(الجنائز)، جمع جنازة، يقال جِنازة بكسر الجيم، وجَنازة بفتحها، والكسر أفصح، ومعناها النعش، أو الميت، وتطلق على النعش والميت معا.
قال المؤلف - ﵀ -: (مِنَ السنة عيادةُ المريضِ)
(من السنة): أي من طريقة النبي - ﷺ - ومن هديه عيادة المريض. ومعنى عيادة المريض زيارته.
ودليل سنية عيادة المريض، قول النبي - ﷺ -: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس». متفق عليه (١).
وقد ذكرنا معنى المتفق عليه، أي أن هذا الحديث أخرجه البخاري في «صحيحه» وأخرجه مسلم في «صحيحه».
والشاهد منه قول النبي - ﷺ -: «وعيادة المريض»، فحق المسلم على المسلم عيادة المريض: أي زيارته.
وفي رواية عند مسلم زاد «النصيحة» (٢).
وفي رواية أخرى عند البخاري «نصر المظلوم وإبرار القسم» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) (٢١٦١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) (١٢٣٩) من حديث البراء بن عازب - ﵁ -.
[ ١٢٩ ]
وعيادة المريض مشروعة بالاتفاق (١)، ولكن اختلف أهل العلم في حكمها، فقد نقل النووي ﵀ الإجماع على أنها ليست واجبة وجوبًا عينيًا (٢).
والواجب في شرع الله هو ما أمر به الشارع أمرًا إلزاميًا، أي أمرًا جازمًا، أي أن الله ﷾ أمرنا بالفعل وألزمنا بفعله فمن لم يفعله فهو مُعِّرض نفسه للعقاب.
والواجب ينقسم إلى قسمين: واجب عيني وواجب كفائي.
ونعني بالواجب العيني، أن كل مسلم مكلف مطلوب منه أن يعمل هذا العمل مثل الصلاة والصيام وغيرها، فهذا يسمى واجبًا عينيًا.
أما الواجب الكفائي، فنعني به أنه الذي إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
أي أن يطلب الله ﷾ منا أو يأمرنا بفعل ليس المقصود أن يفعله زيد أو بكر لكن المقصود أن يُفعل هذا الفعل، مثل دفن الميت.
فدفن الميت واجب كفائي، واجب على جميع الأمة أن تدفن هذا الميت، فإذا لم يدفنه أحد أثم كل من علم به ولم يفعله، لكن إذا دفنه واحد سقط هذا الوجوب عن جميع الأمة، فالمطلوب الأساسي من الأمر هو الفعل، أن يُفعل بغض النظر عن فاعله. هذا معنى الواجب الكفائي.
طلب العلم الشرعي ووجود علماء في الأمة واجب كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإذا لم يقم به أحد أو قام به بعض لا يكفون يبقى هذا الحكم معلقًا في رقاب الأمة حتى يقوموا به وإلا أثموا عند الله ﵎.
هذا معنى الواجب الكفائي أنه إذا قام به بعض الأمة سقط عن جميع الأمة.
فهنا نقل النووي - ﵀ - الاتفاق على أن عيادة المريض ليست واجبًا عينيًا، يعني إذا سمعنا بأن فلانًا مريض، فلا يجب على كل واحد منا أن يذهب ليزوره، فلو ذهب واحد وزاره سقط هذا الواجب لأن الصحيح أنه واجب كفائي.
هذا من حيث الوجوب، لكن إذا ذهب جمع فهو مستحب لا بأس به، فهو واجب كفائي لأن النبي - ﷺ - جعله من حقوق المسلم على المسلم، فمن حق المسلم على المسلم، أن يزوره
_________________
(١) قال ابن حزم: «واتفقوا على أن عيادة المريض فضل» «مراتب الإجماع» (ص ١٥٧).
(٢) قال النووي: «أما عيادة المريض فسنة بالإجماع» «شرح صحيح مسلم» (١٤/ ٣١).
[ ١٣٠ ]
بعض المسلمين.
