قال المؤلف -﵀ -: (كتاب الطَّلاقِ)
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٩٣٢٩)، وأبو داود (٢٢٧٠)، والنسائي (٣٤٨٨)، وابن ماجه (٢٣٤٨). وأعله أبو حاتم الرازي والنسائي والبيهقي؛ رجحوا وقفه، فلا يصح مرفوعًا.
[ ٣٢٤ ]
الطَّلاقُ لغة: الحَلُّ ورفْعُ القيد مطلقًا، يُقال: طَلُقَتِ المرأةُ وأُطلقت أي سُرِّحت، ويقال: أَطْلَقَ الفرسَ؛ إذا خلَّاها.
وأما اصطلاحًا؛ فرفع قيد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه.
فكأن عقد النكاح الذي بين الزوجين قيدٌ يربطهما، وهذا الطلاق يفك القيد.
قال المؤلف -﵀-: (وهوُ جَائِز مِنْ مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ)
أما مشروعية الطلاق - أي جوازه - فأمْرٌ معلوم ضرورة، وهو من قطعيات الشريعة، وقد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾] البقرة/ ٢٢٩﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق /١]، وفي «الصحيحين» (١): أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال - ﷺ - لعمر: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء».
وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة على جواز الطلاق وعلى مشروعيته (٢).
وأما أنه جائز من مكلف - وهو البالغ العاقل- لا من غيره، فلقوله - ﷺ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٣)؛ فلا يقع طلاق الصبي والمجنون والنائم.
أخرج بقوله (مختار)؛ المُكره؛ فالمكره على الطلاق بغير وجه حق لا يقع طلاقه؛ لقوله - ﷺ -: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه» (٤) والمُكرَه لا اختيار له ولا إرادة، والإرادة أساس التكليف بالأحكام الشرعية.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١) عن ابن عمر - ﵁ -.
(٢) انظر "مراتب الإجماع" (ص ٧١) لابن حزم.
(٣) أخرجه أحمد (١١٨٣)، وأبو داود (٤٤٠٣)، والترمذي (١٤٢٣) عن علي ﵁، وأحمد (٢٤٦٩٤)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٣٤٣٢)، وابن ماجه (٢٠٤١) عن عائشة، واللفظ لأبي داود.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥)، وابن حبان (٧/ ٧٥)، والحاكم (٢٨٠١) من حديث ابن عباس ﵁.
[ ٣٢٥ ]
قال المؤلف: (ولو هازِلًا)
والمراد: أن الطلاق جائز من مكلف مختارٍ ولو كان هازلًا؛ أي ولو كان هذا المكلف المختار مازحًا غير جادٍّ؛ فإن طلاقه يقع عند المؤلف وعند جمهور العلماء، استدلوا بقول النبي - ﷺ -: «ثلاثٌ جِدُّهن جِدّ وهَزْلُهُنَّ جِدّ: النكاح والطلاق والرجعة» (١) وهو حديث ضعيف.
فإذا كان هذا الحديث ضعيفًا فيبقى معنا عموم قول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢)؛ والهازل اللاعب لم يكن قاصدًا الطلاق فلا يقع طلاقه على الصحيح، والله أعلم.
نقل بعضهم الإجماع، فإذا صح الإجماع في المسألة قلنا به، لكنه لا يصح.
قال المؤلف: (لِمَنْ كانتْ في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فيهِ، ولا طَلَّقَها في الحَيْضَةِ التي قَبْلَهُ، أو في حَمْلٍ قَدِ اسْتَبانَ)
هذا الطلاق يسمى طلاق السنة، فالطلاق الذي شرعه الله - ﵎-، إنما يكون على حال المرأة المذكور هنا؛ قال: (لمن كانت في طهر لم يمسها فيه) أي طلاق المرأة جائز إذا كانت طاهرًا - ليست حائضًا- طهرًا لم يمسها فيه، أي في طهرٍ لم يجامعها فيه.
(ولا طلقها في الحيضة التي قبله)؛ فإذا طلقها في حيضةٍ مثلًا، يُلزَمُ بأن يرجعها، كما حصل مع ابن عمر، ولا يطلقها في الطهر الذي بعدها مباشرة؛ بل ينتظر حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر؛ بعد ذلك إذا شاء طلَّق وإذا شاء أمسك.
