غسل الجمعة مستحب، لقول النبي - ﷺ -: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلمٍ» متفق عليه (٣)، وقوله: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» متفق عليه (٤).
قال الإمام الشافعي - ﵀ -: «احتمل الوجوب هنا معنيين، الظاهر منهما أنه واجب، فلا تجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، واحتمل أنه واجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة ونفي تغير الريح عند اجتماع الناس، كما يقول الرجل للرجل: وجب حقك عليّ إذا رأيتني موضعًا لحاجتك» (٥).
ثم رجّح المعنى الثاني مع أن الأول هو الظاهر، ولكنه أتى بدليل يدلّ على أن المعنى الثاني هو الظاهر بالدليل، وهو المؤول.
والدليل الذي استدلّ به، حديث عمر: عندما دخل عثمان يوم الجمعة وعمر على المنبر يخطب، أنكر عمر على عثمان تأخّره، فاعتذر عثمان بأنه انشغل في السوق ثم جاء لما
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥٨)، ومسلم (٣١٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٧).
(٣) أخرجه البخاري (٨٥٨)، ومسلم (٥) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٤) أخرجه البخاري (٨٧٩)، ومسلم (٨٤٦).
(٥) «الرسالة» (ص ٣٠٣)، وانظر «فتح الباري» (٢/ ٣١٦).
[ ٥١ ]
سمع النداء، فقال له عمر: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله كان يأمر بالغسل (١).
قال الشافعي: «لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دلّ ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار».
قال: وروت عائشة الأمر بالغسل يوم الجمعة، قالت: «كان الناس عمّال أنفسهم، فكانوا يروحون بهيئاتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم» (٢) انتهى.
ووجه الدلالة من الحديث الأخير أن تقدير الكلام: لو اغتسلتم لكان أفضل وأكمل، وهذا يدل على الاستحباب.
وجاء في حديث آخر أن النبي - ﷺ - قال: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غُفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام» (٣).
قال الحافظ ابن حجر: «إنه من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل للجمعة». انتهى (٤).
ووجه الدلالة من الحديث: ذكر الوضوء وما معه مرتِّبًا عليه الثواب المقتضي للصحة، يدلُّ على أن الوضوء كاف.
ووقت غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة، والأفضل أن يتصل الغسل بالذهاب إلى المسجد.
وإذا أحدث بعد الغسل كفاه الوضوء.
ويخرج وقت الغسل بالفراغ من صلاة الجمعة، لقول النبي - ﷺ -: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» (٥).
قال المؤلف: (والعِيدَيْنِ)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٧٨)، ومسلم (٨٤٥).
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٧١).
(٣) أخرجه مسلم (٨٥٧) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) «تلخيص الحبير» (٢/ ١٣٥).
(٥) أخرجه البخاري (٨٨٢)، ومسلم (٨٤٥).
[ ٥٢ ]
أي ويشرع الغسل للعيدين.
لم يصح شيء في ذلك عن النبي - ﷺ -، وقد ضعف ابن الملقّن: «أحاديث غسل العيدين، وذكر فيها آثار عن الصحابة جيدة» (١).
وقال النووي في «المجموع» (٢): «ومن الغُسل المسنون غُسل العيدين وهو سنة لكل أحد بالاتفاق سواء الرجال والنساء والصبيان لأنه يراد للزينة وكلهم من أهلها».
قال المؤلف: (ولمن غسّل ميّتًا)
وقد ورد فيه حديث ضعيف، وهو قول النبي - ﷺ -: «من غسّل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (٣).
قال أبو حاتم الرازي: «هذا خطأ إنما هو موقوف على أبي هريرة لا يرفعه الثقات» (٤). وقال الإمام أحمد وعلي بن المديني - حيّة الوادي - وكلاهما إمام في العلل، قالا: «لا يصحّ في هذا الباب شيء»، نقله عنهما الإمام البخاري (٥). والظاهر أنه يُقِرُّهُما.
قال المؤلف - ﵀ -: (وللإحْرامِ)
أخرج البزار والحاكم والبيهقي وغيرهم عن ابن عمر، قال: «من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد الإحرام».
صححه الشيخ الألباني في «الإرواء» (١/ ١٧٩)، وشيخنا الوادعي في «الجامع الصحيح» (١/ ٥٤٥) ورواه ابن أبي شيبة.
قال المؤلف - ﵀ -: (ولدخولِ مكة)
يستحبّ لمن أراد دخول مكة أن يغتسل، لما في «الصحيحين» عن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى، حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي - ﷺ - أنه فعله (٦)
_________________
(١) «البدر المنير» (٥/ ٤٣ - ٤٤).
(٢) (٢/ ٢٠٢).
(٣) أخرجه أبو داود (٣١٦١)، والترمذي (٩٩٣)، وابن ماجه (١٤٦٣) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) «علل الحديث» لابن أبي حاتم الرازي (٣/ ٥٠٣).
(٥) «العلل الكبير» للترمذي (١/ ١٤٢) حديث (٢٤٥).
(٦) أخرجه البخاري (١٥٧٣)، ومسلم (١٢٥٩).
[ ٥٣ ]
قال ابن المنذر: «الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية»، وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء (١).
وهذا الاغتسال للطواف، ولذلك لا تغتسل الحائض ولا النفساء لدخول مكة لتعذّر الطواف عليهما.