بعدما انتهى المؤلف من موجبات الغسل، بدأ بذكر الواجب في الغسل، وهو إفاضة الماء على جميع البدن، أي صبّ الماء على جميع الجسم أو بالانغماس في الماء.
قال: (مع المضمضة والاستنشاق)، والصحيح أن المضمضة والاستنشاق ليستا واجبتين، لا في الوضوء ولا في الغسل.
أما في الوضوء فقد تقدم الكلام في ذلك، وأما في الغسل فقد ورد في حديث أم سلمة أن النبي - ﷺ - أمر أم سلمة بإفاضة الماء على نفسها من غير أن يذكر لها المضمضة والاستنشاق، فيدلّ ذلك على عدم الوجوب.
وحديث أم سلمة في «صحيح مسلم» أن النبي - ﷺ - قال لها: «إنما يكفيك أن تَحْثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء، فإذا أنت قد طهُرْت»، وذلك حين سألته عن نقض ضفر رأسها لغُسل الجنابة (٢).
وحديث جابر في «الصحيح» كان النبي - ﷺ -: «يأخذ ثلاثة أكُف ويفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده» (٣).
قال المؤلف: (والدَّلْكُ لما يُمْكِنُ دَلْكُهُ)
اختلف أهل العلم في دلك ما يمكن دلكه من الجسم، هل هو واجب أم تكفي الإفاضة؟
وحديث أم سلمة وجابر المتقدمان يدلان على أن مجرد الإفاضة كافٍ في الغسل، وأن الدلك ليس واجبًا، وهو الصحيح، وهو قول أكثر العلماء، وكذلك حديث عائشة وميمونة في «الصحيحين» (٤)، فإنه لم يرد فيهما ذكر الدلك، وورد فيهما الغسل الكامل المستحب.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٥)، والترمذي (٦٠٥)، والنسائي (١٨٨).
(٢) أخرجه مسلم (٣٣٠).
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٦)، ومسلم (٣٢٩).
(٤) أخرجه البخاري (٢٧٢)، ومسلم (٣١٦) من حديث عائشة ﵂، وأخرجه البخاري (٢٦٥)، ومسلم (٣١٧) من حديث ميمونة ﵂.
[ ٤٩ ]
قالت عائشة: «كان النبي - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلِّل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض على جلده كله».
وحديث ميمونة قالت: «وضعت للنبي - ﷺ - ماءً فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق أو غسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحوّل من مكانه فغسل قدميه».
قال المؤلف - ﵀ -: (ولا يكونُ شَرْعِيًّا إلا بالنية لِرَفْعِ مُوُجِبِهِ)
أي لا يكون الغسل غسلًا شرعيًا إلا بعقد النية عليه، لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى الحديث» (١).
والغسل عبادة من العبادات، والموجب، أي: الذي أوجب الغسل، وهو ما تقدم من نزول المني والتقاء الختانين إلخ.
قال المؤلف - ﵀ -: (ونُدِبَ تَقْدِيِمُ غَسْلِ أعضاءِ الوُضُوءِ إلا القَدَمَيْنِ)
لما تقدم من حديث عائشة وميمونة.
والدليل على أن الوضوء في الغسل ليس واجبًا، حديث أم سلمة وجابر وغيرهما (٢).
وقد نقل أهل العلم الاتفاق على أن الوضوء لا يجب في الغسل، فقد قال النووي في كتابه «المجموع»: «الوضوء سنة في الغسل وليس بشرط ولا واجب، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافة إلا ما حكي عن أبي ثور وداود، أنهما شَرَطاهُ، كذا حكاه أصحابنا عنهما».
ونقل ابن جرير الإجماع على أنه لا يجب (٣)، ثم ذكر الأدلّة على عدم وجوبه.
وقال الإمام الشافعي - ﵀ -: «فرض الله تعالى الغسل مطلقًا لم يذكر فيه شيئًا يبدأ به قبل شيء، فكيفما جاء به المغتسل أجزأه إذا أتى بغُسل جميع بدنه» انتهى (٤).
_________________
(١) متفق عليه، تقدم تخريجه.
(٢) وقد تقدم تخريجهما.
(٣) «المجموع شرح المهذب» للنووي (٢/ ١٨٦).
(٤) «الأم» (١/ ٥٦).
[ ٥٠ ]
وأما تأخير غسل القدمين، فجاء في حديث ميمونة، وعائشة لم تذكر ذلك، فالظاهر أن التقديم والتأخير كلاهما سنة، فروت كل واحدة منهما ما رأت.
قال المؤلف - ﵀ -: (ثم التَّيامُنُ)
أي أن البَدء بالميامن مستحب، وذلك لما صحّ عنه - ﷺ - أنه كان يبدأ بشقِّ رأسه الأيمن، وهو في «الصحيح» (١).
وجاء في «الصحيح» عن عائشة، قالت: «كنا إذا أصابت إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها على شقها الأيسر» (٢).
وهذه تدل على استحباب البدء باليمين من الرأس والجسم.