتجب في كل ركعة، لقوله في حديث المسيء صلاته: «افعل ذلك في صلاتك كلها».
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٥١)، ومسلم (٣٩٧) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجها البخاري (٧٩٣).
(٤) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) عن عبادة بن الصامت - ﵁ -.
[ ٨٣ ]
وأما في حال كونه مأمومًا في صلاة جهرية فلا يقرأ بها، وتكون قراءة الإمام له قراءة، لقول الله ﵎: ﴿فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾، وهذه الآية في الصلاة كما قال غير واحد من السلف.
والأحاديث التي يستدل بها المخالفون ضعيفة غالبًا أو مؤولة.
وأما التشهد الأخير فليس بواجب، لأنه لم يذكر في حديث المسيء صلاته، ولو كان واجبًا لذكره له، فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والنبي - ﷺ - علّم المسيء صلاته ما أساء فيه وما لم يسئ فيه كما ذكرنا.
وأما التسليم فلم يذكر في حديث المسيء صلاته.
وحديث علي «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، ضعيف (١).
قال المؤلف: (وما عدا ذلك فسُنَنٌ)
أي من الأقوال والأفعال، لأنه لم يرد ما يدل على وجوبها، ولم تذكر في حديث المسيء صلاته.
قال: (وهي الرفعُ في المواضعِ الأربعةِ، والضمُّ، والتَّوَجُّهُ بعد التكبيرةِ، والتَّعَوُّذُ والتأمينُ وقراءةُ غيرِ الفاتحةِ معها، والتَّشَهُّدُ الأوسطُ والأذكارُ الواردةُ في كل ركنٍ، والاستكثارُ من الدعاءِ بخيري الدنيا والآخرة، بما ورد وبما لم يرد)
(الرفع في المواضع الأربعة): أي رفع اليدين.
والمواضع هي، تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال من الركوع، والموضع الرابع عند القيام إلى الركعة الثالثة.
أما المواضع الثلاثة الأوَل، فقد وردت في حديث ابن عمر في «الصحيحين»، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه وكان يفعل ذلك حين يكبر
_________________
(١) أخرجه أبو داود وغيره من رواية ابن عقيل، وهو ضعيف. ورواياته الأخرى واهية، وحديث علي أحسنها، وروي مرسلًا أيضًا.
[ ٨٤ ]
للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود (١).
وأما الرفع في الموضع الرابع، ففي رواية لحديث ابن عمر المتقدم عند البخاري، قال: وإذا قام من الركعتين رفع يديه (٢).
هذه هي المواضع التي صحّ الرفع فيها، ولم يصحّ في غيرها.
(والضم) أي وضع اليد اليمنى على اليسرى حال القيام.
قال سهل بن سعد - ﵁ -: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» رفعه إلى النبي - ﷺ -، وهو في «الصحيح» (٣).
وفي «الصحيحين» أن النبي - ﷺ - وضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة (٤)، ولم يصح حديث في تحديد موضع الوضع، على الصدر أو على غيره.
(التوجّه) المراد بالتوجّه دعاء الاستفتاح الذي يكون بعد تكبيرة الإحرام، يقال له التوجّه، لأن من الأدعية المذكورة فيه: «وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ..» (٥).
ووردت فيه أذكار مختلفة، إذا صحّ عندك واحد منها فلك أن تستفتح به.
أصحّها ما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي ..» (٦) الحديث.
وأما إذا أردت دعاءً قصيرًا، فقل: «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا» (٧).
أو «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه» (٨).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٣٦)، ومسلم (٣٩٠) عن ابن عمر - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٧٣٩).
(٣) أخرجه البخاري (٧٤٠) عن سهل بن سعد - ﵁ -.
(٤) أخرجه البخاري (٧٤٠) عن سهل بن سعد بلفظ: «اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، ومسلم (٤٠١) عن وائل بن حجر - ﵁ -.
(٥) أخرجه مسلم (٧٧١) عن علي بن أبي طالب - ﵁ -.
(٦) أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٧) أخرجه مسلم (٦٠١) عن ابن عمر - ﵁ -، والحديث له قصة.
(٨) أخرجه مسلم (٦٠٠) عن أنس - ﵁ -.
[ ٨٥ ]
وأما أنا فأنصح بالتركيز على أحاديث الصحيحين.
(والتعوّذ) أن يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» قبل البسملة وقراءة الفاتحة، ولم يصحّ عن النبي - ﷺ - لفظ خاص بالصلاة في مسألة التعوذ، وأما اللفظ الذي ذكرناه فقد صح عن النبي - ﷺ - في غير الصلاة.
وهذه الصيغة هي الواردة عن جمع من السلف كما في مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
والاستعاذة مستحبة عند القراءة، فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قرأ سورة الكوثر ولم يستعذ (١).
وتكون الاستعاذة سرًّا لا جهرًا، قال ابن قدامة: «بلا خلاف».
(والتأمين) قول آمين آخر الفاتحة، قال - ﷺ -: «إذا أمّن الإمام فأمّنوا» (٢).
(وقراءة غير الفاتحة معها) فقد ثبت في «الصحيحين» وغيرهما أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب (٣).
(والتشهد الأوسط) ثبت عنه - ﷺ - أنه تركه سهوًا، ولم يذكر في حديث المسيء صلاته، فيدلّ على السنيّة (٤).
وأصحّ ألفاظه حديث ابن مسعود، متفق عليه.
قال النووي: هو أصح تشهد بالإجماع (٥).
ولفظه: «التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» (٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٠٠) عن أنس - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٧٥٩)، ومسلم (٤٥١) عن أبي قتادة - ﵁ -.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) «المنهاج شرح صحيح مسلم» للنووي (٤/ ١١٥ - ١١٦).
(٦) أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢) عن ابن مسعود - ﵁ -.
[ ٨٦ ]
وتكتفي بهذا في الثلاثية والرباعية من غير ذكر الصلاة على النبي - ﷺ - لما أخرجه البخاري، أن النبي - ﷺ - علّمهم التشهد ثم قال لهم: «وليتخيّر أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو» (١).
والحديث الذي فيه الصلاة على النبي - ﷺ - في هذا المَوْضِعِ فلا يصح.
(والأذكار الواردة في كل ركن) منها تكبير الركوع والسجود والرفع والخفض وقول «سمع الله لمن حمده»، وفي الركوع «سبحان ربي العظيم» وفي السجود «سبحان ربي الأعلى»، وبين السجدتين «رب اغفر لي رب اغفر لي» فهذه كلها سنن.
(والاستكثار من الدعاء بخيري الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد) لقوله - ﷺ -: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء» (٢)، وقوله: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه» وهذا بعد التشهد.
فخيره بما شاء من الدعاء ولم يقيّده بشيء.
ومن الدعاء المستحب بعد التشهد وقبل السلام قول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال» (٣).
ويستحب بعد التشهد ذكر الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأخير.
صح في صيغها أكثر من حديث بألفاظ مختلفة منها ما أخرجه الشيخان عن كعب بن عجرة - ﵁ -: «اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٤).
وتستحب الإشارة بالأصبع في التشهد دون تحريكها؛ فحديث تحريك الأصبح في التشهد ضعيف (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٣٥) عن ابن مسعود - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم (٤٧٩) عن ابن عباس - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (١٣٧٧) ومسلم (٥٨٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) أخرجه البخاري (٣٣٧٠) ومسلم (٤٠٦).
(٥) انظر «البشارة في شذوذ تحريك الأصبع في التشهد وثبوت الإشارة» لأحمد بن سعيد اليمني بتقديم شيخنا الوادعي ﵀.
[ ٨٧ ]