قال المؤلف - ﵀ -: (كتاب الصلاة)
الصلاة لغة: الدعاء، قال تعالى: ﴿وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ أي: ادع لهم.
[ ٦٠ ]
وقال - ﷺ -: «إذا دعي أحدكم، فليجب إن كان مفطرًا، وإن كان صائمًا، فليصلِّ» أي: فليدعُ. أخرجه مسلم (١).
وأما في الشرع، فهي الأفعال المعلومة التي تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم.
والأصل في ذكر الصلاة في الكتاب والسنة أنها بالمعنى الشرعي، وذلك أصل في كل معنى تختلف فيه المعاني اللغوية عن الشرعية.
وحكمها معلوم لا يخفى على أحد، فهي واجبة، وثاني ركن من أركان الإسلام، قال - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصيام رمضان» وفي رواية: «وصيام رمضان والحج». متفق عليه (٢).
وقال ابن حزم: «لا خلاف من أحد من الأمة أن الصلوات الخمس فرض، ومن خالف ذلك كفر» (٣).
ودليل الصلوات الخمس من السنة حديث طلحة بن عبيد الله، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل عليّ غيرها؟ قال - ﷺ -: «لا إلا أن تطَّوّع» متفق عليه (٤).
قال ابن المنذر - ﵀ -: «ولا اختلاف أن الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع، والصبح ركعتان، هذا فرض المقيم، وأما المسافر ففرضه ركعتان، إلا المغرب، فإن فرض المسافر فيه كفرض المقيم» (٥).
قال المؤلف - ﵀ -: (أولُ وقتِ الظُّهْرِ الزَّوالُ، وآخرُهُ مصيرُ ظلِّ الشيء مثلَهُ - سِوى فيءِ الزوالِ - وهو أولُ وَقْتِ العَصْرِ، وآخِرُهُ ما دامتِ الشَّمْسُ بيضاءَ نقيةً)
بدأ المؤلف - ﵀ - ببيان مواقيت الصلاة، فالصلاة لها وقت محدد من الشارع، ودخول وقتها، وفعلها في وقتها المحدد لها شرعًا، شرط من شروط صحّة الصلاة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٣١) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (٨٦) عن ابن عمر - ﵁ -.
(٣) «المحلى» (٢/ ٤).
(٤) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١) عن طلحة بن عبيد الله - ﵁ -.
(٥) «الإقناع» (٧٧١) رقم (١٦).
[ ٦١ ]
قال ﷾: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾، أي مفروضة في أوقات معينة تؤدى فيها من غير تقديم ولا تأخير.
وصلى جبريل بالنبي - ﷺ - في أوائل الأوقات وفي أواخرها، ثم قال للنبي - ﷺ -: «هذا وقت الأنبياء من قَبْلِك، والوقت فيما بين هذين الوقتين». أخرجه الترمذي (١).
وقال ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/ ١٣٨): «اتفق المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتًا خمسًا، هي شرط في صحة الصلاة، وأن منها أوقات فضيلة، وأوقات توسعة، واختلفوا في حدود أوقات التوسعة، والفضيلة».
وبدأ المؤلف ببيان وقت الظهر، لأن جبريل بدأ به.
وأول وقت الظهر الزوال، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر زوال الشمس» (٢). انتهى
وجاء في ذلك أحاديث كثيرة، منها: حديث ابن عمرو (٣)، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ».
و(الزوال): ميل الشمس عن كبد السماء - أي وسطها - إلى جهة الغرب.
وسمي زوالًا، لأنهم كانوا يقدّرون أن الشمس تستقر في كبد السماء ثم تزول - أي تنحط عن كبد السماء إلى جانب المغرب - وذلك لما يحصلُ من بطء حركتها هناك.
واستقرارها المظنون في كبد السماء يسمى استواءً.
وعلامة الزوال: زيادة الظل بعد تناهي نقصانه.
وذلك لأن ظل الشخص يكون في أول النهار طويلًا ممتدًا، فكلّما ارتفعت الشمس نقص، فإذا انتصف النهار وقف الظل، فإذا زالت الشمس عاد الظل إلى الزيادة.
والذي يسمى في الجغرافيا (خط العرض)، هو (خط الزوال).
