_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣١٠)، ومسلم (٩٥٩).
(٢) أخرجه مسلم (٩٦٢).
(٣) بهذا اللفظ أخرجه أحمد (٢/ ٥٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٧/ ٣٢٧).
(٤) «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٢٨٠٢).
[ ١٥٦ ]
السباع: هي الحيوانات المفترسة التي تأكل الجثث.
وهذا الذي ذكره المؤلف - وهو وجوب دفن الميت - أمرٌ مجمع عليه (١)، لا خلاف فيه البتة بين العلماء، قال - ﷺ -: «ادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر» (٢)، وجاء أيضًا عنه - ﷺ - أنه قال: «احفروا وأعمقوا وأحسنوا» (٣).
والتعميق: هو أن يكون القبر عميقًا، ليكون بعيدًا عن متناول السباع.
والإحسان هو أن يكون القبر واسعًا على قدر الميت بحيث يسعه.
قال المؤلف - ﵀ -: (ولا بأس بالضَّرْح، واللحْدُ أولى)
القبر قبران، قبر ضرح وقبر لحد.
فأما الضَّرْحُ: فهو الشق في الأرض، وغالب قبور الناس اليوم من الشق، فيفتح القبر بشكل مستقيم وينتهي الأمر، ويسمى هذا ضرحًا.
وأما اللحد: وهو الشق في جانب القبر - يعني أن يحفر القبر وتنزل فيه مسافة ثم من جهة القبلة في آخره تحفر إلى جهة القبلة - فهذا يسمى لحدًا.
وقول المؤلف: (لا بأس بالضرح) أي أنه جائز.
وقوله: (واللحد أولى)، أي هو المستحب والأفضل، لأنه الأقرب لإكرام الميت من الشق.
وجاء في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: « الحدوا لي لحدًا وانصبوا علي اللبن نصبًا كما صنع برسول الله - ﷺ -» (٤).
فاللحد أولى وأفضل، لأنه الذي فعله الصحابة مع النبي - ﷺ -، فقد حفروا له لحدًا ونصبوا عليه اللبن نصبًا، وهو أكمل الصور وأجودها.
_________________
(١) قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن دفن الميت لازم واجب على الناس، لا يسعهم تركه عند الإمكان، ومن قام به منهم سقط فرض ذلك على سائر المسلمين». «الإجماع» (ص ٤٤)، وانظر «مراتب الإجماع» (ص ٣٤) لابن حزم.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦/ ١٨٣)، وأبو داود (٣٢١٥)، والترمذي (١٧١٣)، والنسائي (٢٠١٠) وغيرهم.
(٣) هو نفس الحديث الذي قبله.
(٤) أخرجه مسلم (٩٦٦).
[ ١٥٧ ]
فيحفر القبر أولًا شقا كالقبور التي نراها اليوم، ثم نأتي إلى جدار القبر الذي من جهة القبلة، فنترك من حافة القبر إلى مسافة شبر تقريبًا من هذا الجدار، ثم نحفر في الجدار شقًا واسعًا يكفي الميت، فيوضع الميت فيه على شقه الأيمن، ثم ينصب اللبن فيكون مائلًا ويغلق عليه، ثم بعد ذلك يُهال التراب عليه.
وجاء أيضًا في حديث البراء عند أبي داود « خرجنا في جنازة مع رسول الله - ﷺ -، فانتهينا إلى القبر ولم يُلحَد بعد» (١)، فهذا يدل على أن القبور التي كانت تفعل في عهد النبي - ﷺ - هو اللحد، لكن كما ذكر المصنف فهذا جائز وهذا جائز لكن الأفضل والأولى أن يكون لحدًا.
وكذلك الحديث المتقدم - حديث سعد - يبين لنا أن نصب اللَبِنِ مشروع وهو الذي فُعل بالنبي - ﷺ -.
ونقل النووي ﵀ الإجماع - إجماع العلماء - على جواز اللحد والشق (٢) بالاتفاق، أن هذا جائز وهذا جائز ولكن المسألة مسألة أفضل وأولى فقط.