فالطلاق لا يكون في طُهرٍ سُبِق بحيضٍ وقع فيه طلاق، هذا معنى قوله (ولا طلقها في الحيضة التي قبله)، فإذا طلقها في حيضةٍ فلا يطلِّق في الطهر الذي بعد هذه الحيضة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩) عن أبي هريرة - ﵁ -، وهو حديث ضعيف؛ في سنده عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك، قال فيه النسائي: منكر الحديث. ثم وقفت على كلام شيخنا الوادعي ﵀ أعل الحديث به، وقال: والأمام البخاري رحمه الله تعالى يشير إلى ضعف هذا الحديث، فيقول، أو يذكر ترجمة معناها: أن الطلاق لا يقع إلا بالنية، ثم ذكر حديث: إنما الأعمال بالنيات ". انتهى من "غارة الأشرطة" (١/ ١٣٦). فالحمد لله على توفيقه.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٣٢٦ ]
قوله: (أو في حملٍ قد استبان)؛ أي في حملٍ قد اتضح وعُرِف بأن المرأة حامل، فيجوز له أن يطلق، فيكون طلاق الحامل طلاق سنة.
فطلاق السنة أن يطلقها في طهرٍ لم يجامعها فيه، أو يطلقها وهي حامل.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق /١]، قال ابن عمر وابن عباس وغيرهما: الطهر من غير جماع، هذا معنى الطلاق في العدة، أي في طهر لم يجامعها فيه.
وفي الصحيحين عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله - ﷺ -، فتغيظ فيه رسول الله - ﷺ - ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله ﷿» (١) هذا أمر من النبي - ﷺ - بإرجاعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فهذه هي العدة التي أمر الله تعالى بها.
وهذا الحديث يبين لنا الطلاق السني.
فانظر هنا ماذا قال: يُرجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، هذا طهر سُبق بحيضة قد وقع فيها طلاق، قال: ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فلا يطلق في الطهر الذي بعد الحيضة مباشرة؛ بل يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فإذا طَهُرت بعد ذلك وقبل أن يجامعها، له أن يطلق إن أراد أن يطلق.
قال: فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، هذا هو الضابط، فتلك العدة كما أمر الله ﷿.
بيَّن النبي - ﷺ - العدة المقصودة في الآية.
هذا الحديث هو دليل المؤلف على قوله: (ولا طلقها في الحيضة التي قبله) لأنه إذا طلقها في الحيضة لزمه أن يمسكها حتى تطهر من حيضتها التي طلقها فيها، ثم يبقيها عنده في طهرها ذاك، ثم تحيض، وبعد الانتهاء من الحيضة الثانية له أن يطلقها، هذا الذي دل عليه حديث ابن عمر.
وأفاد أيضًا حديث ابن عمر عدم جواز طلاق المرأة وهي حائض.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٩٠٨)، ومسلم (١٤٧١).
[ ٣٢٧ ]
وأما أنه لا يطلقها في طهرٍ جامعها فيه؛ ففي رواية في «الصحيحين» في نفس الحديث، قال: «فإن طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها أو يمسكها» هذا لفظ مسلم (١)، ولفظ البخاري (٢): «فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها».
وأما قوله: (أو في حملٍ قد استبان) أي يجوز له أن يطلقها وهي حبلى.
دليله حديث ابن عمر السابق في رواية عند مسلم قال: «ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا» (٣) هذا يدل على أن طلاق المرأة وهي حامل طلاق سُنة.
هكذا يكون طلاق السُّنة الموافق للشرع. والله أعلم
قال المؤلف -﵀ -: (ويَحْرُمُ إيقاعُهُ على غَيْرِ هذهِ الصِّفَةِ، وفي وُقُوعِهِ ووقوعِ ما فَوْقَ الواحِدَةِ من دونِ تَخَلُّلِ رَجْعَةٍ خِلافٌ، والراجِحُ عَدَمُ الوقوعِ)
أي على غير الصفة المذكورة؛ وهي في طهر لم يجامعها فيه، أو وهي حامل، ولا يكون في طهر قد سُبق بحيض، أما إن كان في طهر قد سُبق بحيضة طلقها فيها أو كان وهي حائض أو وهي نفساء فهذا كله يسمى طلاقًا بدعيًا لأنه مخالف للشرع؛ لأمر الله بالطلاق لمن أراد أن يطلق للعدة؛ أي في العدة كما تقدم في الآية، وإذا لم يقع على الصورة التي ذكرها المصنف -﵀- فلا يكون طلاقًا للعدة.
