بيع الطعام قبل القبض مفسد للعقد عند أهل العلم فإذا اشترى شخص طعامًا فلا يجوز له أن يبيعه قبل أن يقبضه باتفاق أهل العلم لأن بيع الطعام قبل القبض لا يصح شرعًا قال ابن المنذر فيما نقله عنه الشيخ ابن قدامة المقدسي: [أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعامًا فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه] المغني ٤/ ٨٣.
وقال ابن رشد المالكي: [وأما بيع الطعام قبل قبضه، فإن العلماء مجمعون على منع ذلك إلا ما يحكى عن عثمان البتي. وإنما أجمع العلماء على ذلك لثبوت النهي عن رسول الله - ﷺ - من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه)] بداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/ ١١٩.
واستدل العلماء بأدلة كثيرة على المنع من بيع الطعام قبل قبضه منها:
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية عند البخاري عن ابن عمر ﵄ يقول: قال النبي - ﷺ -: (من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه).
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه) قال ابن عباس وأحسب كل شيء مثله. رواه مسلم.
وفي رواية أخرى عند مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه)، قال ابن عباس وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: (من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه) قال: وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا فنهانا رسول الله - ﷺ - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه. رواه مسلم.
وقال أبو هريرة - ﵁ - (نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الطعام حتى يستوفى) رواه مسلم.
وعن حكيم بن حزام قال: (قلت: يا رسول اللَّه إنِّي أَشتري بيوعًا فما يحلُّ لي منها وما يحرم عليَّ؟ قال: إذا اشتريت شيئًا فلا تبِعه حتّى تقبضه) رواه أحمد.
[ ١٨٨ ]
وعن جابر - ﵁ - قال: (نهى النبي - ﷺ - عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري) رواه ابن ماجة والدارقطني. وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/ ٢٠.
وعن ابن عمر ﵄ قال: (ابتعت زيتًا في السوق فلما استوجبته لنفسي لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا فأردت أن أضرب على يده فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفتُّ فإذا زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك فإن رسول الله - ﷺ - نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) رواه أبو داود. وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٦٦٨.
قال صاحب عون المعبود: [(فلما استوجبته): أي صار في ملكي بعقد التبايع (فأردت أن أضرب على يده): أي أعقد معه البيع، لأن من عادة المتبايعين أن يضع أحدهما يده في يد الآخر عند العقد ] عون المعبود ٩/ ٢٨٦.
وقال الإمام الترمذي: [عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه) قال ابن عباس وأحسب كل شيء مثله. قال وفي الباب عن جابر وابن عمر وأبي هريرة قال أبو عيسى -الترمذي- حديث ابن عباس حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم كرهوا بيع الطعام حتى يقبضه المشتري.
وقد رخص بعض أهل العلم فيمن ابتاع شيئًا مما لا يكال ولا يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب أن يبيعه قبل أن يستوفيه وإنما التشديد عند أهل العلم في الطعام وهو قول أحمد وإسحق] سنن الترمذي ٣/ ٥٨٦.
وقال الإمام النووي بعد أن ذكر ما رواه مسلم في هذا الباب: [باب بطلان بيع المبيع قبل قبضه وفي هذه الأحاديث النهي عن بيع المبيع حتى يقبضه البائع، واختلف العلماء في ذلك، فقال الشافعي: لا يصح بيع المبيع قبل قبضه سواء كان طعامًا أو عقارًا أو منقولًا أو نقدًا أو غيره.
وقال عثمان البتي: يجوز في كل مبيع.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز في كل شيء إلا العقار. وقال مالك: لا يجوز في الطعام ويجوز فيما سواه. ووافقه كثيرون.
[ ١٨٩ ]
وقال آخرون: لا يجوز في المكيل والموزون ويجوز فيما سواهما. أما مذهب عثمان البتي فحكاه المازري والقاضي ولم يحكه الأكثرون بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه، قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه فهو شاذ متروك والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ١٣٠.
وقد أشار ابن عباس ﵄ إلى العلة في منع بيع الطعام قبل قبضه لما سأله طاووس فيما رواه البخاري عن طاووس عن ابن عباس ﵄ (أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يبيع الرجل طعامًا حتى يستوفيه) قلت –أي طاووس- لابن عباس كيف ذاك؟ قال ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ قال أبو عبد الله مرجئون مؤخرون].
قال الإمام الشوكاني في شرحه: [ ما علل به النهي فإنه أخرج البخاري عن طاووس قال: قلت لابن عباس كيف ذاك قال دراهم بدراهم والطعام مرجأ استفهمه عن سبب النهي فأجابه بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باع دراهم بدراهم ويبين ذلك ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه قال لما سأله طاووس ألا تراهم يبتاعون بالذهب والطعام مرجأ وذلك لأنه إذا اشترى طعامًا بمائة دينار ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلًا فكأنه اشترى بذهبه ذهبًا أكثر منه ولا يخفى أن مثل هذه العلة لا ينطبق على ما كان من التصرفات بغير عوض وهذا التعليل أجود ما علل به النهي لأن الصحابة أعرف بمقاصد الرسول - ﷺ -] نيل الأوطار ٥/ ١٨٠ - ١٨١.
وما نقل عن عثمان البتي وهو أحد فقهاء التابعين من جواز بيع الطعام قبل قبضه فهو قول شاذ ومخالف لصريح الأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - قال الحافظ ابن عبد البر: [وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام، وأظنه لم يبلغه هذا الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه] المغني ٤/ ٨٦.
وقال الإمام النووي: [أما مذهب عثمان البتي فحكاه المازري والقاضي ولم يحكه الأكثرون بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه، قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه فهو شاذ متروك والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم٤/ ١٣٠.
[ ١٩٠ ]
وقال الإمام الشوكاني: [وروي عن عثمان البتي أنه يجوز بيع كل شيء قبل قبضه والأحاديث ترد عليه فإن النهي يقتضي التحريم بحقيقته ويدل على الفساد المرادف للبطلان كما تقرر في الأصول] نيل الأوطار ٥/ ١٧٩.
- - -
[ ١٩١ ]