والمراد بالمريض هنا الذي مرض مرضًا يحبسه عن الخروج إلى الناس، ليس الذي جرحته مثلًا زجاجة أو ما شابه.
فالسنة في مثل هذا المرض عيادة صاحبه، لأن المراد بالعيادة هو مواساة المريض وأن يستأنس بالناس ولا يشعر بالوحدة والانقطاع عنهم وتذكيره بالصبر على البلاء إلى أن يرفع عنه وهذا يحصل برؤيته.
قال المؤلف - ﵀ -: (وتلقين المحتضَر الشهادتين)
(التلقين): تقول لقّنْتُه الشيء فتلقنه إذا أخذه من فيك مباشرة، فهو إعطاؤه الشهادتين مشافهة تقول له يا فلان: قل لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذا معنى التلقين.
و(المحتَضَر) بفتح الضاد الذي حضره الموت فهو في النزع.
(الشهادتين) أي أن تقول له: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
بعض الناس يقول لك: لا تقل له: «قل»، بل نقول له: «قل»، فهكذا علمنا النبي - ﷺ - وهكذا فعل، فقد قال لأحد من كان على وشك الموت: «قل لا إله إلا الله» (١)، لكن لا ترددها عليه، فإذا قالها فاسكت، فإن عاد وتكلم فأعدها عليه، لأن النبي - ﷺ - قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٢).
فنحن عندما نلقن هذا المحتضَر الشهادتين نريد أن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله كي يكون من أهل الجنة فإذا قالها تسكت، وإذا بقي عليها فلا تعيدها عليه، لكن إن عاد وتكلم بكلام آخر تعيدها عليه كي تكون آخر ما يقول.
فتلقين المحتضر سنة ثابتة عن النبي - ﷺ -، قال أبو سعيد الخدري، قال رسول الله - ﷺ -: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (٣).
ومعناه من حضره الموت لا الميت، لأن النبي - ﷺ - لقّن من حضره الموت لا الميت.
قال ﵀: (وتَوْجيهُهُ)
أي ومن السنة توجيه المحتَضر إلى القبلة، ولكن هل هذا من السنة كما قال المؤلف أم لا؟
_________________
(١) قاله النبي - ﷺ - لعمه أبي طالب، أخرجه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٢٠٣٤)، وأبو داود (٣١١٦) وغيرهما من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -.
(٣) أخرجه مسلم (٩١٦) من طريق أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
[ ١٣١ ]
في المسألة خلاف بين أهل العلم، فبعضهم يقرر ما قرره المؤلف ويقول إنه من السنة، لكنهم يعتمدون على أحاديث ضعيفة لا يصح منها شيء، ولم يثبت عن النبي - ﷺ - في حديث صحيح أنه كان يوجه المحتضر إلى القبلة، وهو حديث عبيد بن عمير عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال وقد سأله رجل عن الكبائر، قال: «هي تسع» يعني الكبائر، وذكر منها «استحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا» (١)
قالوا: قال: «قبلتكم أحياءً وأمواتًا»، فمن أراد أن يموت نستقبل به القبلة.
وهذا خطأ، خطأ من ناحية أن الحديث نفسه ضعيف لا يصح.
والأمر الثاني: قوله أمواتًا، فالمحتضر ليس ميتًا ما زال حيًا فلا يدخل فيه.
وإنما المقصود أنكم تستقبلون البيت في الصلاة، وكذلك أمواتًا في القبر، فالميت في قبره يكون متجهًا إلى القبلة.
واستدلوا أيضًا بحديث عند الحاكم عن أبي قتادة أن البراء بن معرور أوصى أن يوجه إلى القبلة إذا احْتُضِر، فقال رسول الله - ﷺ -: «أصاب الفطرة»، وهو حديث ضعيف، فهو مرسل وفيه نعيم بن حماد، وهو ضعيف (٢).
