الأَيمَان: جمع يمين، أصلها في اللغة: اليد، وأُطلقت على الحَلْف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل واحد بيمين صاحبه.
أما شرعًا: فاليمين هو توكيد الشيء بذكر اسمٍ أو صفة لله ﵎.
قال المؤلف ﵀: (والحَلْفُ إنما يكونُ باسمِ اللهِ تَعالى أو صِفةٍ له، ويَحرُمُ بغيرِ ذلك)
يقال: الحَلْف والحَلِف، هما لغتان عند العرب.
والحَلْف إنما يكون باسم الله تعالى أو صفة له ويحرم بغير ذلك.
[ ٤٧٣ ]
اتفق العلماء على أن من حلف فقال: بالله أو تالله أو والله فحنث، أن عليه كفارة، أي أن هذه الأيمان بالحروف الثلاثة الباء والتاء والواو؛ أيمان معقودة، وإذا حلف باسمٍ من أسماء الله تعالى كـ (والله أو والرحمن) فعليه الكفارة إذا حنث، نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (١).
فاليمين ينعقد بأسماء الله ﵎ وبصفاته كـ (وعزة الله أو ورحمة الله)، قال النبي ﷺ: «مَن كان حَالفًا فليحلفْ باللهِ أو لِيصْمُتْ» (٢) ولا ينعقد اليمين بغير ذلك.
الحلف بالله يكون بأسمائه وصفاته كما صح عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة.
وحروف القَسَم في لغة العرب: الواو والتاء والباء.
ومن أيمان النبي - ﷺ -: «والذي نفسي بيده»، هذا اليمين كان يكثر منه النبي - ﷺ -.
«ومقلب القلوب»، و«والله»، و«ورب الكعبة»، و«والذي نفس محمد بيده»، هذه كلها أيمان حلف بها النبي - ﷺ -.
ولا يجوز الحلف بغير الله؛ لقول النبي - ﷺ -: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (٣) متفق عليه،
وقوله - ﷺ -: «ألا من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله» (٤) متفق عليه، وقوله - ﷺ - «لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم» (٥) أخرجه مسلم، وقوله - ﷺ -: «من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله» (٦) متفق عليه، وقوله - ﷺ -: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٧) أخرجه أبو داود من حديث
ابن عمر ﵄.
الطواغي، هي الطواغيت جمع طاغوت، قال الإمام مالك: كل ما عبد من دون الله. انتهى أي وهو راضٍ.
قال العلماء: الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله، فلا يضاهى به غيره.
_________________
(١) الإجماع (ص ١١٤)، وانظر مراتب الإجماع لابن حزم (ص ١٥٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٧٩)، ومسلم (١٦٤٦).
(٣) أخرجه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) أخرجه البخاري (٣٨٣٦)، ومسلم (١٦٤٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) أخرجه مسلم (١٦٤٨) من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁.
(٦) أخرجه البخاري (٦٦٥٠)، ومسلم (١٦٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) أخرجه أحمد (٤٩٠٤)، وأبوداود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) من حديث سعد بن عبيدة عن ابن عمر، ولم يسمعه منه سمعه بواسطة محمد الكندي، بين ذلك البيهقي في سننه، والكندي مجهول. فالحديث ضعيف. والله أعلم
[ ٤٧٤ ]
هذا هو السبب الذي نهي عن الحلف بغير الله لأجله.
والحلف بغير الله جاء في الحديث ابن عمر أنه شركٌ ويشير إلى هذا المعنى الحديث الذي قبله، وهومحمول على التغليظ، كما قال الترمذي ﵀ بعد أن ذكر الحديث قال: هذا على وجه التغليظ، ونقل هذا الكلام أيضًا ابن المنذر في كتابه الأوسط عن ابن المبارك وغيره، وقالوا: هو كفرٌ دون كفر، أي أنه من الشرك الأصغر لا من الشرك الأكبر إلا إذا كان الحالف معظِّمًا للمحلوف به كتعظيمه لله، عندها يكون شركًا أكبر، وذكر ابن المنذر تأويلات أخرى انظرها في الأوسط (١) له.
