إننا في فلسطين نعيش في ظل ظروف اقتصادية صعبة فرضت على كثير من الناس أن يتعاملوا مع البنوك الربوية وكثير من المعاملات التجارية صارت متوقفة على التعامل مع البنوك الربوية ومع ذلك فإني أنصح بعدم التعامل مع البنوك الربوية إلا في أضيق نطاق نظرًا لخطورة الربا فهو من المحرمات القطعية في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ومن ذلك التعامل بهذه البطاقات (الفيزا وغيرها) فينبغي أن يكون استعمالها في أضيق نطاق لأن البطاقات التي تصدرها البنوك الربوية تتضمن في الغالب شروطًا ربوية مثل فرض زيادة ربوية (فائدة) في حال تأخر حامل البطاقة عن التسديد أو كشف حسابه في البنك المصدر للبطاقة، وكذلك فإن البنوك الربوية تفرض نسبةً مقطوعة محددة على كلّ عمليّة سحب نقدي يجريها حامل البطاقة وهذا هو الربا المحرم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآيتان ٢٧٨ - ٢٧٩. وصح في الحديث عَنْ جَابِر بن عبد الله ﵄ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) رواه مسلم.
ومن المعلوم أن بطاقات الائتمان من المسائل الجديدة التي لم يعرفها الفقه الإسلامي قديمًا وقد وفدت هذه المسألة من ضمن ما وفد على المسلمين من مستلزمات الرأسمالية التي تقوم على نظام الربا (الفائدة) وقد درست هذه القضية من مجامع فقهية وحلقات علمية ودراسات فردية ولكن بداية أذكر أن شيخنا الأستاذ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان حفظه الله ورعاه يرى أن تسمية البطاقات التي تصدرها البنوك من أمثال: فيزا وماستر كارد وأميريكان إكسبريس ببطاقات الائتمان تسمية غير صحيحة وليست معبرة عن حقيقة هذه البطاقات فقد ذكر في كتابه البطاقات البنكية الإقراضية والسحب المباشر من الرصيد أنه يجب تصحيح مصطلح بطاقات الائتمان وأن المصطلح الصحيح هو: بطاقات الإقراض والسحب المباشر من الرصيد ليكون أبلغ في الكشف عن حقيقتها وأقسامها المتداولة، يدركه المثقف والعامي، التاجر والمستهلك، من يحملها، ومن تقدم
[ ١٤٢ ]
له، مصطلح ترسخ معناه في أذهان الجميع، يعرفون آثاره ومسؤولياته، الحلال منه والحرام، معلومة أحكامه من الدين بالضرورة، مسلم المبادئ والأحكام، وليس من سبب يدعو لهجره والعدول عنه] البطاقات البنكية الإقراضية والسحب المباشر من الرصيد ص٣١.
وقد عرف مجمع الفقه الإسلامي هذه البطاقة بأنها (مستند يعطيه مُصدِرهُ لشخص طبيعي أو اعتباري بناءً على عقد بينهما يمكنه من شراء السلع أو الخدمات ممن يعتمد المستند دون دفع الثمن حالًا لتضمنه التزام المصدر بالدفع ومن أنواع هذا المستند ما يمكن من سحب نقود من المصارف. ولبطاقات الائتمان صور:
- منها ما يكون السحب أو الدفع بموجبها من حساب حاملها في المصرف وليس من حساب المصدر فتكون بذلك مغطاة. ومنها ما يكون الدفع من حساب المصدر ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية.
- ومنها ما يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع خلال فترة محددة من تاريخ المطالبة. ومنها ما لا يفرض فوائد.
- وأكثرها يفرض رسمًا سنويًا على حاملها ومنها ما لا يفرض فيه المصدر رسمًا سنويًا). مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السابع الجزء الأول ص٧١٧.
