ينبني كتاب الصيام على أدلة نصوصية كلية وجزئية من القرآن والسنة وعلى الإجماع وأدلة قياسية وكليات قواعدية منصوصة.
أما الأدلة الكلية فهي متعلقة بالأهلية وأصل التكليف، وهي عامة في كل باب وتبنى عليها الشروط وهي من القرآن والسنة.
أما من القرآن فقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله تعالى في سياق آيات الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
فيأخذ الفقيه من النص الأول في باب الصيام أن المكلف إن لم يستطيع الصوم أبدًا فلا تكليف عليه، لذلك أجمع العلماء على أن الشيخ والمرأة العاجزين عن الصيام لا يجب عليهما؛ لهذا الأصل التشريعي الكلي العام.
وإنما اختلفوا في الإطعام؛ نظرًا لتردد دلالة النص في آية الصيام ولبقائه أو نسخه كما سيأتي.
ويأخذ من الآية الثانية خصوص التيسير في الصيام لأنها سيقت في آيات الصيام.
مع أن الشريعة مبنية على التيسير لأدلة كثيرة منها: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وغيرها لكن ذكر هذا الأصل في آيات الصيام دليل على عناية الشرع باختصاص الصوم بذلك، ومثل هذا اختصاص الحج بحديث:
[ ٥٤ ]
﴿افعل ولا حرج﴾ (^١)، ليدل على اختصاص الحج بمزيد رفع الحرج؛ لما يلحق المكلفين فيه من مشقات. وهذا من رحمة الله -سبحانه- وفضله علينا.
وهذه الآية ساقها الله تعليلا لتخفيفه عن المريض والمسافر، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة﴾ [البقرة: ١٨٥]
فهذه العلة لها حكم بالغة.
لذلك سيأتي الكلام على إفطار من أصابه ضرر بالغ بالصوم كمن يعمل في البلدان الحارة في الصيف ولا يجد مصدرًا لرزق أسرته إلا هذا فلا يستطيع تركه ولا الإجازة منه، ويلحقه بالصيام في الشمس والحر ضرر في بدنه فهل يلحق بالمريض؟ الجواب إن بلغ حد المرض أعطي حكمه.
وسيأتي النظر فيه، إنما مقصودنا هنا كيفية انتزاع الأحكام من أصول الأحكام.
ثم ذكر في ختام الآية علة مقصدية وهي: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة﴾ [البقرة: ١٨٥] وهي تشير إلى أن المقصود من التخفيف والتيسير رعاية الحفاظ على الشريعة. فلوا لم تشرع هذه التخفيفات لأدى إلى ترك البعض للصوم ولفات عليه مقاصد هذه العبادة على وجه الكلية لذلك شرع الله لمن له عذر من مريض وسفر ومرضع وحامل أن يقضي متى ارتفع عنه الحرج.
وأما الأدلة الكلية من السنة فمن ذلك الحديث الصحيح، عن عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ﴾. قال أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: "وَعَنْ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ" (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٢٨).
(٢) سنن ابن ماجه ت الأرنؤوط (٣/ ١٩٨).
[ ٥٥ ]
فهذا أصل كلي حاكم على الشريعة في التكليف مجمع عليه.
فيؤخذ منه هنا أنه يشرط للتكليف بالصوم العقل فلا تكليف على مجنون ولا صبي لا يعقل ويشرط له البلوغ. وهذا الأصول الكلية تدخل في كل أبواب التكليف.