وكان سعيد بن المسيب وهو أحد أئمة التابعين الكبار من فقهاء المدينة السبع يُنكر هذا الفعل، فقد وجهوه إلى القبلة وكان يحتضر فلما استيقظ قال من فعل بي ذلك، قالوا فلان فأنكره وقال: أليس الميت أمرأً مسلمًا، فلماذا توجهونه إلى القبلة (٣).
فالعبرة بالدليل على كل حال، وبما أنه لم يرد في السنة شيء صحيح عن النبي - ﷺ - في ذلك، فليس هذا من السنة وخاصة أنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه حضر أكثر من واحد كانوا يحتَضَرون ومع ذلك لم يثبت عنه في حديث واحد أنه أمر بهم أن يوجهوا إلى القبلة، فالصحيح إذًا أن هذا الفعل ليس من السنة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٧٥) عن عبيد عن جده، ولجده صحبة. في سنده عبد الحميد بن سنان، قال البخاري: في حديثه نظر. انتهى قلت: يعني هذا الحديث. وقال الذهبي: لا يعرف، وقد وثقه بعضهم. انتهى. قلت: كأنه يشير إلى ذكر ابن حبان له في الثقات. . وله شاهد من حديث ابن عمر لا يقويه؛ ففي سنده أيوب بن عتبة ضعيف، واختلف عليه فيه، وشيخه طيسلة مجهول الحال.
(٢) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١٣٠٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦٦٠٤) عن أبي قتادة - ﵁ -.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٤٤٧).
[ ١٣٢ ]
قال ﵀: (وتَغْمِيِضُهُ إذا مات)
أي من السنة تغميض عيني الميت إذا مات، لحديث أم سلمة قالت دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه النبي - ﷺ -، أي بعدما مات فتح أبو سلمة عينيه فأغمضه النبي - ﷺ - ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» فضجّ ناس من أهل أبي سلمة، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» (١).
فليكن العبد حذرًا في هذه اللحظة أن يدعو على نفسه بشيء فيهلك في دنياه وآخرته فإن الملائكة تؤمن على ما يقول، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وأخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه».
وشاهِدنا من الحديث قول أم سلمة: أن النبي - ﷺ - دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه يعني فأغمض عينيه.
قال المؤلف: (وقراءة يس عليه)
أي من السنة أن تقرأ سورة يس على الميت، بعد موته وقبل وضعه في القبر. واستدل المصنف - ﵀ - بعد أنّ ذكر هذا بقوله - ﷺ -: «اقرأوا على موتاكم يس» (٢). أخرجه أبو داود وغيره، وضعفه الدارقطني، وقال: «لا يصح في هذا الباب حديث»، وضعفه ابن القطان الفاسي وغيرهما.
وقد ذكرنا فيما مضى أن أي حديث تذكره تذكر مصدره الأساسي، من خرّج هذا الحديث من كتب السنة المعتمدة، ثم إذا كان خارج «الصحيحين» يلزمك أن تذكر من صححه أو ضعفه من العلماء، لأن أحاديث «الصحيحين» قد اتفق علماء الإسلام على صحة ما فيهما إلا أحاديث يسيرة صححها البخاري وصححها مسلم، أما ما كان خارج «الصحيحين»، فنحتاج إلى معرفة مصدر الحديث ومعرفة من صححه أو ضعفه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٢٠) عن قبيصة بن ذؤيب عن أم سلمة ﵂.
(٢) أخرجه أحمد في «المسند» (٢٠٣٠١)، وأبو داود (٣١٢١)، وابن ماجه (١٤٤٨) من حديث معقل بن يسار - ﵁ -. انظر الضعيفة للألباني (٥٨٦١) لمعرفة علته.
[ ١٣٣ ]
فالحديث السابق ضعيف وإذا كان ضعيفًا فلا يعمل به، لأن العمل لا يكون إلا بالحديث الصحيح، والحديث الصحيح هو ما ثبت أن النبي - ﷺ - قاله، أما الحديث الضعيف فأنه ما لم يثبت أن النبي - ﷺ - قاله.