وقد صدر قرار عن مجمع الفقه الإسلامي وضح فيه القواعد الأساسية للتعامل مع هذه البطاقات ونصه: بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع (بطاقات الائتمان غير المغطاة) وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله من الفقهاء والاقتصاديين، ورجوعه إلى تعريف بطاقة الائتمان في قراره رقم ٦٣/ ١/٧ الذي يستفاد منه تعريف بطاقة الائتمان غير المغطاة بأنه: مستند يعطيه مصدرُه (البنك المصدر) لشخص طبيعي أو اعتباري (حامل البطاقة) بناء على عقد بينهما يمكنه من شراء السلع، أو الخدمات، ممن يعتمد المستند (التاجر) دون دفع الثمن حالًا لتضمنه التزام المصدر بالدفع، ويكون الدفع من حساب المصدر، ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية، وبعضها يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع بعد فترة محددة من تاريخ المطالبة، وبعضها لا يفرض فوائد.
قرر ما يلي: أولًا: لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة ولا التعامل بها، إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازمًا على السداد ضمن فترة السماح المجاني.
[ ١٤٣ ]
ثانيًا: يجوز إصدار البطاقة غير المغطاة إذا لم تتضمن شرط زيادة ربوية على أصل الدَّين. ويتفرع على ذلك:
أ. جواز أخذ مصدرها من العميل رسومًا مقطوعة عند الإصدار أو التجديد، بصفتها أجرًا فعليًا على قدر الخدمات المقدمة منه.
ب. جواز أخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل منه، شريطة أن يكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به بالنقد.
ثالثًا: السحب النقدي من قبل حامل البطاقة اقتراضًا من مصدرها، ولا حرج فيه شرعًا إذا لم يترتب عليه زيادة ربوية، ولا يعد من قبيلها الرسوم المقطوعة التي لا ترتبط بمبلغ القرض أو مدته مقابل هذه الخدمة. وكل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعًا كما نص على ذلك المجمع في قراره رقم ١٣ (١٠/ ٢) و١٣ (١/ ٣).
رابعًا: لا يجوز شراء الذهب والفضة وكذا العملات النقدية بالبطاقة غير المغطاة] انتهى قرار المجمع الفقهي.
إذا تقرر هذا فأعود لقضية استعمال هذه البطاقات في عملية صرف العملات فأقول: اتفق أهل العلم على أن من شروط عقد الصرف تقابض البدلين من الجانبين في مجلس العقد قبل افتراقهما. قال ابن المنذر: [أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد]. فلذلك يشترط في عملية بيع عملة بأخرى أن يتم تبادل العملتين في مجلس العقد ولا يجوز تأجيل قبض إحداهما وإن حصل التأجيل فالعقد باطل ويدل على ذلك حديث الرسول - ﷺ -: (الذهب بالذهب مثلًا بمثل يدًا بيد والفضة بالفضة مثلًا بمثل يدًا بيد) رواه مسلم.
وبما أن العملات الورقية تقوم مقام الذهب والفضة كما قاله كثير من علماء العصر وهو القول الصحيح فإنه يشترط في بيع هذه العملات بغيرها من العملات التقابض في مجلس العقد ولا يجوز التأجيل وبناءً على ما تقدم فإذا كان التاجر يمكنه قبض العملة بمجرد رجوعه إلى البنك المصدر للبطاقة فيجوز استعمال البطاقات المذكورة في صرف العملات لأن القيد في الحساب مباشرة يقوم مقام القبض الفعلي وأما إذا لم يمكنه ذلك فيحرم حينئذ استعمالها.
[ ١٤٤ ]
وخلاصة الأمر أني أنصح بعدم التعامل مع البنوك الربوية بشكل عام وإذا احتاج الشخص للتعامل معها فيكون ذلك في أضيق نطاق وإذا احتاج للتعامل بالبطاقات فلا بد من الانتباه لأمر هام وهو أن يكون حساب الشخص غير مكشوف لدى البنك.
- - -
[ ١٤٥ ]