فالشرع إنما وضع الشريعة؛ للإفهام بلسان عربي مبين، فهذه الدلالات اللسانية مقصودة شرعًا.
لذلك تؤخذ الأحكام من هذه الدلالات مباشرة. (^١)
ومن خلال هذه الدلالات وسياقاتها، يتبين أن الشرع قصد إفهامنا أن هذا شرط، وهذا ركن، وهذا مبطل، وهذه رخصة.
لأن الركن والشرط ما أدى تركه إلى عدم وجود الكيفية الشرعية للعبادة التي هي ماهيتها، وهذا مؤد إلى بطلان العبادة.
ودلالة النص الشرعي على ذلك يكون بجعل العبادة مركبة من هذه الأمور.
ففي الصوم قال سبحانه: -بعد إباحة الجماع والأكل والشرب إلى الفجر- ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة (١٨١)] فعلمنا أن الصيام المأمور به هو: الامتناع عن هذه الثلاثة الأشياء. وأن هذا مقصود الشرع بلفظ الصوم.
إذا فما هي دلالة الأكل والشرب والرفث في اللسان العربي الذي وضعت الشريعة به
كما دلت السنة على بطلان صوم الحائض والنفساء، فدل على أنه مانع صحة يجب خلو العبادة الشرعية منه، وعلى هذا بقية الدلالات.
كما أن اللفظ المحتمل لمعنيين مقصود وضعه هكذا؛ لينزله الفقيه على واقعه المعين وفق دلالة وينزله آخر في واقع آخر، وفقه الدلالة الأخرى.
_________________
(١) وقد عقد الشاطبي مبحثًا هامًا حول مقصد الشرع في وضع الشريعة للإفهام.
[ ٢٠ ]
فكل لفظة وتركيب وسياق وضعه الله في كتابه بحكمة بالغة؛ للإفهام بما تقتضيه لغة العرب ولسانها.
لذلك فالمفطرات من جماع وأكل وشرب، قصد الشرع إفهامها بما يدل عليه اللسان.
وقصد إفهامنا بما نستطيع من تصور لمنافذ المفطرات من البدن.
وعلى هذا تنبني أمور:
١ - أن الألفاظ التي في آيات الصوم وأحاديثه تعتبر مناطات وعلل للأحكام وفق قانون اللغة، فالصوم، والإطاقة، وشهود الشهر، والمرض، والسفر، وتوجه الخطاب إلى المؤمنين، والرفث ليلة الصيام، والأكل، والشرب، وتبين الفجر، وقوة الخطاب عمومًا وخصوصًا، ونصًا، وظهورًا، وإطلاقًا، وتقييدًا، ومفهومًا. كل هذه الألفاظ يجب أن تؤخذ من دلالة لسان العرب.
٢ - لما كان الصحابة هم أهل السان وجب النظر إلى تعاملهم مع هذه المفاهيم، وتطبيقهم لها بين يدي النبي ﷺ وبعده.
٣ - ملاحظة منهجية الفقهاء بعد الصحابة، سواء التابعون أو المذاهب الخمسة في التعامل مع النص وتنزيله، وهل هذه المنهجية من دلالة اللغة، أم القياس، أم الإجماع، أم من الدلالة العرفية؟.
٤ - وضع التصور لمحل المفطرات من الجوف، والدماغ، والمنافذ العلوية، والسفلية التي تكلم عنها فقهاء المذاهب الخمسة في سياق زمن كان هذا هو تكليفهم المطلوب؛ لأن هذا هو ما في وسعهم من التصور في دخول الغذاء إلى البدن. ووجود تصور جديد في عصرنا متزامن مع التطور العلمي هو تكليفنا في هذا العصر، وليس عليهم تبعات الاجتهاد المعاصر المبني على ذلك فهم مصيبون، وما قام به النظر الفقهي المعاصر المبني على اختلاف التصور جذريا صواب.
[ ٢١ ]
وباعث الفقهاء هو تحقيق مقصود الشرع في الكيفية لهذه العبادة فكان تحديد محل الإفطار جزء من هذه الماهية الضرورية.
وعلى ما تقدم:
فمن ألحق بالجماع مثلًا الإنزال بنظر أو تفكر لم يلحقه من دلالة اللغة الظاهرة؛ لأن الجماع معروف ما هو، ولم يلحقه بدلالة لفظ الرفث في الآية الشامل للجماع ومقدماته؛ لأن الإنزال بنظر أو تفكر غير ذلك، وإنما ألحقه بالمقاصد التي تدل عليها هذه اللفظة.