هذا هو أول وقت الظهر.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٠٢)، وأبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩) عن ابن عباس - ﵁ -.
(٢) «الأوسط» (٢/ ٣٢٦)، و«الإجماع» (ص ٣٨).
(٣) أخرجه مسلم (٦١٢).
[ ٦٢ ]
وأما آخره، فقد بيّنته السنة، وهو كما ذكر المؤلف، (مصير ظل الشيء مثله - سوى فيء الزوال).
أولًا: فيء الزوال: هو الظل الذي يكون موجودًا عند الزوال.
قال الجيلاني - كما في «عون المعبود» -: «فإذا أردت أن تعرف ذلك، فقس الظل بأن تنصب عمودًا أو تُقَوِّم قائمًا في موضع الأرض مستويًا معتدلًا، ثم علّم على منتهى الظل، بأن تخط خطًّا، ثم انظر أينقص أم يزيد، فإن رأيته ينقص، علمت أن الشمس لم تَزُل بعد، وإن رأيته قائمًا لا يزيد ولا ينقص، فذلك قيامها - أي استواؤها - وهو نصف النهار، لا تجوز الصلاة حينئذ، فإذا أخذ الظل في الزيادة فذلك زوال الشمس، فقس من حد الزيادة إلى ظل ذلك الشيء الذي قست به طول الظل، فإذا بلغ إلى آخر طوله فهو وقت آخر الظهر» (١).
وانظر «الأوسط» (٢) لابن المنذر، فإنه أسهل وأوضح.
والدليل على أن آخر وقت الظهر ما ذكر المؤلف، حديث جبريل، وفيه أنه صلى لما كان فيء الرجل مثله (٣).
وهو أول وقت العصر، دلّ على ذلك حديث ابن عمرو، قال - ﷺ -: «ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم تحضر العصر» (٤)، وهذا يدل على أن آخر الظهر هو أول العصر، وصلى جبريل العصر لما كان فيء الرجل مثله (٥).
وقال - ﷺ -: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل صلاة حتى يجيء وقت الأخرى» (٦).
واختلف أهل العلم في آخر وقت العصر، لاختلاف الأدلة في ذلك، وأصحُّ الأقوال في ذلك: أن وقت العصر لا يخرج بحيث يقال فاتته العصر إلا بغروب الشمس،
_________________
(١) «عون المعبود» (٣/ ٣٠٠).
(٢) «الأوسط» (٣/ ١٩).
(٣) أخرجه النسائي (٥٢٦) عن جابر - ﵁ -.
(٤) أخرجه مسلم (٦١٢) عن عبد الله بن عمرو - ﵁ -.
(٥) كما في حديث ابن عباس - ﵁ - المتقدم.
(٦) أخرجه مسلم (٦٨١) عن أبي قتادة - ﵁ -.
[ ٦٣ ]
لقول النبي - ﷺ -: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر». متفق عليه (١).
ولكن لا يجوز لأحد أن يداوم على تأخيرها إلى آخر وقتها، لقوله - ﷺ -: «ألا أخبركم بصلاة المنافقين، يدع العصر حتى إذا كان بين قرني الشيطان - أو على قرن الشيطان - قام فنقرهن كنقرات الديك لا يذكر الله فيهن إلا قليلًا» (٢).
ووقت الاختيار إلى اصفرار الشمس لحديث ابن عمرو، قال - ﷺ -: «ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس» (٣).
وبعد ذلك، إلى الغروب وقت ضرورة، أي من اضطر إلى تأخيرها إلى ذلك الوقت جاز له تأخيرها، كالحائض تطهر، والمجروح يشق عليه أن يصلي قبل الاصفرار، وهكذا.
ومن أخّرها عمدًا، فقال بعضهم: يأثم.
وقال البعض الآخر: لا يأثم، ولكنه فعلٌ مكروهٌ، وهذا الظاهر، لقوله - ﷺ -: «إنما التفريط على من لم يصل صلاة حتى يجيء وقت الأخرى» (٤).
قال المؤلف - ﵀ -: (وأولُ وَقْتِ المغْرِبِ غُرُوبُ الشمسِ، وآخرهُ ذهابُ الشَّفَقِ الأحْمَرِ)
يبدأ وقت المغرب بمغيب الشمس، أي باختفاء قرص الشمس، وهذا محل إجماع (٥)، والأحاديث تدلّ عليه.