وهل يقع الطلاق البدعي مع الإثم أم يأثم فاعله ولا يقع؟
هنا نزاع كبير بين العلماء
فأما الإثم في الطلاق البدعي فلا شك أن صاحبه يأثم إذا طلق وهو يعلم أن هذا الطلاق محرَّم، ولا إشكال في هذا.
ولكن الإشكال عندنا في الوقوع، هل يقع هذا الطلاق الذي يسمى طلاقًا بدعيًا أم لا يقع؟
خلاصة الأمر عند المؤلف هو ما ذكره ﵀ بقوله: (والراجح عدم الوقوع).
_________________
(١) مسلم (١٤٧١).
(٢) البخاري (٥٣٣٢).
(٣) مسلم (١٤٧١).
[ ٣٢٨ ]
يستدل المصنف وغيره ممن يقول بعدم الوقوع، بأن مثل هذا الطلاق مخالف لشرع الله -﵎-، فلا يندرج تحت العمومات التي وردت في الطلاق، وكذلك بقوله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) أي عمله هذا مردود غير معتد به وهو غير معتبر في الشرع.
وأما الجمهور الذين قالوا بأن الطلاق البدعي يقع فاستدلوا بقول النبي - ﷺ - لعمر: "مره فليرجعها".
فأمَر ابن عمر بإرجاعها بعدما طلقها طلاقا بدعيا، وأمْره بالإرجاع يدل على وقوع الطلاق، وهو ظاهر اللفظ، وبذلك فهمه ابن عمر فكان يفتي بوقوع الطلاق، وهو صاحب القصة.
ولعل هذا القول أرجح. والله أعلم.
قوله (وما فوق الواحدة إذا لم يتخلله-أي الطلاق- رجعة خلاف).
أي إذا قال الرجل لزوجته: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالق، مباشرة، أو قال لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا في نفس اللحظة من دون أن يرجعها، أي دون أن يطلقها ثم يرجعها ثم يطلقها ثم يرجعها ثم يطلقها.
هذه المسألة أيضًا من المسائل التي اختلف فيها العلماء اختلافًا كثيرًا؛ أتقع ثلاث طلقات أم تقع طلقة واحدة؟ أم لا تقع شيئًا أصلًا؟
والصحيح أنها تقع واحدة فقط، فهذا الذي كان في عهد النبي - ﷺ - كما جاء في «صحيح مسلم» عن ابن عباس: «أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاثة تُجعل واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكرٍ وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم» (٢) فهذا يدل على أنها كانت على عهد النبي - ﷺ - وأيضًا في عهد أبي بكر وفي بداية عهد عمر -﵃-، الثلاث واحدة، فهذا هو المعتبر وهو الصحيح إن شاء الله.
قال المؤلف -﵀ -: (فصل: ويَقَعُ بالكِنايَةِ مَعَ النِّيةِ)
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧١٨) وعلقه البخاري في «صحيحه» بهذا اللفظ.
(٢) رقم (١٤٧٢).
[ ٣٢٩ ]
يقع الطلاق باللفظ الصريح، وهي كلمة طالق وما يتصرف منها؛ كأن يقول الرجل لزوجته: أنتِ طالق، أو طلّقتكِ، أو أنتِ مطلقة، فهذه تعتبر ألفاظًا صريحة في الطلاق، لا نحتاج فيها للرجوع إلى النيات.
لكن عندنا ألفاظ أخرى غير صريحة، وهي التي عبَّر عنها المصنف بـ (الكناية)، فهذه الألفاظ غير الصريحة لا يقع الطلاق بها إلا مع النية، كقوله مثلًا: اذهبي إلى بيت أهلك؛ فلو قال رجل لامرأته: اذهبي إلى بيت أهلك، هل تعتبر طالقًا؟
هذا اللفظ ليس من ألفاظ الطلاق الصريحة، لكن ربما يُستعمل ويراد به الطلاق، فيُكنى به عن الطلاق، فما الفارق بينه وبين أن يقول لها مثلًا: اذهبي إلى أهلكِ زيارة؟
الفارق هو النية.
فالطلاق الذي يقع بألفاظ الكناية هذا لا بد فيه من اعتبار النية؛ فإن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وغيره.
فلو قال رجل لزوجته: اذهبي إلى أهلك، أو اخرجي من بيتي، أو لا أحتاجك ونحو ذلك؛ وأراد بذلك الطلاق، وقع الطلاق، أما إذا قال لها: اذهبي إلى أهلك ولا يريد بذلك الطلاق، فلا يقع الطلاق، كما حصل مع كعب بن مالك، فقد جاء في «الصحيحين» (١) في قصة كعب الطويلة، لما أمره النبي - ﷺ - أن يعتزل امرأته، قال لها: الحقي بأهلك، ولم يرد طلاقها؛ بل أراد أن تبقى عند أهلها حتى يفرج الله عنه، فلم يقع ذلك اللفظ طلاقا.