قال المؤلف: (ويُدخَل الميِّتُ من مُؤَخَّرِ القبر)
يريد بذلك أنك عندما تدخل الميت القبر تأتي من عند رجلي القبر وتدخله. والحديث الذي ورد في هذه الصفة أختُلف في صحته، والراجح أنه صحيح (٣)، فمن السنة إدخال الميت من رجلي القبر، وهو منقول عن أنس بن مالك أيضًا.
وقد اختلف أئمة الفقهاء في هذه المسألة، فقال البعض: الأفضل أن يُدْخَلَ من رجلي القبر، والبعض الآخر يقول: بل الأمر واسع، والمسألة مبنيّة على صحة الحديث.
قال - ﵀ -: (ويُوْضَعُ على جَنْبِهِ الأيْمَن مُسْتَقْبِلًا)
أي يوضع الميت في قبره على جنبه الأيمن مستقبلًا القبلة، أي إلى ناحية القبلة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٠/ ٤٩٩)، وأبو داود (٣٢١٢)، والنسائي (٢٠٠١)، وابن ماجه (١٥٤٩).
(٢) انظر «شرح صحيح مسلم» (٧/ ٣٤)، شرح الحديث رقم (٩٦٦).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢١١)، والبيهقي (٤/ ٨٩) عن عبد الله بن يزيد، وصحح إسناده البيهقي، وعبد الله مختلف في صحبته، والظاهر أن له رؤية، كما قال أبو إسحاق.
[ ١٥٨ ]
ولم أجد في هذا دليلًا، لا في الكتاب ولا في السنة.
ولكن الأدلة عندنا ثلاثة، الكتاب والسنة والإجماع، وقد نقل العلماء الاتفاق في هذه المسألة (١)،
أنه لا يزال هذا عمل المسلمين، أنهم يضعون الميت في لحده على جنبه الأيمن.
فالاتفاق حجة في هذا الباب وهو كاف إن شاء الله.
قال المؤلف - ﵀ -: (ويُسْتَحَبُّ حَثْو التُّرابِ من كل من حَضَرَ ثلاث حَثَيات)
اختلف العلماء في هذه المسألة، فالبعض قال هذه سنة مستحبة واستدل بحديث أبي هريرة، قال: إن النبي - ﷺ - صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثًا (٢).
لكن هذا الحديث أعلَّه أبو حاتم الرازي - ﵀ - بالإرسال فقال هو حديث مرسل، وله علة أخرى أيضًا بينَّهَا الدارقطني - ﵀ - في كتابه «العلل».
وورد حديث آخر من حديث عامر بن ربيعة، أن النبي - ﷺ - حثا على قبر عثمان بن مظعون ثلاثًا (٣).
فلا يصح في هذا الباب شيء والله أعلم
قال - ﵀ -: (ولا يُرفع القبرُ زيادةً على شِبْرٍ)
لحديث علي عند مسلم في «صحيحه» (٤)، قال علي لأبي الهياج الأسدي « ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -؟، قال بلى، قال: «ألّا تدع تمثالًا إلا طَمَسْتَهُ - وفي رواية: ولا صورةً إلا طمستها - ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سَوَّيْتَهُ».
_________________
(١) قال النووي: واتفقوا على انه يستحب أن يضجع على جنبه الأيمن، فلو أضجع على جنبه الأيسر مستقبلًا القبلة جاز وكان خلاف الأفضل لما سبق في المصلي مضطجعًا. والله أعلم. «المجموع» (٥/ ٢٩٣». وأما استقبال القبلة فهو قول الجمهور. حديث: «واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا» الذي يستدلّ به على توجيهه إلى القبلة أخرجه أبو داود (٢٨٧٥) وغيره، وهو ضعيف، في سنده عبد الحميد بن سنان، لا يحتجً به. ولكن هذا ما عليه المسلمون.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٦٥).
(٣) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٨٦٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٥٧٥)، وإسناده ضعيف وبعضهم يذكر الحثو وبعضهم لا يذكره، وله شاهد مرسل آخر.
(٤) برقم (٩٦٩).
[ ١٥٩ ]
والشاهد قوله: «ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته»، أي لا تجد قبرًا مرتفعًا عن الأرض إلا جعلته مستويًا بالأرض.
ولكن جاء في الحديث الصحيح ما يدل على جواز رفع القبر عن الأرض قَدْرَ شبر، وأن قبور الصحابة كانت مُسَنَّمَةً، أي أنها مصنوعة كالسنام.