ثم قال المؤلف ﵀): ومَن حلفَ فقال: «إن شاء الله» فقد استثنى، ولا حِنْثَ عليه)
لا حِنْث عليه أي لا يُعتبر غير بارٍ بيمينه، ولا ناقضًا لها؛ لأنه علقها بمشيئة الله، فلا تلزمه كفارة ولا إثم عليه.
معنى كلام المؤلف: مَنْ حلف على شيء وقال: إن شاء الله؛ فكأنه لم يحلف.
إن قال مثلًا: والله لأدخلنَّ دار فلان إن شاء الله، فإن دخل دار فلان فلا يعتبر حانثًا، ولا شيء عليه؛ لأنه استثنى قال: إن شاء الله.
لقوله - ﷺ -: «من حلف فاستثنى؛ فإن شاء رجع، وإن شاء ترك غير حَنِثٍ» (٢)، فلا يكون حانثًا بذلك.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «قال سليمان بن داود ﵇: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل إن شاء الله، فلم يقل. فطاف بهنَّ فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان»، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان ذلك درَكًا لحاجته» (٣).
قال ابن المنذر ﵀: وحدثني علي عن أبي عبيد، بعد أن ذكر أحاديث توافق هذه الأخبار؛ قال: وبهذا كله كان يأخذ سفيان الثوري، وأهل العراق، ومالك، وأهل الحجاز، والأوزاعي، وأهل الشام، والليث بن سعد، وأهل مصر، وعليه جماعات العلماء من أهل
_________________
(١) الأوسط (١٢/ ١٤٧ - طبعة الفلاح).
(٢) أخرجه أحمد (٥٠٩٣)، وأبوداود (٣٢٦٢)، والترمذي (١٥٣١)، والنسائي (٣٧٩٣)، وابن ماجه (٢١٠٥) من حديث ابن عمر ﵄، والصحيح في الحديث الوقف، ورفعه خطأ، بين ذلك الترمذي والبيهقي في سننه، وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁، قال فيه البخاري: خطأ والصواب أنه حديث سليمان الآتي، ذكر ذلك عنه الترمذي (١٥٣٢). والله أعلم
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٢٠)، ومسلم (١٦٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤٧٥ ]
الآثار وأهل الرأي؛ أن قوله إن شاء الله استثناء في يمينه، وأن لا يكون مع اتصالها باليمين حنث في شيء منها إذا كان يريد به الثناء في الرجوع عما حلف عليه.
قال أبو بكر- أي ابن المنذر نفسه-: وكذلك قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. انتهى
معنى الاتصال؛ أن يكون الاستثناء متصلًا بالكلام، يعني تقول: والله لا أدخل دار فلانٍ إن شاء الله، لا تفصل إن شاء الله عن بقية الكلام بفاصل زمني، فلا تقل مثلًا: والله لا أدخل دار فلان ثم بعد ساعة أو ساعتين تقول: إن شاء الله، هذا في صحته خلاف، والمتصل نقل البعض الإجماع على صحته. والله أعلم
قال المؤلف ﵀: (ومن حلفَ على شيءٍ فرأى غيره خيرًا منه؛ فليأتِ الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه)
من حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه، من قال مثلًا: والله لا أتصدق على فلان، ورأى أن الصدقة عليه خير له من عدم الصدقة عليه، فيكفِّر عن يمينه ويتصدق عليه؛ لقول النبي - ﷺ -: «إذا حلفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرها خيرًا منها؛ فكفِّر عن يمينك وأتِ الذي هو خير» (١) متفق عليه.
وله أن يكفِّر قبل الحنث وبعده، يعني إذا قال: والله لا أتصدق على فلان، هل يكفِّر عن يمينه قبل أن يتصدق عليه أم يكفِّر عن يمينه بعد أن يتصدق عليه؟
قلنا: وله أن يكفِّر قبل الحنث وبعده، أي له أن يتصدق على الرجل قبل أن يكفِّر عن يمينه، وله أن يكفِّر عن يمينه ثم يتصدق عليه، هذا قول جمهور علماء الإسلام.
وأفتى أربعة عشر صحابيًا بتقديم التكفير، أي بجواز تقديم التكفير، هذا الذي حصل فيه الخلاف، تأخير التكفير لا إشكال فيه، لكن الخلاف حصل في تقديم التكفير، فجمهور العلماء وأربعة عشر صحابيًا أفتوا بجواز تقديم التكفير على الحنث، وقال به سائر فقهاء الأمصار، وخالف في ذلك أهل الرأي، وقد بوَّب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: باب الكفارة قبل الحنث وبعده (٢)، وذكر أحاديث عن النبي - ﷺ - تدل على جواز التكفير بعد الحنث وقبل الحنث.