وأما آخره فدليله حديث عبد الله بن عمرو، قال - ﷺ -: «ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق» (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٧٩)، ومسلم (٦٠٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم (٦٢٢) عن أنس - ﵁ -.
(٣) أخرجه مسلم (٦١٢) عن عبد الله بن عمرو - ﵁ -.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) انظر «الإجماع» (ص ٣٨) لابن المنذر.
(٦) أخرجه مسلم (٦١٢).
[ ٦٤ ]
والصحيح من أقوال أهل العلم أن الشفق هو الحمرة وليس البياض، صحّ عن ابن عمر أنه قال: الشفق الحمرة، وهو أعلم بذلك (١).
قال المؤلف - ﵀ -: (وهو أولُ العشاءِ وآخرهُ نصفُ الليلِ)
أي آخر وقت المغرب الذي يكون بذهاب الشفق الأحمر، هو أول وقت العشاء لحديث بريدة، أن النبي - ﷺ - علَّم رجلًا أوقات الصلاة بفعله، «فأمر بالعشاء حين وقع الشفق»، وهو في الصحيح (٢)، فبانتهاء المغرب يبدأ العشاء.
وأما آخره، فورد في ذلك حديث عبد الله بن عمرو: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل» (٣).
ونصف الليل يحسب من غروب الشمس إلى الفجر الصادق، ثم منتصف هذا الوقت هو نصف الليل، وهذا وقت الاختيار.
وأما وقت الضرورة، فإلى طلوع الفجر الصادق، ودليل هذا الوقت حديث أبي قتادة المتقدم وهو قول النبي - ﷺ -: «إنما التفريط على من لم يصل صلاة حتى يجيء وقت الأخرى»، ولا يستثنى من هذا إلا الفجر بالإجماع.
وقد صحّ عن النبي - ﷺ - أنه أخّر العشاء إلى شطر الليل، فإذا خرج نصف الليل فيكون صلى بهم بعده (٤).
ثم قال المؤلف - ﵀ -: (وأولُ وَقْتِ الفَجْرِ إذا أنشقّ الفَجْرُ وآخِرهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ)
أجمع أهل العلم على أن أول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر، كذا قال ابن المنذر (٥)، والأحاديث في «الصحيحين» تدلّ على ذلك.
وقال: وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من صلى الصبح بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، فقد صلاها في وقتها (٦).
_________________
(١) «مصنف عبد الرزاق» (٢١٢٢)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٣٣٦٢)، «سنن الدارقطني» (١٠٥٧).
(٢) أخرجه مسلم (٦١٣) عن بريدة - ﵁ -.
(٣) وقد سبق تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٤٠) عن أنس - ﵁ -.
(٥) «الأوسط» (٢/ ٣٤٧)، «الإجماع» (ص ٣٨).
(٦) «الأوسط» (٢/ ٣٤٧)، «الإجماع» (ص ٣٨).
[ ٦٥ ]
وقال - ﷺ -: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح». متفق عليه (١).
وفي حديث عبد الله بن عمرو: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس» (٢).
والفجر فجران، فجر كاذب وفجر صادق، والفجر الذي ينتهي به وقت العشاء الضروري، ويبدأ به وقت صلاة الصبح هو الفجر الصادق.
وبين الفجر الصادق والفجر الكاذب ثلاثة فروق، ذكرها العلماء، هي:
١. الفجر الكاذب ممتد من الشرق إلى الغرب، وأما الصادق فمعترض من الشمال إلى الجنوب.
٢. الفجر الكاذب تتبعه ظلمة فيضيء مدة قصيرة ثم يظلم، والفجر الصادق يضيء ويزداد نورا.
٣. الفجر الكاذب بينه وبين الأفق ظلمة، والصادق متصل بالأفق ليس بينه وبين الأفق ظلمة.
والفجر الكاذب لا يترتب عليه أحكام شرعية، فالأحكام الشرعية تترتب على الفجر الصادق.
قال - ﵀ -: (ومن نامَ عن صلاتِهِ أو سَهَا عنها فوقْتُهَا حينَ يَذْكُرُهَا)
فقد قال النبي - ﷺ -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها» متفق عليه (٣).