لأن من أنزل المني بشهوة عمدًا بفكر أو بنظر، أو مس عضوه، خالف مقصود الشرع من ترك الشهوة.
لأن النهي عن الرفث إلى النساء يشمل من حيث اللفظ الجماع ومقدماته، لولا أن السنة خصت القبلة ونحوها فبقي الجماع بالإجماع. فما حكم من أنزل بغير جماع عمدًا؟
هنا يأتي دور المقاصد في تحديد الحكم.
لأن المقصد من النهي عن الرفث هو ترك الشهوة المتعلقة بالزوجة، سوى ما رخص من القبلة ونحوها، فمن أنزل بشهوة عمدًا فقد خالف مقصود التشريع.
وعلى هذا بنى الفقهاء فتاواهم. وخالف ابن حزم؛ لأنه رأى أن الإنزال بملاعبة الزوجة، أو النظر إليها مباح؛ لأن النهي عن الجماع فقط.
ووردت السنة باستثناء القبلة ونحوها، فكان ما ترتب على هذا الاستثناء مباح. هذا حاصل كلامه فلم يلاحظ المقصود.
وهذا المقصود منصوص عليه في الحديث: ﴿يترك طعامه وشرابه من أجلى﴾ (^١).
والخلاف في فهم مقصود الشرع ليس جديدًا، أو بدعًا من القول؛ بل
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصيام، حديث رقم: (١٨٩٤)، (٢/ ٢٤)
[ ٢٢ ]
حصل بين الصحابة خلاف في بني قريظة حين قال لهم النبي ﷺ: ﴿من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة﴾ (^١).
ففهم أناس ظاهر اللفظ، وفهم أناس أن المراد من اللفظ هو السياق الذي لأجله قيل فيه، وهو أن المقصود هو الإسراع فلم يخطئ هؤلاء ولا هؤلاء.
ودلالة السياق والحال أسلوب في اللسان العربي.
لذلك كان نزول الآيات في سياق معين يفسر بعض فقه النص التزيلي لا أنه لا تفسير له إلا من خلال سياق النزول، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والصحابة العرب الأقحاح لما سمعوا الآيات ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة (١٨١)]، فهموا الأكل والشرب المعروف، وكل ما أكل وشرب على وجه العادة، أو الندرة، ولو كان ورق شجر، أو ثمرة نادرة، يشمله عموم هذا النص.
فكل سائل مشروب مقصود في اللفظة ولو سمًا، وكل أكل مقصود في اللفظة ولو ورق شجر، وقد أكل الصحابة ورق الشجر في بعض الغزوات.
ولم يفهموا أن قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة (١٨١)] أي كلوا الطعام، والشراب، والحصى، والحديد، والتراب ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة (١٨١)] عن الأكل من طعام، وشراب، وحصى، وخشب، وحديد، وطعنة نافذة إلى الجوف، وإدخال قسطرة في إحليل.
فهذا خارج عن مقصود اللفظ العربي ووضعه للإفهام، لا من دلالة لفظية، ولا سياقية، ولا مفهوم، ولا منطوق، ولا تضمن، ولا مطابقة، ولا التزام، ولا عموم، ولا نص، ولا ظهور، ولا اشتراك، ولا ترادف.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتب صلاة الخوف، حديث رقم: (٩٤٦)، (٢/ ١٥)
[ ٢٣ ]
والدليل على ذلك أمران:
الأول: ما اتفقت عليه القواميس العربية في تحديد الأكل والشرب.
ولم ينص قاموس حرفا واحدا أن الطعنة النافذة أو إدخال الاصبع في قبل أو دبر أو شم البخور يشمله معنى الأكل والشرب.
الثاني: لم ينقل عن أحد من الصحابة قول ذلك، ولا الإفتاء به وهم أهل اللغة. وما ظهر هذا إلا بعد جيل الصحابة والتابعين، وقد تتبعت هذا طويلا من زمن الصحابة فمن بعدهم لأرى تطور الفتوى وتوسعها في المفطرات فما وقفت في عصرهم على ذلك كما سيأتي. إذن فلم تثبت النصوص ذلك، ولا دلالاتها، ولا الإجماع، ولا عمل الصحابة، ولم يبق سوى القياس.
والقياس هنا من النوع الخفي، ومنه خفي موغل في الخفاء، فقياس البخور على الأكل والشرب غريب جدًا، وقياس دخان القدر، وقياس من وضع على رأسه الحناء فوجد طعمه في حلقه.