فنقول: نعم ولكنها لا تُرْفَعُ أكثر من شبرٍ واحدٍ فقط، وهذا هو المشروع في القبور.
أما ما نراه اليوم من بناء عالٍ كالغرف، أو أن تزرع الأشجار والزهور فيكون القبر كالحديقة فليس أمرًا مشروعًا البتة ولم يأمرنا به - ﷺ -.
قال﵀ -: (والزيارة للموتى مَشْروعَةٌ)
لقوله - ﷺ -: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (١)
أي أن زيارة الميت كانت بدايةً محرمة، ثم بعد ذلك نسخ هذا الحكم وأُمر بها، والأمر يكون هنا على الجواز لا على الوجوب، لأنه جاء بعد تحريم.
وقد استأذن نبينا - ﷺ - رب العزة في زيارة قبر أمه فأَذن له (٢)، فيدلُّ ذلك على أن زيارة القبور جائزة.
وقد بيَّن لنا رسول الله - ﷺ - حكمة زيارة القبور، فقد جاء في «صحيح مسلم» (٣): «زوروا القبور فإنها تذكر الموت».
وذلك لأن المرء إذا ذهب هناك ورأى القبور وتذكر أن الأموات كانوا يومًا ما أحياء يعيشون كما يعيش هو، تذكر أن مآله هو مآلهم، وسيكون من أصحاب القبور، وإما أن يكون في حفرة من حفر النار، أو في روضة من رياض الجنة، فيعمل لما هو آت.
مسألة: هل الرجال والنساء في مشروعية زيارة القبور سواء؟
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٧٧).
(٢) أخرجه مسلم (٩٧٦).
(٣) أخرجه مسلم (٩٧٦).
[ ١٦٠ ]
الصحيح أن الرجال والنساء سواء في ذلك، وقد اختلف أهل العلم في زيارة المرأة للقبور هل هي جائزة أم لا؟ والصحيح أنها جائزة بشرط أن لا يبدر منها ما يخالف شرع الله من لطم الخدود وشق الجيوب أو غير ذلك من المحظورات.
وسبب الخلاف في جوازه للمرأة، وجود بعض الأحاديث التي تدل على التحريم وهو قوله - ﷺ -: «لعن الله زائرات القبور» (١)،
بينما جاء حديث آخر يدل على الإباحة، وهو أن النبي - ﷺ - مرَّ بامرأة جالسة عند قبر وتبكي، فقال لها: «اتقي الله واصبري» (٢)، ولم ينهها عن زيارة القبر.
والجمع بين هذه الأحاديث أن الكثرة هي المحرمة لا أصل الزيارة.
فالصحيح كما ذكرنا، أن زيارة القبور جائزة للنساء بشرط ألا يبدر منها مخالفة لشرع الله، هذا أولًا.
أما الأمر الثاني، أن لا تكون هذه الزيارة بشكل متكرر كثير، لأن الصحيح في الحديث الذي ذكروه واستدلوا به على التحريم لفظة «زوّارات» في قوله - ﷺ -: «لعن الله زوارات القبور» (٣)، وزوارات هذه تفيد الكثرة، أي كثرة الزيارة.
فيكون المُحَرَّمُ هو الكثرة لا أصل الزيارة.
مسألة: هل يجوز تخصيص العيد بزيارة القبور.
الصحيح عدم جواز تخصيص العيد بزيارة القبور، لأن زيارة القبور أمر قد شرعه الله وزيارة القبور يوم العيد أمر لم يشرعه الله، وكل عمل تعبُّديٍّ لم يشرعه الله ﵎ فلا يجوز، فتخصيص زيارة القبر بيوم العيد تشريع جديد يحتاج إلى دليل من كتاب أو سنة، فمن لم يتمكن من الإتيان بدليل من الكتاب أو السنة فيكون عمله هذا بدعة محدثة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧١)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٢٠٤٣) عن ابن عباس - ﵁ -. وفي سنده أبو صالح، قال الإمام أحمد في «العلل» لابنه (٥٤٣٥): «أبو صالح باذام». انتهى. قلت: هو ضعيف.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٥٢)، ومسلم (٩٢٦).