والإمام البخاري ﵀ يكثر في تبويباته من رده على أهل الرأي، قد نبه الحافظ ابن حجر على أكثر من موضع من ذلك، يعني يبوِّب أبوابًا يرد بها أقوال أهل الرأي، رد عليهم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧١٤٦)، ومسلم (١٦٥٢) من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري أول حديث في هذا الباب برقم (٦٧٢١).
[ ٤٧٦ ]
أقوالهم لأنها مخالفة للسنة، وأقوالهم أحيانًا كثيرة تخالف سنة النبي - ﷺ - لذلك بعض أهل الحديث يعقدون أبوابًا خاصة في الرد عليهم، كالإمام البخاري ﵀ وابن أبي شيبة أيضًا في المصنف له كتاب كامل في الرد على أهل الرأي، ولذلك تجد اليوم أهل الأهواء الذين يسعون إلى التخلص من قيود الشريعة يميلون إلى مذهب أهل الرأي وكذلك تفعل بعض الدول مع أن أصل مذهبهم مالكي أو شافعي.
قال المؤلف ﵀: (ومَن أُكره على اليمينِ فهي غيرُ لازمةٍ، ولا يأثمُ بالحِنثِ فيها)
الله ﷾ يقول في كتابه الكريم ﴿إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل/١٠٦]، فما فُعِل بالإكراه إثمه مرفوع عن هذه الأمة، فالنبي - ﷺ - قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١).
ففي حال الإكراه يكون الإثم مرفوعًا عن الشخص، ولا ينعقد يمينه إذا كان مكرهًا عليه، فلا يأثم بفعل ما حلف عليه ولا تلزمه كفارة.
قال ابن عثيمين ﵀ في شرح الزاد: قوله: «الثاني: أن يحلف مختارًا» أي: الشرط الثاني لوجوب الكفارة أن يحلف مختارًا، يعني مريدًا للحلف، وضد المختار المكره.
قال المؤلف - الكلام لابن عثيمين والمؤلف صاحب الزاد-: «فإن حلف مكرهًا لم تنعقد يمينه» فلو أن رجلًا مجرمًا عثر عليه إنسان فأمسك به، وقال: سأرفع أمرك لولي الأمر، فقال له المجرم: إذا رفعت بي سأقتلك، ثم قال المجرم: أَقْسِمْ بالله أنك لا تخبر بي، وإلا قتلتك، فأقسمَ بالله أن لا يخبر به، فهذه اليمين لا كفارة فيها؛ لأنه حلف مكرهًا، وعلى هذا فلو أخبر ولاةَ الأمور بصنيع هذا المجرم فليس عليه إثم، وليس عليه كفارة؛ لأنه حلف مكرهًا، والدليل من القرآن ومن السنة:
أما من القرآن فقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. فإذا كانت كلمة الكفر قد صدرت من مُكرَهٍ فلا أثر لها، فما سواها مثلها.
أما من السنة، فقال النبي - ﷺ -: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وعلى هذا فإن حنث في يمينه في هذه الحال، فلا إثم عليه ولا كفارة. انتهى.
قال المؤلف ﵀: (واليمينُ الغَمُوسُ هي التي يَعلَمُ الحالِفُ كَذِبَها)
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٤٧٧ ]
هذا تعريف لليمين الغموس، عرَّف المؤلف اليمين الغموس فقال: هي التي يعلم الحالف كذبها، أي يحلف الحالف كذبًا وهو يعرف أنه كذاب في حلفه هذا، يحلف على أمر ماضٍ، فيقول حصل كذا، وهو لم يحصل فيكون كاذبًا.
وسميت هذه اليمين بالغموس لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم أعاذنا الله وإياكم.
هذه اليمين لا تكفَّر، لا كفارة فيها؛ إذ هي أعظم من أن يكفِّرها ما يكفِّر اليمين.
ولا دليل على كونها تكفَّر.
