أخي التاجر إذا اشترى شخص سلعة منك ثم ندم على شرائها وطلب منك إرجاعها فأرجعها وأقل بيعته عسى الله أن يقيل عثرتك يوم القيامة.
والإقالة عند الْفُقَهَاءِ هي: [رَفْعُ الْعَقْدِ وَإِلْغَاءُ حُكْمِهِ وَآثَارِهِ بِتَرَاضِي الطَّرَفَيْنِ]. الموسوعة الفقهية الكويتية ٥/ ٣٢٤.
والإقالة أمر مندوب إليه شرعًا ومرغب فيه وقد حث النبي - ﷺ - على أن يقيل البائع المشتري إن ندم على الشراء لأي سبب من الأسباب فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من أقال مسلمًا أقاله الله عثرته يوم القيامة) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٢٣١ ]
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [حديث (من أقال أخاه المسلم صفقةً كرهها، أقالهُ اللَّه عثرتَهُ يوم القيامة). أبو داود، وابن ماجه وابن حبَّان، والحاكم وَصحَّحهُ قال أبُو الفتح القشيرِي: هو على شرطهما وصحَّحه ابن حزمٍ. التلخيص الحبير ٣/ ٢٤.وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/ ١٨٢. وجاء في رواية أخرى قوله - ﷺ -: (منْ أقالَ نَادِمًا بَيعَتهُ، أَقَاله اللَّهُ عثرته يومَ القيامةِ) انظر إرواء الغليل ٥/ ١٨٢. وجاء في رواية أخرى قوله - ﷺ -: (من أقال أخاه بيعًا أقاله الله عثرته يوم القيامة) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات كما قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١١٠.
قال صاحب عون المعبود في شرح الحديث: [(من أقال مسلمًا) أي بيعه (أقاله الله عثرته) أي غفر زلته وخطيئته. قال في إنجاح الحاجة: صورة إقالة البيع إذا اشترى أحد شيئًا من رجل ثم ندم على اشترائه إما لظهور الغبن فيه أو لزوال حاجته إليه أو لانعدام الثمن فرد المبيع على البائع وقبل البائع رده أزال الله مشقته وعثرته يوم القيامة لأنه إحسان منه على المشتري، لأن البيع كان قد بت فلا يستطيع المشتري فسخه انتهى] عون المعبود ٩/ ٢٣٧.
وروى الإمام مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أنه سمعها تقول ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله - ﷺ - فعالجه وقام فيه حتى تبين له النقصان فسأل رب الحائط أن يضع له أو أن يقيله فحلف أن لا يفعل فذهبت أم المشتري إلى رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له، فقال رسول الله - ﷺ -: تألَّى -أي حلف- أن لا يفعل خيرًا فسمع بذلك رب الحائط فأتى رسول الله - ﷺ - فقال يا رسول الله هو له] الموطأ ص٤٨٣.
وينبغي أن يعلم أن عقد البيع إذا تم بصدور الإيجاب والقبول من المتعاقدين فهو عقد لازم والعقود اللازمة عند الفقهاء لا يملك أحد المتعاقدين فسخها إلا برضى الآخر إذا لم يكن بينهما خيار لقوله - ﷺ -: [البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا] رواه البخاري ومسلم.
ومع ذلك فقد اتفق أهل العلم على أن من آداب البيع والشراء الإقالة قال الإمام الغزالي عند ذكره الإحسان في المعاملة: [الخامس: أن يقيل من يستقيله فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع ولا ينبغي أن يرضى لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه، قال - ﷺ -: (من أقال نادمًا صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة)] إحياء علوم الدين ٢/ ٨٣.
[ ٢٣٢ ]
وقال الحافظ المناوي: [(من أقال مسلمًا) أي وافقه على نقض البيع أو البيعة وأجابه إليه (أقال الله عثرته) أي رفعه من سقوطه يقال أقاله يقيله إقالة وتقاؤلًا إذا فسخا البيع وعاد المبيع إلى مالكه والثمن إلى المشتري إذا ندم أحدهما أو كلاهما وتكون الإقالة في البيعة والعهد، كذا في النهاية، قال ابن عبد السلام : [إقالة النادم من الإحسان المأمور به في القرآن لما له من الغرض فيما ندم عليه سيما في بيع العقار وتمليك الجوار] فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦/ ١٠٣.
ولا شك أن الإقالة من باب الإحسان والتراحم والتيسير على الناس والرفق بهم وتقديم العون لهم وإقالة عثراتهم وهي أمور مطلوبة من المسلم فقد قال - ﷺ -: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال رسول الله - ﷺ -: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) رواه البخاري.
وقال - ﷺ -: (من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) رواه البخاري.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه؛ من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته؛ ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم.
وقال - ﷺ -: (الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم.
وقال - ﷺ -: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) رواه مسلم.
وقال - ﷺ -: (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم.
وقال - ﷺ -: (كان فيمن كان قبلكم تاجر يداين الناس، فإن رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه) رواه البخاري.
وقال النبي - ﷺ -: (اللهم من رفق بأمتي فارفق به، ومن شق عليهم فشق عليه) رواه أحمد ومسلم والنسائي.
وقال - ﷺ -: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) رواه مسلم.
وقال النبي - ﷺ -: (من يحرم الرفق يحرم الخير) رواه مسلم.
وقال النبي - ﷺ - قال: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿) رواه مسلم.
وقال النبي - ﷺ -: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) رواه الترمذي وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ١٨٠.
[ ٢٣٣ ]
وإنما ذكرت هذه الأحاديث لما غلب على التعامل بين الناس من طمعٍ وجشعٍ وفقدانٍ للتراحم والإحسان، لعلهم يتذكرون فيتراحمون.
وأخيرًا أنبه على أمرين أولهما: ما ورد في بعض ألفاظ أحاديث الإقالة من قوله - ﷺ - (من أقال مسلمًا بيعته) فإن ذكر المسلم في الحديث ورد من باب التغليب وإلا فإقالة غير المسلم كإقالة المسلم قال الإمام الصنعاني: [وأما كَوْنُ الْمُقَالِ مُسْلِمًا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ حُكْمًا أَغْلَبِيًّا وَإِلَّا فَثَوَابُ الْإِقَالَةِ ثَابِتٌ فِي إقَالَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ مَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار] سبل السلام ٣/ ٧٩٦.
والثاني: إن الْإِقَالَةُ َتَكُونُ وَاجِبَةً إذَا كَانَتْ بَعْدَ عَقْدٍ مَكْرُوهٍ أَوْ بَيْعٍ فَاسِدٍ، لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ فَاسِدًا أَوْ مَكْرُوهًا وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الرُّجُوعُ إلَى مَا كَانَ لَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ صَوْنًا لَهُمَا عَنْ الْمَحْظُور، لِأَنَّ رَفْعَ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الإمكان، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْإِقَالَةِ أَوْ بِالْفَسْخِ. كَمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْإِقَالَةُ وَاجِبَةً إذَا كَانَ الْبَائِعُ غَارًّا لِلْمُشْتَرِي وَكَانَ الْغَبْنُ يَسِيرًا، وَإِنَّمَا قُيِّدَ الْغَبْنُ بِالْيَسِيرِ هُنَا، لِأَنَّ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ يُوجِبُ الرَّدَّ إنْ غَرَّهُ الْبَائِعُ عَلَى الصَّحِيحِ] الموسوعة الفقهية الكويتية ٥/ ٣٢٥.
- - -
[ ٢٣٤ ]