والأصول الحاكمة للمسائل المتعلقة بهم أصول كلية، وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فالتكليف بالصيام ساقط عنهم؛ لهذا العموم الكلي المحكم، وهذا محل إجماع، وهل عليهم كفارة أم لا؟
هذا يلزم له النظر في معنى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ … الآية …﴾ [البقرة: ١٨٤]، من حيث المعنى ومن حيث بقاء الحكم واستمراره، ففيه سؤال الدلالة، وسؤال المعارضة.
أما من حيث بقاء الحكم واستمراره، فالأصل هو الاستمرار حتى يثبت الدليل البين على النسخ.
وعلى الاستمرار يحصل إشكال هو أن الذين يطيقونه إن كان معناه تخيير القادر على الصوم فهذا لا شك في نسخه بمحكم النص الآتي، وهو: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]
وإرجاع النصوص المحتملة إلى محكمات النصوص هو منهج الشريعة والتشريع، وإلا لزم أن قوله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] يناقض قوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ لأن
[ ١٥١ ]
المعنى في الآيتين على القادر، أحدهما تخاطب القادر ألا يصوم، والثانية تخاطبه بالصوم.
وهذا باطل؛ لأنه لا تناقض في النصوص، فوجب النظر في معنى الآيتين، فما كان لفظه غير بين أرجعناه إلى المحكم البين.
ولفظة: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ محتملة للقادر ولمن عليه مشقة ولكبار السن والعجزة.
ولفظة ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] لا احتمالات فيها؛ بل بينة محكمة في الوجوب. فهي التي عليها العمل.
أما الأخرى فننظر إن كان معناها تخيير الذين يشق عليهم الصوم، ففيه إشكال من جهة أن المشقة تنقسم إلى مؤقتة، كعمال المناجم والطرقات في أيام الصيف الشديد، وإلى دائمة كمثل كبير السن العاجز وبعض مرضى السكر العاجزين عن الصوم.
فالقسم الأول يؤدي إلى رفع الصوم على كل من ادعى المشقة، وهذا غير منضبط ويؤدي إلى إبطال التكليف، وما أدى إلى إبطال التكليف فهو باطل، ولا تعلق أحكام الشريعة على ما يعود عليها بالإبطال.
فتبين أن معنى ذلك هو الزمانة والعجزة ونحوهم.