قال النبي - ﷺ -: «مَن حلفَ على يمينٍ يَقتطِعُ بها مالَ امرِئٍ مسلمٍ، هو عليها فاجرٌ لقيَ اللهَ وهو عليه غَضبَانُ» (١) متفق عليه.
وفي صحيح البخاري (٢) عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي - ﷺ -: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس»، فعدَّها النبي - ﷺ - من الكبائر.
وفي رواية (٣): قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب»، فهذه الأحاديث ذكرت اليمين الغموس وبينت أنها من الكبائر وورد فيها وعيد، ولا يجتمع كونها كبيرة وفيها وعيد وتكفر، ولم يأت حديث صحيح يدل على أن فيها كفارة، وليست هي كاليمين الأخرى. والله أعلم.
قال ابن المنذر في الأوسط (٤) بعد ذكر إسناده: عن رفيع أبي العالية، أن ابن مسعود كان يقول: كُنّا نَعُدُّ مِن الذنب الذي لا كفارة له، اليمين الغموس: أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبًا يقتطعه.
وقال سعيد بن المسيب: يمين الصبر من الكبائر. وقال الحسن البصري: إذا حلف على أمر كاذبًا متعمدًا فليس كفارة هو أعظم من ذلك. وكذلك قال حماد الكوفي، وأبو مالك، وإبراهيم النخعي.
هذا قول مالك بن أنس، ومن تبعه من أهل المدينة، وبه قال الأوزاعي، ومن وافقه من أهل الشام، وكذلك قال سفيان الثوري، وأهل العراق، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة.
قال أبو بكر: وبه نقول والدلائل تكثر لمن قال هذا القول، أحدها: هذه الأخبار التي لا تحتمل إلا معنى واحدًا، وهو قول النبي - ﷺ -: «من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان». وقوله: «حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار». وقوله: «حرم الله عليه الجنة وأدخله النار» مع سائر ألفاظ الأخبار التي ذكرناها في هذا الكتاب، وسائر الأخبار التي هي مذكورة بغير هذا الكتاب، وغير جائز أن يجيز النبي - ﷺ - أن من حلف بهذه اليمين التي ذكرناها يلقى الله وهو عليه غضبان، مع سائر الوعيد الذي هو مذكور في هذه الأخبار، ويكون أَمرَه في كفارة اليمين بالإطعام، أو الكسوة، أو الرقبة فإن لم يجد فالصيام،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٥٦)، ومسلم (١٣٨) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٧٥) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٣) عند البخاري (٦٩٢٠) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٤) الأوسط (١٢/ ١٣٨).
[ ٤٧٨ ]
ويكون قوله: ﴿ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم﴾ كفارة لما هو مذكور في الأخبار من الوعيد؛ هذا يستحيل، والكفارة إنما جعلت في الأيمان التي يكون الرجل فيها حانثًا بعد عقد اليمين، فيفعل ما حلف أن لا يفعله أو يترك ما أوجب على نفسه باليمين أنه فاعله
إلى أن قال: قال إبراهيم النخعي: الأيمان أربع: يمينان يُكفَّران، ويمينان لا يكفران: قول الرجل: والله ما فعلت وقد فعل، ووالله لقد فعلت وما فعل، ليس في هذا كفارة إن كان تعمد شيئًا؛ فهو كذب؛ فليستغفر الله، وإن كان يرى أنه كما قال: فهو لغو يكفر، وقول الرجل: والله لا أفعل فيفعل، ووالله لأفعلن فلا يفعل؛ فهذا فيه كفارة انتهى ثم نقل خلاف الشافعي في اليمين الغموس وأنها تكفر عنده. والله أعلم.
قال المؤلف ﵀: (ولا مُؤَاخَذةَ باللَّغوِ)
لغو اليمين اختلف فيه أهل العلم، فبعضهم قال: هو أن يقول المرء: لا والله، وبلى والله.
كلمة تجري على اللسان لا ينوي بها اليمين ولا يعقد قلبه عليها. هذا قول.
القول الثاني: أن يعقد الحالف اليمين ظانًا صدق نفسه ثم يتبيَّن أن الأمر بخلافه.
فيحلف على أمرٍ ويظن أن هذا الأمر كما هو حلف عليه، ثم عندما تظهر حقيقة الأمر يظهر له أنه مخطئ في ظنه. بعض أهل العلم فسر لغو اليمين بهذا المعنى، ومنهم الإمام مالك ﵀.
