البيع هو مبادلة المال بالمال تملكًا وتمليكًا كما قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني ٣/ ٤٨٠. ولفظ البيع من أسماء الأضداد التي تطلق على الشيء وضده مثل لفظة الشراء فيطلق البيع ويراد به الشراء ويطلق الشراء ويراد به البيع، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي باعوه. سورة يوسف الآية ٢٠.
والبيع مباح ومشروع بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وانعقد الإجماع على ذلك. وقامت الأدلة الكثيرة على ذلك منها:
- قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٧٥.
- وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٢.
- وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ﴾ سورة النساء الآية ٢٩.
وصحّ في الحديث من قول النبي - ﷺ -: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يبتاع المرء على بيع أخيه ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لبادٍ) رواه البخاري. وغير ذلك من النصوص، وقد انعقد الإجماع على جواز البيع.
شروط البيع:
ذكر الفقهاء شروطًا كثيرة لعقد البيع وأذكر هنا أهم هذه الشروط بإيجاز شديد:
- يشترط في العاقدين أن يكونا مكلفين شرعًا وجائزي التصرف شرعًا وأجاز كثير من الفقهاء بيع الصبي المميز.
- ويشترط توافق الإيجاب والقبول في البيع. ويصح البيع بكل لفظ يدل على التراضي حسب ما يتعارف عليه الناس سواء كان بلفظ الماضي أو الحاضر أو الأمر ويصح البيع بالتعاطي أيضًا بدون النطق بالإيجاب والقبول وقد جرى العرف بذلك
[ ٣٥ ]
- ويشترط في المبيع أن يكون مملوكًا لصاحبه وأن يكون موجودًا حقيقة أو حكمًا عند العقد وأن يكون مالًا متقومًا شرعًا أي له قيمة في الشرع ويباح الانتفاع به وأن يكون مقدور التسليم وأن يكون معلومًا.
- ويشترط لصحة البيع أن يخلو العقد من الجهالة والإكراه والغرر وأن يخلو من الشروط المفسدة للعقد.
- ويصح البيع بثمن حالّ أو مؤجل إلى أجل معلوم لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٢. ومن أراد تفصيل الكلام على هذه الشروط وغيرها فليرجع إلى كتب الفقهاء.
وينبغي أن يُعْلم أن الشروط السابقة تختلف عن الشروط التي يشترطها أحد المتعاقدين وتسمى بالشروط الجعلية أي التي تكون بجعل من المكلف مثل أن يشتري شخص بضاعة من تاجر ويشترط عليه نقلها إلى محل المشتري في قريته أو يشترط عليه كفالة الآلات لمدة سنة واحدة ونحو ذلك من الشروط. فهذه الشروط جائزة شرعًا إذ الأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا ما نصت الأدلة على تحريم اشتراطه.
ويدل على جواز الشروط الجعلية ما يلي:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ سورة المائدة الآية ١. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ سورة الإسراء الآية ٣٤. فقد أمر سبحانه بالوفاء بالعقود والعهود وهذا عام ويدخل فيه ما عقده المرء على نفسه من الشروط ورضي به والتزمه.
عن جابر بن عبد الله ﵄ (أنه كان يسير على جملٍ له قد أعيا فمرَّ النبي - ﷺ - فضربه فدعا له فسار بسير ليس يسير مثله ثم قال: بعنيه بوقية، قلت: لا، ثم قال: بعنيه بوقية، فبعته فاستثنيت حملانه إلى أهلي فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه ثم انصرفت فأرسل على إثري قال: ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك ذلك ) وقال محمد بن المنكدر عن جابر شرط ظهره إلى المدينة) رواه البخاري.
وفي رواية عند أبي داود عن جابر بن عبد الله قال: (بعته يعني بعيره من النبي - ﷺ - واشترطت حملانه إلى أهلي ).
[ ٣٦ ]
ووجه الدلالة في الحديث أن جابرًا - ﵁ - شرط أن يركب الجمل إلى المدينة النبوية مع أنه باعه للنبي - ﷺ - وقد ابتدأ ذلك الشرط من عند نفسه من غير أن يسأل هل هذا الشرط مما تقره الشريعة أم لا؟ وقد أقره الرسول - ﷺ - على ذلك الشرط فهذا الإقرار من النبي - ﷺ - دليل على أن الأصل في الشروط الجعلية الجواز.
ومما يدل على أن الأصل في الشروط الحل ما جاء في الحديث عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا) رواه الترمذي ثم قال: حديث حسن صحيح.
وقد أجاز النبي - ﷺ - أن يشترط أحد المتبايعين شرطًا له فيه مصلحة كما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: (من باع نخلًا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع) رواه البخاري ومسلم.
وخلاصة الأمر أن هذه الأدلة تدل على حرية المتعاقدين في وضع الشروط التي تحقق مصلحتهما وأنه لا يحرم من الشروط إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه.
- - -
[ ٣٧ ]
وبعد هذا البيان الموجز للبيع وشروطه سأتحدث عن مسائل هامة في البيع والشراء وما يتعلق بهما وهي مسائل يقع التعامل بها في عالم التجارة في الوقت الحاضر.