إن من قواعد البيع والشراء في الشريعة الإسلامية تحريم الغش بكل صوره وأشكاله وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الغش منها ما ثبت في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - أن الرسول - ﷺ -: (مرَّ على صُبرة طعام -كومة- فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، أي المطر. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس مني) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أخرى عند مسلم: (من غشنا فليس منا).
وفي رواية أخرى للحديث السابق عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (خرج رسول الله - ﷺ - إلى السوق فرأى طعامًا مصبرًا فأدخل يده فأخرج طعامًا رطبًا قد أصابته السماء فقال لصاحبه: ما حملك على هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق إنه لطعام واحد قال: أفلا عزلت الرطب على حدته واليابس على حدته فيبتاعون ما يعرفون، من غشنا فليس منا) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد، وقال العلامة الألباني حسن لغيره. صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥.
وجاء في حديث آخر عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (من حمل السلاح علينا فليس منا ومن غشنا فليس منا) رواه مسلم.
وفي قول النبي - ﷺ - في الحديث السابق (ليس منا) زجرٌ شديد عن الغش، ورادعٌ من الوقوع في مستنقعه الآسن.
قال صاحب عون المعبود: [قال الخطابي: معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا، يريد أن من غش أخاه وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي وهذا كما يقول الرجل لصاحبه أنا منك وإليك، يريد بذلك المتابعة والموافقة، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾] سورة إبراهيم الآية ٣٦. عون المعبود شرح سنن أبي داود ٩/ ٢٣١.
وعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلمٍ باع من أخيه بيعًا فيه عيبٌ إلا بيَّنه له) رواه أحمد وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/ ٢٢.
[ ٢٤٠ ]
وهذه الأدلة ظاهرة الدلالة على تحريم الغش باعتباره وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل إذ أن حقيقة الغش هي إخفاء وكتمان ما في السلعة من نقص أو عيب. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٢٩.
والغش ينافي عصمة أموال المسلمين التي جاءت بها الشريعة الإسلامية كما جاء في الحديث الشريف من قول النبي - ﷺ -: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) رواه أحمد والبيهقي وابن حبان وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/ ٢٧٩.
والغش بمقتضى الأحاديث السابقة يعتبر من كبائر الذنوب.
قال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي: [تنبيه: عدُّ هذا -الغش- كبيرة هو ظاهر بعض ما في هذه الأحاديث من نفي الإسلام عنه مع كونه لم يزل في مقت الله أو كون الملائكة تلعنه وضابط الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائع أو مشتر فيها شيئًا لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل فيجب عليه أن يعلمه به ليدخل في أخذه على بصيرة، ويؤخذ من حديث واثلة وغيره ما صرح به أصحابنا أنه يجب أيضًا على أجنبي علم بالسلعة عيبًا أن يخبر به مريد أخذها وإن لم يسأله عنها كما يجب عليه إذا رأى إنسانًا يخطب امرأة ويعلم بها أو به عيبًا أو رأى إنسانًا يريد أن يخالط آخر لمعاملة أو صداقة أو قراءة وعلم بأحدهما عيبًا أن يخبر به وإن لم يستشر به كل ذلك أداء للنصيحة المتأكد وجوبها لخاصة المسلمين وعامتهم] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٥٤٣. وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي أيضًا: [ونحن لا نحرم التجارة ولا البيع والشراء فقد كان أصحاب النبي - ﷺ - يتبايعون ويتجرون في البزر وغيره من المتاجر، وكذلك العلماء والصلحاء بعدهم ما زالوا يتجرون ولكن على القانون الشرعي والحال المرضي الذي أشار الله تعالى إليه بقوله عز قائلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. فبين الله أن التجارة لا تحمد ولا تحل إلا إن صدرت عن التراضي من الجانبين والتراضي إنما يحصل حيث لم يكن هناك غش ولا تدليس، وأما حيث كان هناك غش وتدليس بحيث أخذ أكثر مال الشخص وهو لا يشعر بفعل تلك الحيلة الباطلة معه المبنية على الغش ومخادعة الله ورسوله فذلك حرام شديد التحريم موجب لمقت الله ومقت رسوله
[ ٢٤١ ]
وفاعله داخل تحت الأحاديث السابقة والآتية، فعلى من أراد رضا الله ورسوله وسلامة دينه ودنياه ومروءته وعرضه وأخراه أن يتحرى لدينه وأن لا يبيع شيئًا من تلك البيوع المبنية على الغش والخديعة] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٥٤٦.
وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي أيضًا: [كله حرام شديد التحريم موجب لصاحبه أنه فاسق غشاش خائن يأكل أموال الناس بالباطل ويخادع الله ورسوله وما يخادع إلا نفسه لأن عقاب ذلك ليس إلا عليه، وكثرة ذلك تدل على فساد الزمان وقرب الساعة، وفساد الأموال والمعاملات ونزع البركات من المتاجر والبياعات والزرعات بل ومن الأراضي المزروعات، وتأمل قوله - ﷺ -: (ليس القحط أن لا تمطروا، وإنما القحط أن تمطروا، ولا يبارك لكم فيه) أي بواسطة تلك القبائح والعظيمات التي أنتم عليها في تجاراتكم ومعاملاتكم، ولهذه القبائح التي ارتكبها التجار والمتسببون وأرباب الحرف والصنائع سلط الله عليهم الظلمة فأخذوا أموالهم وهتكوا حريمهم بل وسلط عليهم الكفار فأسروهم واستعبدوهم وأذاقوهم العذاب والهوان ألوانًا، وكثرة تسلط الكفار على المسلمين بالأسر والنهب وأخذ الأموال والحريم، إنما حدث في هذه الأزمنة المتأخرة لما أن أحدث التجار وغيرهم قبائح ذلك الغش الكثيرة المتنوعة وعظائم تلك الجنايات والمخادعات والتخيلات الباطلة على أخذ أموال الناس بأي طريق قدروا عليها لا يراقبون الله المطلع عليهم، ولا يخشون سطوة عقابه ومقته مع أنه تعالى عليهم بالمرصاد ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ سورة غافر الآية ١٩. ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ سورة طه الآية ٧. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ سورة الملك الآية ١٤.
ولو تأمل الغشاش الخائن الآكل أموال الناس بالباطل ما جاء في إثم ذلك في القرآن والسنة لربما انزجر عن ذلك أو عن بعضه، ولو لم يكن من عقابه إلا قوله - ﷺ -: (إن العبد ليقذف اللقمة من حرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من حرام فالنار أولى به). وقوله - ﷺ -: (إنه لا دين لمن لا أمانة له)] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٥٤٧.
وقد ذكر بعض أهل العلم مضار الغش وهي:
١. الغش طريق موصل إلى النار.
٢. الغش دليل على دناءة النفس وخبثها، فلا يفعله إلا كل دنيء نفسٍ هانت عليه نفسه فأوردها مورد الهلاك والعطب.
[ ٢٤٢ ]
٣. الغش يبعد عن الله وعن الناس.
٤. الغش طريق لحرمان إجابة الدعاء.
٥. الغش طريق لحرمان البركة في المال والعمر.
٦. الغش دليل على نقص الإيمان.
- - -