ولا يبعد أن يكون كلا المعنيين مرادًا.
ولغو اليمين لا يؤاخذ عليه الشخص وليس فيه كفارة؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة/٨٩]، فلغو اليمين لا يعتبر شيئًا، وليس فيه كفارة.
قال ابن المنذر ﵀ في الأوسط: ذكر اللغو في اليمين
اختلف أهل العلم في اللغو في اليمين، فقالت طائفة: هو قول المرء: لا والله، وبلى والله، روي هذا القول عن ابن عباس وعائشة قال أبو بكر: روي هذا القول عن عطاء، والحسن، والقاسم بن محمد، وعكرمة، والشعبي، وبه قال أبو عبيدة معمر بن المثنى، وكذلك قال الشافعي، الربيع أخبرني عنه.
وقالت طائفة: لغو اليمين هو: أن يحلف على الشيء يرى أنه كما حلف عليه ثم لا يكون كذلك، روي هذا القول عن ابن عباس وغيره روي ذلك عن الحسن ومجاهد، وقتادة، والنخعي، والكلبي وسليمان بن يسار، وبه قال مالك، أبو مصعب عنه، وهو قول الأوزاعي وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي انتهى.
وذكر أقوالًا أخرى، ثم قال: قال أبو بكر- يعني نفسه-: وأكثر أهل العلم على أن لا كفارة في اليمينين اللتين بدأنا بذكرهما وهو: قول الرجل: لا والله، وبلى والله، غير معتقد بذلك
[ ٤٧٩ ]
يمينًا، والأخرى: حَلْف الرجل على الشيء يرى أنه حلف عليه، ثم لا يكون كذلك انتهى باختصار.
قال المؤلف ﵀: (ومِن حَقِّ المسلمِ على المسلمِ إبْرارُ قَسمِهِ)
إبرار القسم هو أن يعمل بما حلف عليه صاحبه، فتبرّ قسمه، كأن يقول لك صاحبك: والله لتأكلن، فيستحب لك الأكل لكي لا يحنث في يمينه.
فهو سنة مستحبة إذا لم يكن فيه مفسدة أو خوف ضرر أو نحو ذلك، فإن كان شيء من هذا لا يَبر قسمه، لا يلزمه أن يبر قسمه إذا حصلت مفسدة من ورائه، كما فعل النبي - ﷺ - مع أبي بكرٍ الصديق لما عبَّرأبو بكر الصديق الرؤيا، قال له النبي - ﷺ -: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضا»، قال أبو بكر: فوالله يا رسول الله لتحدثني ما الذي أخطأت؟ فقال النبي - ﷺ - «لا تقسم» (١). فلم يخبره بذلك، فلم يبر قسمه، لوجود مفسدة من وراء ذلك، ذكر معنى ما ذكرناه النووي في شرح مسلم.
ودليل استحباب إبرار القسم قول البراء ﵁: «أمرنا النبي - ﷺ - بسبعٍ ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس » (٢).
قال المؤلف ﵀: (وكَفَّارةُ اليمينِ هي ما ذَكرَهُ اللهُ في كِتابِهِ العزيزِ)
يعني من لزمه كفارة يمين فعليه الكفارة التي ذكرها الله في كتابه، كفارة اليمين الواجبة عليه هي التي ذكرها الله في القرآن.
قال تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة/٨٩].
هذه الآية بينت لنا كفارة اليمين كيف تكون، فقال: فكفارته إطعام عشرة مساكين. هنا المسكين أُفرد بالذكر، نحن ذكرنا في كتاب الزكاة أن الفقير والمسكين كلمتان إذا اجتمعتا افترقتا، وإذا افترقتا اجتمعتا، هنا حصل الافتراق فيكون الفقير والمسكين بمعنى واحد وهو من لا يملك كفايته.
فمن لا يملك كفايته يكون ممن يصح يستحق الكفارة.
فكفارته إطعام عشرة مساكين، ولا بد أن يكون هؤلاء المساكين عشرة، لا ينفع أن تطعم واحدًا عشر مرات، لا بد أن يكونوا عشرة؛ لأن الله ﷾ نصَّ على العشر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٣٩)، ومسلم (٢٠٦٦) من حديث البراء بن عازب ﵁.
