إن ترويج التجارة اليوم أصبح فنًا قائمًا بذاته وصار التجار يتبعون أساليب كثيرة ومختلفة من أجل تسويق بضائعهم وبعض هذه الأساليب غير مشروع كالجوائز التي يعلن عنها التجار بأن من اشترى عندهم بمبلغ ما يحصل على كوبون ثم يدخل في سحب على سيارة أو ثلاجة أو نحو ذلك فهذا نوع من القمار المسمى باليانصيب لما يلي:
١. لأن المشتري يقدم على الشراء وهو على خطر فربما يحصل على الجائزة وربما لا يحصل عليها.
٢. إن التجار الذين يمارسون هذا النوع من الترويج لبضائعهم يقومون غالبًا برفع أثمان السلع حتى يتمكنوا من تغطية قيمة الجوائز من مجموع المشترين فيربح واحد من المشترين أو اثنان مثلًا ويخسر الآخرون.
٣. إن مثل هذه الأساليب تدفع كثيرًا من الناس إلى الشراء دونما حاجة رغبة في الحصول على الجائزة الموعودة وهذا يؤدي إلى الإسراف وترسيخ النهج الرأسمالي في الاستهلاك.
[ ١٩٦ ]
٤. إن مثل هذه الأساليب تؤدي إلى تنمية الضغينة والحقد والحسد في قلوب الخاسرين من المشترين وهم الأكثر لأن الرابحين قلة. راجع كتاب (الميسر والقمار) ص ١٦٨ - ١٦٩.
ولا شك أن هذا الأسلوب يدخل في الميسر المحرم (القمار) يقول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٩٠.
وقد سئل الشيخ الدكتور مصطفى الزرقا ﵀ عن جوائز التجار فأجاب: [إن رأيي في هذه المسألة هو التميِيز بين الهدايا البَسيطة التي هي من عادة التجار وعُرفهم (أنّ مَنْ يشتري كمية كبيرة من البضائع عندهم يقدِّمون إليه هديّة بسيطة تقديريّة وتَرغيبيّة له كسيارة لُعبة أولاد أو قطعة أو قِطعتين زيادة عمّا اشتراه وبين هذه الهدايا ذات القيمة الكبيرة التي يجري عليها سحب بطريقة السحب على اليانَصيب بالأرقام، فيَفوز بِها أحدُ حاملي هذه البطاقات (الكوبونات) من الزّبائن. فتلك الهدايا البسيطة المُعتادة بيْن جميع التجار لمن يشتري كَمِّية كبيرة أو مجموعة من الأصناف هي حلال؛ لأنها تَقدمةٌ تعبيريّة عن تقديرات التاجر لذلك الزبون.
أما هذا النوع الذي سألت عنه من الهدايا ذات القيمة الكبيرة كالسيارة والثلاجة، مما يجري عليه سحب بحسب أرقام القسائم التي يُعطونها لمن يشتري ما لا يقل عن مقدار معين من المُشتريات، ثم يسحب دوريًّا على القَسائم لاستحقاق تلك الهدية الثمينة، والتي أصبح المشترون يشترون من عند هذا التاجر لأخذ هذه القسائم، فلا أراها إلا من قَبيل اليانصيب التِّجاري الذي هو اليوم في نظر علماء الشريعة ضَرْبٌ من المُقامَرة مُحرَّم يأثَم فيه الطرفان التاجر والزبون، ولا يكون ما يَستحقُّه بهذه الطريقة حلالًا، ولا سيما أنَّه يضرُّ اقتصاديًّا بصِغار التُّجار الذين لا يملِكون مثل هذه الوسائل القِماريّة المُغرِية، فيصرِفُ عنهم الناسَ ويُخرِجُهم من السوق، وهذا ضرر اقتصاديٌّ كبير، والله سبحانه أعلم] فتاوى مصطفى الزرقا ص٥١٣ - ٥١٤.
وعلق د. يوسف القرضاوي على الفتوى السابقة بقوله: [أنا أؤيد النظر الفقهي العميق، وأرى إضافة إلى ذلك أن هذا الأسلوب هو - في النهاية - إغلاء لقيمة السلعة على حساب عموم المستهلكين، وهو يعبر عن النمط الغربي الذي يغري الناس بكثرة الاستهلاك للسلع، وإن لم يكن
[ ١٩٧ ]
بهم حاجة إليها، على خلاف المنهج الإسلامي الذي يحث على الاعتدال أبدًا] المصدر السابق ص٥١٤.
كما سئُل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ سؤالًا هذا نصه: [هل يجوز أن أعلن للجميع أن من يشتري من عندي سيارة يحصل على رقم، ولمدة محدودة، وبعدها يجُعل سحب على هذه الأرقام، فالذي يُسحب رقمه يحصل على جائزة قيمة، وبذلك أُرغَّب في بضاعتي ويكثر زبائني. أفتونا عن هذه الطريقة جزاكم الله خيرًا؟
فأجاب: هذا لا يجوز لأنه إما قمار أو شبيه به، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٩٠. والميسر: هو القمار الذي يكون الداخل فيه بين غانم وغارم]. فقه وفتاوى البيوع ص٤١٤.
- - -