فهذا الحديث، ضعفه الدارقطني وهو إمام كبير من علماء الحديث ومتخصص في علم العلل، وكذلك ضعفه ابن القطان الفاسي وهو من علماء هذا الشأن الكبار.
فقراءة سورة يس على الميت لا تصح، لأنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه حضر أقوامًا يحتضرون ومع ذلك لم يصحّ عنه أنه قرأ القرآن عليهم ولا أمر بذلك ولا رغب فيه.
قال المؤلف - ﵀: - (والمبادَرَةُ بتَجْهيِزِهِ إلا لتَجْويزِ حياته)
أي من السنة الإسراع في تجهيز الميت بتغسيله وتكفينه ودفنه إلا إذا احتملنا أن يكون حيًّا، ولم نتأكد من موته، فلا نسرع في تجهيزه لئلا ندفنه وهو حي.
والأحاديث التي استدل بها المؤلف ضعيفة لا تصح، ولا يحتج بها، ضعفها الترمذي والحافظ وغيرهما.
ولكن الإسراع بتجهيزه أفضل خشية أن يتغير الميت.
وأصح ما استدل به من قال بسنية الإسراع قول النبي - ﷺ -: «أسرعوا بالجنازة»، والمراد بذلك عند حمله والذهاب به إلى قبره لا الإسراع من البداية وإن كان الحديث يحتمل ذلك، لكن سياقه يدل على أن المراد من الإسراع بالجنازة بعد حملها على الرقاب فإن النبي - ﷺ - قال: «فإنه إما أن يكون خيرًا فتقدمونها إليه أو أن يكون شرًا فتضعونه عن رقابكم» (١)، فقوله تضعونه عن رقابكم» قرينة تدل على أن الأمر بالإسراع عند الحمل على الرقاب.
وهذا المعنى هو الذي ذكره القرطبي والنووي.
قال المؤلف ﵀: (والقضاءُ لدينه)
أي من السنة أيضًا المبادرة بالقضاء لدينه لأن النبي - ﷺ - امتنع من الصلاة على الميت الذي عليه دين حتى التزم بذلك بعض الصحابة فصلى عليه، كما جاء في حديث سلمة بن الأكوع في «الصحيح» قال: كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ - إذ أُتي بجنازة فقالوا: صلِّ عليها، فقال: «هل عليه دين؟» قالوا: لا، قال: «فهل ترك شيئًا» قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أُتي بجنازة
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٣٤ ]
أخرى فقالوا: يا رسول الله صلِّ عليه، قال: «هل عليه دين؟» قيل: نعم، قال: «فهل ترك شيئًا؟» قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليه.
لأنه وإن كان عليه دين لكن وجِد ما يقضى به دينه.
ثم أتي بثالثة فقالوا: صلِّ عليها، قال: «هل ترك شيئًا؟»، قالوا: لا، قال: «فهل عليه دين؟» قالوا: ثلاثة دنانير - أي عليه ثلاثة دنانير-، قال: «صلوا على صاحبكم»، قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله، وعليّ دينه، فصلى عليه - ﷺ - (١).
فمن هذا الباب قال المؤلف - ﵀ - من السنة المبادرة لقضاء دين الميت حتى يرفع عنه الإثم وتبرأ ذمته منه.
وقد كان هذا في أول الأمر، ولما فتح الله على رسول الله - ﷺ -، قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا، فعليّ قضاءه، ومن ترك مالًا فلورثته» (٢).
فيستحب الإسراع بقضاء دين الميت عنه.
قال المؤلف ﵀: (وتَسْجِيَته)، أي تغطيته.
ويسن تغطيته بعد أن تخرج روحه بثوب يستر جميع بدنه، إلا إذا كان محرمًا، لحديث عائشة: «أنه ﵇ حين توفي سُجِّي ببردة حبرة» (٣) وهي ثوب يماني مخطط.
وأما المحرم فقد قال ﵇: «ولا تخمروا رأسه ووجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» (٤).