[ ٤٨٠ ]
والإطعام يكون بأن تعطيهم طعامًا لا تعطيهم نقودًا، النقود لا تنفع، الله ﷾ ذكر الطعام وكانت النقود موجودة عندهم، فلو كانت النقود تجزئ عن الطعام لذكرها الله ﷾، لكن بما أنه ذكر الطعام فنقتصر على الطعام.
وهذا الطعام قال الله ﷾ فيه: من أوسط ما تطعمون أهليكم، أي من أعدله أي لا الدنيء الزهيد ولا الغالي الثمن، المتوسط، يعني في حالنا اليوم كثير من الناس عندنا هنا يأكلون في الغالب - الطعام المتوسط عند كثير من الناس - الأرز والدجاج مثلًا، فمثل هذا الذي غالب طعامه من الأرز والدجاج إذا أراد أن يطعم طعامًا متوسطًا يطعم مدًا من الأرز أو نقول صحن مطبوخ مشبع مع ربع دجاجة يكون بذلك قد أطعم شخصًا، فيطعم عشرة أشخاص على هذا النحو، ولا يشترط أن يكون مطبوخًا كما يَشترط البعض، فابن جرير الطبري ﵀ تكلم على هذه المسألة عند تفسيره لهذه الآية، وذكر أن الكفارات التي ذكرها الله ﷾ وجاءت في سنة النبي - ﷺ - ليس فيها شيء اشتُرط فيه الطبخ، فلذلك هذه تُلحق بتلك الكفارات فالطبخ ليس شرطًا فيها، إن طبختَ جزاك الله خيرًا أفضل، لكن لا يعتبر هذا شرطًا.
أما الكسوة فأصح الأقوال في ذلك أن ثوبًا ساترًا للعورة يكفي، اليوم كثير من الناس يرتدي البنطال والقميص القصير فالكسوة تكون بالبنطال والقميص تكون كسوة كاملة، البعض قال: إذا كان جزءًا من هذا يكفي لكن الصحيح أن هذه لا تعتبر كسوة كاملة، الكسوة أن يعطيه ما يستره، وهذا يحتاج أقل شيء اليوم بالنسبة لنا البنطال والقميص القصير هذا يعتبر كسوة.
(أو تحرير رقبة)، (أو) للتخيير، فعندك الآن إما الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة.
الرقبة: عتق عبد أو أمة، الرقبة هنا: عتق عبد أو أمة، وهذا في الغالب غير موجود اليوم إلا أنه داخل من ضمن الخيارات فإطعام أو كسوة أو تحرير رقبة، أنت مخيَّر بين هذه الثلاث، ولا يلزمك الترتيب إلا مع الصيام، يلزمك الترتيب بين هذه الثلاث وبين الصيام فعندنا ترتيب وتخيير، التخيير بين هذه الثلاث التي ذكرناها الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة أنت مخير بين هذه الثلاث.
أما الترتيب ففي حال عدم القدرة على واحدة من هذه الثلاث تتحول إلى الصيام؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿فمن لم يجد﴾ يعني عندك ترتيب الأول إما أن تجد أو لا تجد، فإن وجدت فأنت مكلف بواحدة من الثلاث ولا بد، ولا يجوز الصيام وأنت قادر على واحدة منها، أما إذا لم تجد فتنتقل إلى الصيام.
قال تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾، صيام ثلاثة أيام هذا في حال عدم إيجاد الثلاثة الأولى، قال ابن المنذر في الأوسط: أجمع أهل العلم على أن الحالف الواجد الإطعام أو الكسوة أو الرقبة؛ لا يجزئه الصوم إذا حنث في يمينه.
وهل الصيام يجب أن يكون متتابعًا أم لا؟ خلاف بين أهل العلم، الذين قالوا بالتتابع احتجوا بقراءة شاذة لابن مسعود لا يعتمد عليها، فالقراءات المعتمدة المتواترة ليس فيها تقييد
[ ٤٨١ ]
بالتتابع فتبقى على إطلاقها ولا نقيدها بشيء من عندنا نحن، فيجوز أن تصومها متتابعة أو متفرقة. هذا هو الصحيح إن شاء الله. والله أعلم.