(٣) أخرجه أحمد (١٤/ ١٦٤)، والترمذي (١٠٥٦)، وابن ماجه (١٥٧٦) عن أبي هريرة ﵁، وله شاهد من حديث حسان بن ثابت يتقوّى به.
[ ١٦١ ]
نعم أصل الزيارة جائز، لكن تخصيصها بيوم العيد لم يفعله رسول الله - ﷺ - ولا فعله صحابة رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين، فلو كان هذا العمل مشروعًا لفعلوه وهم أحرص منا على الخير بكثير.
وفعلنا لهذا الأمر مع علمنا بعدم فعلهم له يدخل في قول النبي - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، لأن تخصيص العبادة في زمن معين أمر تشريعي من عند الله لا من عند أنفسنا، فلا يجوز لنا أن نخصص أي عبادة من العبادات بوقت معين في يوم معين أو شهر معين إلا أن يكون عندنا دليل من الكتاب أو السنة وإلا كان العمل مردودًا على صاحبه كما قال - ﷺ -.
قال - ﵀ -: (ويقفُ الزائرُ مستقبلًا القبلةَ)
لِما صحّ من حديث البراء: «أنه جلس - ﷺ - مستقبل القبلة لمَّا خرج إلى المقبرة» (٢).
وكان رسول الله - ﷺ - يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنَّا إن شاء الله بكم للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية» (٣).
فهذا الحديث يدل على سنية هذا الذكر عند الخروج إلى المقابر.
قال: (ويَحْرُمُ اتِّخاذُ القبورِ مساجدَ)
الأحاديث التي تدل على ذلك كثيرة، منها قوله - ﷺ -: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤).
قالت عائشة - بعد أن روت هذا الحديث - «يحذِّر ما صنعوا»، أي احذروا من أن تتخذوا قبور أنبيائكم مساجد.
وقال - ﷺ -: «أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله» (٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧١٨)، وعلَّقه البخاري بهذا اللفظ.
(٢) أصل الحديث أخرجه غير واحد، وبزيادة استقبال القبلة أخرجه أبو داود (٣٢١٢)، وابن ماجه (١٥٤٨) وغيرهم، وهي زيادة محفوظة.
(٣) أخرجه مسلم (٩٧٥).
(٤) أخرجه البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٣١).
(٥) أخرجه البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨).
[ ١٦٢ ]
وقال ﵊: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا» (١) وفي «مسلم»: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ولا عليها» (٢).
فهذا كله يدل على تحريم اتخاذ القبور مساجد.
قال أهل العلم: الصلاة في المقبرة باطلة، لأن النبي - ﷺ - نهى عن ذلك، وبما أنه نهى عنها في المقبرة، إذًا فالصلاة لا تصح ولا تجوز في المسجد الذي في المقبرة، سواء كان القبر قبل المسجد أو المسجد قبل القبر، كله لا يجوز الصلاة فيه، لأنها أصبحت مقبرة، فقبر ومسجد لا يجتمعان البتة، إما قبر أو مسجد.
وكل هذا، لئلا نقع فيما وقع فيه أولئك من غلو في الصالحين، فإنه أول الشرك.
قال ﵀: (وزَخْرَفَتُها)
أي: وتحرم زخرفة القبور، لأنه - ﷺ - نهى عن البناء عليها وتجصيصها.
قال جابر بن عبد الله: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُجَصَّصَ القبرُ وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه» (٣).
و«التجصيص»، هو التبييض، أي استعمال الجص - وهو الجبس - في تبيض القبور.
فهذا يدل على تحريم تزيين وزخرفة القبور. وكل هذا سدًا لذريعة الغلو في القبور، لأن أصل الشرك بالله كان سببه الغلو في الصالحين، ومجاوزة الحد فيهم، وذلك أنَّ ابن عباس - ﵁ - قال: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما وّدًّ كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواعَ كانت لهذيل، وأما يَغوثَ فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف، عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نّسْر فكانت لحِمْيَر لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبِدَت» (٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٢/ ٣١٤)، والحميدي في «مسنده» (١٠٥٥).
(٢) برقم (٩٧٢).
(٣) أخرجه مسلم (٩٧٠).