ومن القياس الخفي من بلع حديدًا أو حصاة أفطر.
ومنه قياس الكحل على الأكل والشرب؛ ولضعفه وخفائه اختلف فيه بعد زمن الصحابة والتابعين، ومقصودنا هنا التمثيل لا تحقيق الأقوال، فإن لها فصولًا مستقلة ستأتي (^١)، وسنبين هناك النقول من الصحابة إلى التابعين إلى المذاهب الخمسة وغيرها.
_________________
(١) المغني لابن قدامة - ت التركي (٤/ ٣٥٠) قال ابن قدامة: وأجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب لما يتغذى به، فأما ما لا يتغذى به، فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل به. وقال الحسن بن صالح: لا يفطر بما ليس بطعام ولا شراب، وحكى عن أبى طلحة الأنصاري، أنه كان يأكل البرد في الصوم، ويقول: ليس بطعام ولا شراب. ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بأن الكتاب والسنة إنما حرما الأكل والشرب، فما عداهما يبقى على أصل الإباحة. ولنا، دلالة الكتاب والسنة على تحريم الأكل والشرب على العموم، فيدخل فيه محل النزاع، ولم يثبت عندنا ما نقل عن أبى طلحة، فلا يعد خلافا انتهى كلامه ومن المخالفين ابن حزم الظاهري ولم يصح في المسألة إجماع إلا في ما يتغذى به.
[ ٢٤ ]
لذلك حصل الإجماع على الإفطار بكل مأكول أو مشروب له مدخل في التغذية؛ لأن مبناه وفق قصد الشرع في وضع اللغة العربية أداة للإفهام.
واختلف في غيره؛ لأن مبناه على معان يمكن أن تلحق بالأكل والشرب، بوجوه خفية غير ظاهرة، فوجه إلحاق الحصاة والحديد _إن قلنا أن ذلك_ كونه إن دخل إلى الجوف قيل أكل ترابًا وأكل حديدة وسلمنا ذلك.
لكن هل يقال أكل أو شرب بخورًا أو غبارًا؟ أو أكل أو شرب طعنة بسكين في جوفه.
أو أكل أو شرب أصبعه حيث أدخلها في دبره أو إحليله. فالإشكال باق على كل وجه.
وقد اختلفوا في تحرير الاستدلال فمنهم من قال: «والصيام هو الإمساك عن كل شيء» (^١)، فأرجع القول إلى معنى الصوم لغة، ولا يساعده ذلك لا لغة ولا عرفًا ولا شرعًا.
فإن الصوم الشرعي ليس الإمساك عن كل شيء؛ لأنه يجوز له كل شيء من كلام، وعمل، وبيع، وشراء، ولا يحرم عليه سوى الأكل والشرب، والجماع، فيكون: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة (١٨١)] راجع إليها وهو محل النزاع.
ومنهم من استدل بعموم الأكل والشرب.
قال ابن قدامة: «ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بأن الكتاب، والسنة إنما حرما الأكل والشرب، فما عداهما يبقى على أصل الإباحة. ولنا دلالة
_________________
(١) الحاوي الكبير (٣/ ٤٥٦).
[ ٢٥ ]
الكتاب، والسنة على تحريم الأكل والشرب على العموم، فيدخل فيه محل النزاع» (^١).
وهذا يشمل كل أكل وشرب ويرد عليه أن الكحل والطعنة وإدخال الأصبع وإدخال أنبوب في الإحليل لا يسمى أكلًا ولا شربًا.
وإن قلنا إنه القياس والعلة؛ لأنها عين دخلت الحلق والبطن قيل إن القياس هذا خفي غير مسلم لذلك اختلف في تنزيله فالحنفية لا يفطرون بما دخل ولم يتحلل ولم يستقر والمالكية لا يفطرون بما دخل من دبر وهو صلب لم يتحلل واختلفوا في الإفطار بغير المغذي في المذهب.
والظاهرية لا يفطرون بأي شيء من هذا وابن تيمية كذلك (^٢).
وثم خلاف شديد في تحرير هذا القياس؛ لخفائه، لذلك كان القول بعدم حجية هذا النوع من القياس قوي.
والحاصل من هذا أن الشريعة قصدت في وضع التشريع الإفهام بما يدل عليه لسان العرب، ولم تقصد التوسع، فكل توسع في المفطرات خرج عن قانون اللغة وعن المقصود الشرعي علمنا أنه ضعيف.