وقال: (ومن كان معذورًا وأدركَ من الصلاةِ ركعةً فقد أدركها)
لقوله - ﷺ -: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». متفق عليه (٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٥٦)، ومسلم (٦٠٧) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (٥٣٧)، ومسلم (٦٨٤) عن أنس - ﵁ -.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٦٦ ]
فمن أدرك ركعة من الصلاة في الوقت فقد أدركها بدلالة هذا الحديث.
وقال - ﵀ -: (والتوقيتُ واجبٌ)
وقد بيّنا ذلك في بداية كتاب الصلاة، فأداء الصلاة يجب أن يكون في وقتها الذي وقّته الله سبحانه لها.
قال: (والجمعُ لِعُذْرٍ جائزٌ)
الجمع بين الصلاتين هو أن تصلي الصلاتين في وقت واحدة منهما، كأن تصلي الظهر والعصر في وقت الظهر، وهذا يسمى جمع تقديم، أو تصلي الظهر والعصر في وقت العصر فيسمى جمع تأخير.
ولا يكون الجمع إلا بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء، وهذا الجمع الذي ذكرناه هو الجمع الحقيقي.
وهناك جمع عند بعض أهل العلم اسمه الجمع الصوري، أي صورته صورة جمع، ولكن حقيقته ليس بجمع، وذلك بأن تأخر الظهر إلى آخر وقتها وتقدم العصر إلى أول وقتها، وكذلك تفعل في المغرب والعشاء.
وحقيقة هذا ليس جمعًا ولا يصح أن تحمل عليه أحاديث الجمع.
والجمع يجوز لعذر السفر والمرض والمطر، وما كان مثلها من الأعذار، لأحاديث وردت تدل على جواز الجمع.
منها، حديث ابن عباس في الصحيح، ولفظه: «صلى رسول الله - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا بالمدينة في غير خوف ولا سفر»، قال ابن عباس: «أراد ألا يحرج أحدًا من أمته» (١).
وفي رواية عند مسلم: «جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر».
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٤٣)، ومسلم (٧٠٥) عن ابن عباس - ﵁ - واللفظ لمسلم.
[ ٦٧ ]
وفي رواية عنده: «قال عبد الله بن شقيق: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟ ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء» قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته» (١).
ثم قال ﵀: (والمُتَيَمِّمُ وناقِصُ الصَّلاةِ أو الطَّهارَةِ يُصَلّونَ كغيرِهِم من غيرِ تأخيرٍ)
ناقص الصلاة كالذي به مرض يمنعه من القيام مثلًا.
وناقص الطهارة كالذي لا يتمكن من غسل يده مثلًا أو رجله أو لا يتمكن من المسح على رأسه، أو كالمتيمم.
فهؤلاء يصلون الصلاة في وقتها كبقية المصلين، لأنه لم يرد ما يدل على تخصيصهم بأوقات أخرى، ومن أوجب عليهم تأخير الصلاة عن أول وقتها لم يأت بدليل صحيح في ذلك.
ثم قال: (وأوقاتُ الكراهةِ - في غيرِ مكةَ - بعد الفجرِ حتى ترتفعَ الشمسُ، وعند الزوالِ - في غير يوم الجمعة - وبعد العصر حتى تَغْرُبَ)
ثبت عن النبي - ﷺ - في «الصحيحين» وغيرهما أنه نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وعند الزوال (٢).
وجاء في حديث عقبة بن عامر ما يبين أن المراد من ذلك وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لا جميع الوقت بعد الفجر وبعد العصر.
قال عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان ينهانا رسول الله - ﷺ - أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع قدر رمح، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيّف الشمس حتى تغرب» (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٠٥).
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٤)، ومسلم (٨٢٦) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجه مسلم (٨٣١) عن عقبة بن عامر - ﵁ -.
[ ٦٨ ]
قوله (حتى ترتفع)، أي قدر رمح كما جاء في بعض الروايات، يعني قدر متر في رأي العين، وهي قدر عشر دقائق.
وقوله (قائم الظهيرة)، أي حال استواء الشمس، أي حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق والمغرب.
وقوله (حين تضيّف)، أي حين تميل.
وقوله (حتى تغرب)، قال ابن عثيمين: «يجعل قدر رمح كالشروق».