لكن جاء عن النبي - ﷺ - أيضًا أنه قال لابنة الجَوْن: الحقي بأهلك (٢)، فطلقها، فكلمة (الحقي بأهلك) واحدة.
وجاء أيضًا عن إسماعيل ﵇ أنه لما أمره أبوه أن يغيِّر زوجته، قال لها: الحقي بأهلك (٣)، وأراد بذلك الطلاق، فوقع طلاقًا.
إذًا يدل هذا على أن طلاق الكناية يقع، لكن بشرط النية، فالألفاظ عندنا نوعان:
ألفاظ صريحة، وهذه لا تحتاج إلى أن نرجع فيها إلى النيات.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٥٤) عن عائشة.
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٦٤) عن ابن عباس.
[ ٣٣٠ ]
وألفاظ غير صريحة، وهي التي يقال لها: كنايات، وهذه لا بد فيها من النية.
قال ﵀: (وبِالتَّخْيِيرِ إِذا اخْتارَتِ الفُرْقَةَ)
إذا قال الرجل لزوجته: اختاري البقاء معي أو الطلاق، فاختارت الطلاق، وقع الطلاق في هذه الحالة.
هذا ما يريده المصنف -﵀- بقوله (وبالتخيير إذا اختارت الفرقة) أي بتخيير المرأة، إذا خيَّرها زوجها وقال لها: الأمر إليكِ، إن شئتِ أن تبقي معي، وإن شئتِ أنتِ طالق، أو طلِّقي نفسك، أو أنتِ حرة، أو اختاري هكذا أو هكذا، فاختارت الطلاق؛ وقع الطلاق بهذا التخيير، لقول الله تعالى لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب / ٢٨ - ٢٩] وبعد نزول هذه الآية، خيَّر النبي - ﷺ - نساءه، وقالت عائشة: «خيَّرنا رسول الله - ﷺ - فاخترنا الله ورسوله، فلم يَعُدَّ ذلك علينا شيئًا» (١)، أي فلم يجعل النبي - ﷺ - هذا التخيير وهذا الاختيار الذي اخترنه طلاقًا.
فيدل هذاعلى أن التخيير له أثر، لأنه لو لم يكن لتخييرهن أثر لم يكن له معنى، فما المعنى من التخيير إذا اخترنَ الطلاق ولا يقع الطلاق؟
إذا فللتخيير أثر.
قال المؤلف: (وإذا جَعَلَهُ إلى غَيْرِهِ وَقَعَ مِنْهُ)
أي إذا وكَّل في الطلاق شخصًا وطلقَّ الشخص زوجة الأول الموكِّل، وقع الطلاق في هذه الحالة.
مثاله: زيد وكَّل عمرًا بأن يطلق زوجته، فطلق عمرو زوجة زيد، فهنا وقع الطلاق؛ فالتوكيل جائز في الطلاق؛ لأنه حق من حقوق الرجل، يملكه هو، فله أن ينيب فيه كبقية الحقوق، يجعل له نائبًا يقوم عنه بهذا العمل.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٦٢)، ومسلم (١٤٧٧).
[ ٣٣١ ]
ومن طريف ما يُذكر في هذا، أن رجلًا كان متزوجًا أربع نسوة، وحصل بينه وبينهنَّ مشادَّة، وله جيران يسمعونه إذ البيوت متلاصقة، فأغضبنه، فقال للأولى: أنتِ طالق، فتكلمت الثانية فطلقها، فتكلمت الثالثة فطلقها، فتكلمت الرابعة فطلقها، فقامت امرأة الجيران وقالت له: حسبي الله عليك، أتطلق أربعة في يوم واحد؟ قال: وأنتِ طالق إن أذن زوجك، قال زوجها: قد أذِنت، قد أذنت، فطلقت المرأة، فطلق الخمسة في لحظة واحدة.
قال المؤلف: (ولا يَقَعُ بالتَّحْرِيِمِ)
أي بقوله لها مثلًا: أنتِ علي حرام، فحرَّمها على نفسه. قال المؤلف: لا يقع الطلاق بذلك، أي: بمجرد التحريم أن يقول لها: أنتِ علي حرام؛ لا يقع الطلاق.