يعني لا تغطوا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا
وقوله (وجهه) انفرد بها مسلم.
قال المؤلف - ﵀): - ويجوز تقبيله)
أي يجوز تقبيل الميت ففي «الصحيح» أن أبا بكر الصديق - ﵁ - قبّل النبي - ﷺ - بعد موته (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٨٩)، عن سلمة بن الأكوع - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٣)، ومسلم (١٦١٩) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٥٨١٤)، ومسلم (٩٤٢) عن عائشة ﵂.
(٤) أخرجه البخاري (٢٧١٤)،، ومسلم (١٢٥٦) عن ابن عباس - ﵁ -.
(٥) أخرجه البخاري (٤٤٥٥) عن عائشة وابن عباس ﵄.
[ ١٣٥ ]
قال المؤلف - ﵀ -: (وعلى المريض أن يُحْسِنَ الظَّنَّ بربِّهِ)
وذلك لقوله - ﷺ -: «لا يموتَنَّ أحدُكُم إلا وهو يحسن الظن بربه» (١).
وذلك - أي إحسان الظن بالله - بأن يوقن بأن الله ﵎ لا يظلم أحدًا، وأنه إذا تاب ورجع إلى الله ﵎ أن الله سيقبل توبته، وأن الله غفور رحيم، ولا يقنط من رحمة الله فهي واسعة تسعُه وتَسعُ غيره.
قال المؤلف: (ويتوب إليه)
التوبة لغة: الرجوع، وفي الشرع: الرجوع عن معصية الله تعالى إلى طاعته.
ولها شروط:
الشرط الأول: الإخلاص، بأن تكون التوبة ابتغاء وجه الله ﵎.
والثاني: الندم، أي أن يندم على فعل ما مضى من معاصٍ وذنوب.
والثالث: الإقلاع عن الذنب الذي تاب منه، فلا تنفع توبة وأنت باق على فعل الذنب، فمن كان يشرب الخمر ويقول أستغفر الله وأتوب إليه، فلا يصلح منه ذلك وإنما يجب ترك هذا الذنب، ورد الحقوق لأصحابها إن كانت معصيتك هذه بسرقة أو غصب أو ما شابه، فوجب عليك أن ترد الحقوق لأصحابها لتقبل التوبة.
والرابع: العزم على عدم العودة إلى هذا الذنب.
والخامس: أن تكون توبته في زمن قَبول التوبة، فإن لها زمنًا تقبل فيه، زمن عام يشترك الناس جميعًا فيه وهي أن تطلع الشمس من مغربها،، كما قال - ﷺ - (٢)، ووقت خاص بكل عاصٍ ومذنب وهو قبل الغَرْغَرَةِ - أي عند خروج الروح - فإذا وصل العبد إلى درجة الغرغرة لا تُقْبَل منه توبة كما جاء في الأحاديث الصحيحة (٣).
قال المؤلف - ﵀ -: (ويَتَخَلَّصُ عن كُلِّ ما عليه)
أي يتخلص من كل ما عليه من حقوق، من دَين أو وَدِيعَةٍ أو غَصْبٍ أو غيرها من حقوق العباد، يتخلص منها كلها، إما برَدِّها مباشرة إلى أصحابها أو بكتابة وصية بذلك، فإن لكل شخص حقًّا سيطالب به أمام الله ﵎ فلابد إذن من التخلص من الحقوق لتبرأ ذمتك ولا يطالبك أحد بشيء بين يدي الله ﵎.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٧٧) عن جابر بن عبد الله - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٠٣) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» (٦١٦٠)، والترمذي (٣٥٣٧)، وابن ماجه (٤٢٥٣) عن ابن عمر - ﵁ -.
[ ١٣٦ ]
هذه كلها أفعال تُفعل ويُسنُّ فعلها في بداية حال الميت، إما عند الاحتضار أو بعد الموت وقبل البدء بالتغسيل، ثم بعد ذلك يُبدء بالتغسيل.