(٤) أخرجه البخاري (٤٩٢٠).
[ ١٦٣ ]
أي كان قوم نوح على التوحيد، وكان فيهم رجال صالحون، فلما ماتوا جاءهم الشيطان وقال لهم صوروا لهم صورًا تتذكرونهم بها وتعبدون الله كعبادتهم فصوروا لهم صورًا وجعلوها في ناديهم، فلما مات هؤلاء القوم ونُسي العلم - وهذه مسألة مهمة جدًا - فلما لم يعد بينهم علماء يبينون لهم الحق من الباطل، جاءهم الشيطان وقال لهم بأن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوها فوقع الشرك في الناس.
ثم أرسل الله ﵎ نوحًا لهؤلاء القوم كي يردهم إلى التوحيد بعد أن حصل فيهم الشرك.
ثم عادت الكرة من جديد، واتخذ الناس كثيرًا من القبور - في زماننا هذا - آلهة تعبد مع الله ﵎، تجدهم يطوفون حول القبر، يذبحون لصاحب القبر، يتضرعون له وكأنهم يدعون الله، بل لعلهم لا يخلصون في أدعيتهم لهم كإخلاصهم لله أو أشد، فيعبدون القبر كأنهم يعبدون الله تمامًا، وهذا هو الشرك بعينه، وهذا الذي كان النبي - ﷺ - يحذِّر منه فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد» (١)، فكان يخشى - ﷺ - من هذا الشيء.
فلابد من الحذر من هذا الأمر، فكل هذه الأوامر التي جاءت عن النبي - ﷺ - في القبور، خشية أن يقع الناس في الغلو ومجاوزة الحد فيها، ومع ذلك فلا يمنع ذلك من احترامها وتقديرها وإعطائها حقها كما سيأتي.
قال: (وتَسْرِيجِها)
تسريجها: يعني إضاءة السُرُجِ، جمع سراج وهو الضوء، سواء كان بطرق الإضاءة التي كانت عندهم قديمًا كالفوانيس وغيرها أو كالطرق الموجودة عندنا اليوم وما شابه.
فأية طريقة من طرق الإضاءة هذه لا تجوز على القبر، بناءً على حديث عند أبي داود (٢)، لكنه ضعيف.
قال ابن قدامة تعليقًا على عدم جواز اتخاذ السُّرُجِ على القبور: «لأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة، وإفراطًا في تعظيم القبور أشيه تعظيم الأصنام» (٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في «سننه» برقم (٣٢٣٦) عن ابن عباس - ﵁ - قال: «لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج»، وقد تقدّم تخريجه وبيان علّته.
(٣) «المغني» (٢/ ٣٧٩).
[ ١٦٤ ]
قال المؤلف - ﵀ -: (والقعودُ عليها)
مسألة ثانية، وهي احترام القبور وتقديرها احترامًا لأهلها، فشريعة الله دائمًا بين الإفراط والتفريط، واعتدال في كل الأمور، ولا يمكن أن تكون معتدلًا إلا إذا تقيدت بكتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -.
قال: والقعود عليها، أي القعود على القبور محرم، لقول النبي - ﷺ -: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتَخْلُصَ إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر» (١).
وقد تقدم أنه نهى أيضًا عن القعود على القبور احترامًا لأصحابها كما جاء في الحديث المتقدم من حديث جابر، قال: «نهى الرسول - ﷺ - أن يُجصّص القبر وأن يُقعد عليه وأن يُبنى عليه» (٢)، فهذه ثلاثة أمور نهى - ﷺ - عنها.
قال المؤلف: (وسَبُّ الأمواتِ)
لقول النبي - ﷺ -: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (٣).
أي قد ذهبوا إلى ما قدموه من خير أو شر.
وقال - ﷺ -: «لا تذكروا هلكاكم إلا بخير» (٤).
وقال - ﷺ -: «لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء» (٥).
مسألة: إن احتجنا إلى ذكر الميت بسوء لمصلحة شرعية معتبرة، فهل يجوز؟
نعم يجوز، ودليل ذلك ما جاء عن أبي هريرة، أنه قال: مُرّ على النبي - ﷺ - بجنازة، فأثني عليها خيرًا في مناقب الخير، فقال: «وجبت» ثم مروا عليه بأخرى، فأثني عليها شرًا في مناقب الشر، فقال: «وجبت، إنكم شهداء الله في الأرض» (٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٧١).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (١٣٩٣) من حديث عائشة ﵂.
