طرح السلام -أي التسليم- من السنن الثابتة عن الرسول - ﷺ - فقد صح في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: (أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) رواه البخاري ومسلم.
وثبت في الحديث أيضًا عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: (أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع: بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ونصر الضعيف وعون المظلوم وإفشاء السلام وإبرار المقسم) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم.
ويجب أن يعلم أن تحية المسلمين هي السلام وليس صباح الخير ولا مساء الخير ولا أي عبارة أخرى سواء أكانت بالعربية أو بغيرها من اللغات كما يفعل بعض الناس حيث إنهم يحيون بعضهم بعضًا بألفاظ غير عربية.
فالسلام هو تحية أهل الإسلام بل إنها تحية أهل الجنة أيضًا، قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْءَابَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ سورة الرعد الآيتان ٢٣ - ٢.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ سورة النور الآية ٢٧.
وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ سورة الذاريات الآيتان ٢٤ - ٢٥.
فتحية الأنبياء والملائكة والمسلمين هي السلام فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (خلق الله ﷿ آدم على صورته -أي صورة آدم- فلما خلقه قال: اذهب فسلم على
[ ٢١٧ ]
أولئك، نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله) رواه البخاري ومسلم.
فالسلام هي تحيتنا التي ينبغي أن نستعملها وهي تحية عظيمة تحمل معنى عظيمًا فهي دعاء بالسلامة من الآفات في الدين والنفس ولأن في تحية المسلمين بعضهم لبعض بهذا اللفظ عهدًا بينهم على صيانة دمائهم وأعراضهم وأموالهم. الموسوعة الفقهية ٢٥/ ١٥٦.
ولا ينبغي للمسلمين أن يستبدلوا هذه التحية العظيمة بألفاظ مستوردة مثل: Good morning، أو بونجور، أو صباح الخير، أو مساء الخير، أو بوكر توف.
قال الله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ سورة البقرة الآية ٦١.
وقد كره العلماء استعمال هذه الألفاظ وأمثالها، قال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي: [مطلب على أنه تكره التحية بصباح الخير بخلاف صبحك الله بالخير] الفتاوى الحديثية ص ١٣٣.
وقال الأستاذ عمر فروخ: [ومعظم الناس إذا حيا بعضهم بعضًا قالوا: صباح الخير أو مساء الخير! والرد على هذه التحية هو: صباح النور، مساء النور، وهذه التحية هي التحية المجوسية يعتقد المجوسي بقوتين: الخير والشر يمثلهما النور والظلمة. وللمجوسي إله للخير أو النور، وإله للشر أو الظلمة وهما يتنازعان السيطرة على العالم فكان من المعقول أن يحي المجوس بعضهم بعضًا بقولهم: صباح الخير - صباح النور! ومع أن الإسلام قد أمرنا بأن نأخذ تحية الإسلام (السلام عليكم) مكان كل تحية أخرى فلا يزال العرب في معظمهم -من المسلمين ومن غير المسلمين- يتبادلون التحية بقولهم صباح الخير- صباح النور] معجم المناهي اللفظية ص ٣٣٤ - ٣٣٥.
والأصل في التسليم أن يكون باللسان أي باللفظ وليس باليد أو بالرأس بدون تلفظ.
والسلام بالإشارة باليد أو بالرأس بدون تلفظ مكروه عند أهل العلم لما ورد في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: (ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى بالكف) رواه الترمذي وضعفه ولكن له شواهد تقويه لذا حسنه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٤٦، وفي السلسلة الصحيحة ٥/ ٢٢٧.
[ ٢١٨ ]
ويؤيد ذلك ويقويه ما رواه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٢٨٨ عن جابر بن عبد الله - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والأكف والإشارة)، قال الحافظ ابن حجر: أخرجه النسائي بسند جيد. فتح الباري ١٣/ ٢٥٥.
ويؤيد ذلك أيضًا أن السلف كانوا يكرهون التسليم باليد فقد روى الإمام البخاري في الأدب المفرد عن عطاء بن أبي رباح قال: كانوا يكرهون التسليم باليد. وقال العلامة الألباني: صحيح الإسناد. صحيح الأدب المفرد ١/ ٣٨٥. وقال العلامة الألباني في موضع آخر: وإسناده صحيح على شرطه في الصحيح. حجاب المرأة المسلمة ص ٩٩.
ويجوز التسليم بالإشارة مع التلفظ إذا كان المسلًّم عليه بعيدًا بحيث لا يسمع التسليم قال العلامة فضل الله الجيلاني: [والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حسًا وشرعًا وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس وكذا الأصم] فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٢/ ٤٨٩.
وقال الحافظ ابن حجر: [واستدل بالأمر بإفشاء السلام على أنه لا يكفي سرًا بل يشترط الجهر وأقله أن يسمع في الابتداء وفي الجواب.
ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه ويستثنى من ذلك حالة الصلاة فقد وردت أحاديث جيدة أنه - ﷺ - ردَّ السلام وهو يصلي إشارة وكذا من كان بعيدًا بحيث لا يسمع التسليم يجوز السلام عليه إشارة ويتلفظ مع ذلك بالسلام] فتح الباري ١٣/ ٢٥٥.
- - -
[ ٢١٩ ]