يجب أن يعلم أولًا أنه لا يجوز اقتناء الكلب في البيوت إلا لحاجة نافعة ككلاب الصيد وكلاب الحراسة لما ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو كلب ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان) رواه مسلم.
وأما بيع الكلاب فمحل خلاف كبير بين أهل العلم وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم بيع الكلب وأن ثمنه حرام واستدلوا على ذلك بما يلي:
١. عن أبي مسعود الأنصاري - ﵁ -: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن ثمن الكلب) رواه البخاري ومسلم.
٢. وعن رافع بن خديج - ﷺ - قال: (سمعت رسول الله يقول: شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام) رواه مسلم.
وفي رواية أخرى عند مسلم قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث) وغير ذلك من الأحاديث.
وأجاز جماعة من أهل العلم بيع الكلاب التي ينتفع بها ككلاب الحراسة والصيد ويلحق بها في زماننا الكلاب التي تقتفي الأثر والتي تستعمل في تعقب آثار المجرمين والكشف عن المخدرات ونحوها فيجوز بيع هذه الكلاب، وهذا قول أبي حنيفة ومالك في رواية عنه وبه قال عطاء وإبراهيم النخعي. شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ١٧٩.
وسحنون من المالكية حيث قال: [أبيعه وأحج بثمنه] أي كلب الصيد كما نقله عنه في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ١١، وهو قول بعض الحنابلة. الإنصاف ٤/ ٢٨.
ومال إلى هذا القول الإمام الشوكاني والعلامة الألباني وغيرهما وهو الذي أميل إليه، لما يلي:
أولًا: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ سورة المائدة الآية ٤.
[ ٢٠٦ ]
ووجه الدليل في الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، قال القرطبي: [معنى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، أصحاب الكلاب وهو كالمؤدب صاحب التأديب] تفسير القرطبي ٦/ ٦٦.
وهذه الآية تدل على جواز اتخاذ الكلاب للصيد ويفهم من ذلك أنها أداة للصيد ينتفع بها وما كان كذلك يجوز بيعه ما دام أنه يجوز اقتناؤه.
ثانيًا: وردت بعض الأحاديث التي تستثني كلب الصيد وكلب الماشية وما في معناهما من عموم النهي المذكور في الأحاديث التي احتج بها الجمهور على المنع فمن ذلك:
١. عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ -: (نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد) رواه الترمذي وقال لا يصح من هذا الوجه، ولكن العلامة الألباني ذكر أن الحديث حسن في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٤.
وقد ذكر الشيخ أحمد الغماري عدة طرق يتقوى بها حديث أبي هريرة السابق، الهداية في تخريج أحاديث البداية ٧/ ١٦٩ فما بعدها.
٢. وعن جابر - ﵁ - قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الكلب إلا الكلب المعلَّم) رواه النسائي وأحمد والدارقطني وطعن النسائي في سنده ولكن قال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، إلا أن النسائي طعن في صحته. فتح الباري ٥/ ٣٣١.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/ ٤: [ورد الاستثناء من حديث جابر ورجاله ثقات] وقال الشيخ أحمد الغماري: [هذا سند على شرط الصحيح] ثم ذكر له طرقا تقويه وذكر رواية عن ابن عباس فيها استثناء كلب الصيد. الهداية في تخريج أحاديث البداية ٧/ ١٧١.
وقال الإمام الشوكاني بعد أن ذكر حديث جابر: [فينبغي حمل المطلق على المقيد ويكون المحرم بيع ما عدا كلب الصيد إن صلح هذا المقيد للاحتجاج به] نيل الأوطار ٥/ ١٦٣.
وقال العلامة المحدث الألباني: [ ولكن معنى الاستثناء صحيح دراية للأحاديث الصحيحة التي تبيح اقتناء كلب الصيد وما كان كذلك حل بيعه وحل ثمنه كسائر الأشياء المباحة كما حققه الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار ] السلسلة الصحيحة ٦/ ١١٥٦.
[ ٢٠٧ ]
وذكر العلامة الألباني في موضع آخر أن حديث جابر وهو: (نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد) قد رواه النسائي والبيهقي وهو على شرط مسلم وذكر له شاهدين ثم قال: [فلعل هذا الاستثناء يقوى بهذه الطرق والشواهد] التعليقات الرضية ٢/ ٣٤٧.
وذكر صاحب إعلاء السنن - ١٤/ ٤٨٦ فما بعدها - عددًا من الشواهد تتقوى بها هذه الأحاديث ويدل على أن الحديث الوارد في استثناء كلب الصيد لا يقل عن درجة الحسن وعليه فيجوز بيع الكلاب التي ينتفع بها في الحراسة والصيد وكلاب الأثر وغير ذلك.
- - -
[ ٢٠٨ ]