(٤) أخرجه النسائي (١٩٣٥)، وأبو داود الطيالسي (١٥٩٧)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (٦٠٤٢)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ٤٦)، وغيرهم.
(٥) أخرجه أحمد (٣٠/ ١٥٠)، والترمذي (١٩٨٢) من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -.
(٦) أخرجه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩).
[ ١٦٥ ]
والشاهد قوله «فذكروها بشر»، والذي ذُكِرَ بالشر ميت، ومع ذلك أقرهم النبي - ﷺ - فقال: «وجبت، إنكم شهداء الله في الأرض».
فإذا لو كان هناك مصلحة شرعية معتبرة فلا بأس، فلو قال أهل الحديث مثلًا: هذا الحديث ضعيف في سنده فلان كذاب، هالك إلخ، فهل هذا داخل في النهي؟
الجواب: لا، لأن هذا إنما ذكر لأجل حفظ الشريعة، لحفظ دين الله ﷾ وتمييز الحديث الصحيح من الحديث الضعيف.
كذلك الكلام في أهل البدع والضلال الذين انحرفوا في دين الله عن الجادَّة، لابد من بيان ما عندهم من أخطاء كي يحذر الناس من الوقوع في هذه البدع والضلالات والأخطاء.
قال المؤلف - ﵀ -: (والتعزيةُ مشروعة)
لحديث أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي - ﷺ - فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًا لها - أو ابنًا لها - في الموت فقال للرسول: «ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمُرها فلتصبر ولتحتسب» (١).
والتعزية: هي التصبير، أي الحث على الصبر بذكر ما يُسَلّي المصاب ويخفف حزنه ويهون عليه مصيبته.
وتكون بكلمات كالكلمات التي قالها - ﷺ - لابنته، فإنه ﵊ لم يجمع الناس ويصنع الطعام ولم يفعل شيئًا من هذا، فكله لا أصل له في شرع الله، إنما التعزية كما فعل - ﷺ -، إذ أرسل إليها رسولًا يخبرها بكذا وكذا، ولكنها لم تقبل بالمُرْسَلِ حتى جاءها - ﷺ -، ووقف عليه ورأى روحه تفيض فبكى - ﷺ - وذكر أنها رحمة جعلها الله في قلوب عباده، ولكنه كما ذكرنا لم يفعل ما يفعل الناس ولم يتكلف تكلف الناس اليوم ولم يقع في الإسراف والتبذير وفي مجاوزة الحد الذي يقع فيه الناس اليوم، فهذه الأشياء التي تحصل فيها منكرات عظيمة وكثيرة جدًا من إسراف وتبذير ورياء وسمعة وغير ذلك من الأشياء التي لم يشرعها الله ﵎.
قال: (وكذلك إهداءُ الطعامِ لأهلِ الميتِ)
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣).
[ ١٦٦ ]
لحديث عبد الله بن جعفر، قال: جاء نعي جعفر حين قتل فقال النبي - ﷺ -: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم» (١) وهو ضعيف.
وقد احتج بعض الناس بهذا الحديث على الاجتماع المنهي عنه وصنعة الطعام فيه، واحتجوا بقول النبي - ﷺ -: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم»، واحتجاجهم خطأ، فمعنى الحديث أن أهل البيت عندهم ما يشغلهم، فيحتاجون أن يدفنوا ميتهم، ويشتغلوا بما مع الدفن من تغسيل وتكفين وما شابه، فانشغلوا بذلك عن صنع طعامٍ يأكلونه، فيُصنع الطعام فقط لأهل البيت الذين انشغلوا، لا أن يُصنع الطعام لكل داخل وخارج ولكل من جاء ليعزي، هذا لم يشرعه الله ﷿.
مع أن هذا الحديث الذي يحتجون به حديث ضعيف لا يصح.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٨٠)، وأبو داود (٣١٣٢)، والترمذي (٩٩٨)، وابن ماجه (١٦١٠). في سنده خالد المخزومي مجهول الحال.
[ ١٦٧ ]