والذي يدل على ما ذكرنا أنه ثبت عن النبي - ﷺ - في الصحيح أنه صلى بعد العصر (١)، فيكون النهي خاصًا بالأوقات التي ذكرها عقبة.
وقد كان عمر - ﵁ - يضرب على الصلاة بعد العصر، كي لا تؤدي إلى الصلاة في وقت النهي، وبيّن عمر نفسه سبب ضربه عليها، وثبت عن جمع من الصحابة أنهم كانوا يصلون بعد العصر.
وأما استثناء مكة، فلما ورد في السنن أن النبي - ﷺ - قال: «يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمر الناس شيئًا فلا يمنعنّ أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» (٢).
وأما الجمعة، فقد استدلوا بحديث سلمان أن النبي - ﷺ - قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهّر ما استطاع من طهر ويدّهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرّق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٣).
واستدلّوا بأحاديث أخرى،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤).
(٢) أخرجه أبو داود (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨)، والنسائي (٥٨٥)، وابن ماجه (١٢٥) من حديث جبير بن مطعم - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (٨٨٣) عن سلمان - ﵁ -.
[ ٦٩ ]
منها، حديث أبي هريرة: «كان رسول الله ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة». وهو حديث ضعيف (١).
وعن أبي قتادة: «كره النبي - ﷺ - الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال إن جهنم تسجّر إلا يوم الجمعة» وهو ضعيف أيضًا (٢).
قال البيهقي - ﵀ -: «واعتمادي في المسألة على حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -، قال: «من اغتسل يوم الجمعة فصلى ما قدّر له ثم أنصت حتى يفرغ الإمام إلخ» (٣)، وحديث أبي سعيد وأبي هريرة، «من اغتسل يوم الجمعة، واستاك ولبس أحسن ثيابه وتطيّب بطيب إن وجده ثم جاء ولم يتخط الناس فصلى ما شاء الله أن يصلي فإذا خرج الإمام سكت فذلك كفارة إلى يوم الجمعة الأخرى» (٤) رواته كلهم ثقات.
قال: ووجه الاستدلال أن النبي - ﷺ - استحب التبكير وندب إلى الصلاة إلى أن يخرج الإمام، فدل ذلك على جواز فعل الصلاة نصف النهار إذ لو كان ممنوعًا منه لما مدّه إلى خروج الإمام.
وقال الصنعاني بعدما ذكر حديث أبي قتادة المتقدم: «ضعّفه أبو داود إلا انه أيّده فعل أصحاب رسول الله، فإنهم كانوا يصلون النهار يوم الجمعة » (٥).
ثم ذكر ما استدل به البيهقي.
وأفضل وقت تؤدّى فيه الصلاة هو أول وقتها كما صحّ عن النبي - ﷺ -، إلا الظهر في شدة الحر، لقوله - ﷺ -: «أبردوا بالظهر، فإن شدّة الحرِّ من فيح جهنم» (٦)، والعشاء إلى ثلث
_________________
(١) «مسند الشافعي» (٤٠٨)، «المعجم الأوسط» (٨٩٥٠) ولم يذكر يوم الجمعة. فيه إبراهيم بن يحيى الأسلمي متروك، وفي طريق أخرى الواقدي متروك أيضًا، وفي طريق أخرى راوٍ مجهول.
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٨٣)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٧٧٢٥)، والبيهقي في «السنن الصغرى» (٩٣٢) و«الكبرى» (٤١٢١). قال أبو داود: هو مرسل، أبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة. قلت: وليث بن أبي سليم ضعيف.
(٣) أخرجه مسلم (٨٥٧).
(٤) أخرجه أحمد (١٨/ ٢٩٢)، وأبو داود (٣٤٣) وغيرهما.
(٥) «سبل السلام» (١/ ١٦٩) للصنعاني.
(٦) أخرجه البخاري (٥٣٨) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
[ ٧٠ ]
الليل لقوله - ﷺ -: «إنكم تنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة»، و«وكان خرج عليهم حين ذهب ثلث الليل أو بعده» (١).
وفي حديث عائشة: «إنه لوقتها لولا أن أشق عليكم» (٢).
وكان صلاها حين ذهب عامة الليل، وفسره النووي بذهاب الكثير منه لا أكثره.