والصحيح أن في هذه المسألة تفصيلًا؛ فإذا نوى الطلاق بلفظ التحريم، فهو طلاق واقع، كبقية الكنايات، كالكناية التي قدمنا: الحقي بأهلك، وغيرها من ألفاظ الكنايات فكذلك هذه، إذا قال: أنتِ علي حرام وقصد الطلاق، وقع الطلاق لأنه يصبح من طلاق الكنايات.
وإذا لم ينوِ الطلاق، فعليه كفارة يمين، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم ٢ - ١]، فهذا التفصيل هو الراجح والصحيح في هذه المسألة.
قال المؤلف: (والرَّجُلُ أَحَقُّ بِامْرَأَتِهِ في عِدَّةِ طلاقِها، يُراجِعُها متى شاءَ إذا كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، ولا تَحِلُّ لهُ بَعْدَ الثالِثَةِ حتى تَنْكِحَ زَوْجًَا غَيْرَهُ)
عدة الطلاق: هي المدة الزمنية المحدودة المحصورة التي تمسك فيها المرأة عن الزواج بعدما يطلقها زوجها، والرجل أحق بامرأته في عدة طلاقها.
وستأتي المدة التي تجب عليها أن تبقى معتدة فيها.
وإذا كانت المرأة لا زالت في فترة العدة فلزوجها أن يردها، وترجع زوجة له من غير عقد جديد، ولا يجوز لأحد أن يتزوجها في هذه المدة؛ فلا يزال لزوجها الأحقية فيها؛ لأنها ما زالت زوجة له لا تنفصل عنه إلا بعد الانتهاء من العدة، فالرجل أحق بامرأته في عدة طلاقها وذلك في الطلاق الرجعي أي بعد الطلقة الأولى والطلقة الثانية؛ له أن يردها، لكن بعد الطلقة الثالثة ليس له أن يردها إلا بعد أن تنكح زوجًا آخر برغبة، ويدخل بها، ثم إذا طلقها فلزوجها الأول أن يتزوجها بعد ذلك، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ
[ ٣٣٢ ]
ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة /٢٢٨]، فهذه عدة المطلقة؛ ثلاثة قروء، والقرء قيل: الحيض، وقيل: الطهر، وسيأتي الحديث عن هذا إن شاء الله.
قالت عائشة: « كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها، فسكتت عائشة، حتى جاء النبي ﷺ فأخبرته، فسكت النبي ﷺ، حتى نزل القرآن: " ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] "، قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق، ومن لم يكن طلق» (١)، أي تبقى امرأته إذا راجعها في عدتها.
وقوله: (والله لا أطلقكِ فتبيني مني) أي فتنفصلي عني، تنهي العدة وتنفصلي، لا أطلقكِ بهذا الشكل.
وقوله (ولا آويكِ أبدًا)، أي: لا تبقين زوجتي دائمًا، ولا أطلقكِ حتى تنفصلي عني، أي يتركها معلقة.
وأما كونها لا تحل له بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا آخر، فلقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة/ ٢٣٠] أي فإن طلقها الزوج الأول فلا تحل أن ترجع له حتى تنكح زوجًا آخر، فإن طلقها الثاني فلها أن ترجع لزوجها الأول.
وفي الصحيحين قال - ﷺ - لامرأة رفاعة القرظي: «لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (٢) أي: حتى يجامعها زوجها الثاني ولا يكفي مجرد العقد.
إذن بعد أن يطلق الرجل زوجته المرة الثالثة، ينفصل عنها ولا يجوز له أن يرجعها حتى تتزوج زوجًا ثانيًا نكاح رغبة وليس نكاح تحليل؛ أي يتزوجها ويطلقها من أجل أن يردها للأول.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١١٩٢)، وقال في "العلل الكبير" (٣٠٥): سألت محمدًا - يعني البخاري- عن هذا الحديث؛ فقال: الصحيح عن هشام عن أبيه مرسلا. انتهى. قلت: فهو ضعيف لا يحتج به، والآية كافية في المراد. والله أعلم.
(٢) . أخرجه البخاري (٥٣١٧)، ومسلم (١٤٣٣).
[ ٣٣٣ ]
لا، بل نكاح رغبة، يكون راغبًا بها ويريدها ويقع بينهما جماع وهو معنى قوله - ﷺ - حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته، يعني يقع بينهما جماع، ثم بعد ذلك إن طلقها فللأول أن يردها.